نمر سعدي

ثمَّةَ مطرٌ خصوصيٌّ في قلبي لا يشبهُ هذا المطرَ وقصةٌ لن تُروى إلاَّ على ضوءِ دمعةٍ من رخامٍ ثمَّةَ شاعرٌ ينظرُ في صندوقِ قلبهِ فلا يرى سوى وردةٍ من دخانٍ ثمَّةَ عاشقانِ يجلسانِ في مقهى على البحرِ ولا يتبادلانِ سوى الابتساماتِ الغامضةِ ثمَّةَ بحرٌ يهدرُ في صورةٍ على الجدارِ لا يعرفُ كيفَ يخرجُ...
لا بدَّ من ماءٍ لآخرِ نجمةٍ نبتتْ كزهرِ الملحِ في ندَمِ الثرى لا بدَّ من عطرٍ سماويٍّ لكي يرمي على وجهي القميصَ لكي أرى لا بدَّ من نثرٍ تربَّى في يدٍ كحفيفِ أغنيةٍ وعاشَ على السُرى لا بدَّ للعنقاءِ في عينيَّ أن تخضرَّ ثانيةً وتُشعلَ مرمرا لا بُدَّ من صلصالِ (وردٍ) صُبَّ في كأسٍ ل (ديكِ الجنِّ)...
أُحدِّقُ في بؤبؤِ العينِ أو في يدي مثلَ عرَّافةٍ فأرى وجهَها أحدِّقُ في خرزِ الليلِ أو في نجومِ النهارِ وفي وَحمِ القلبِ أو سدرةِ المنتهى أُحدِّقُ في الشِعرِ أو في فواتيرِ هذي الحياةِ وفي قلقي الهشِّ من كلِّ شيءٍ وفي أوجهِ الناسِ أو في سرابِ المها أُحدِّقُ في النقدِ حينَ يقولُ: أما آنَ أن...
مُذ كنتُ أفسدَني جمالُكِ فانجرَرْتُ وراءَ قلبي وانحدَرتُ من الفراديسِ المضاءةِ بالجمانِ وهِمتُ في وادٍ بغيرِ بصيرةٍ أو نمتُ كالضلِّيلِ يوماً فوقَ دربِ الرومِ أو أُدرجتُ في الصندوقِ لمْ أتركْ سوى شبحِ القصيدةِ في قرارِ البئرِ وانسلَّتْ يدا قلبي هناكَ من التماعاتِ السيوفِ ومن دبيبِ الجندِ...
لكِ موجتانِ صغيرتانِ وشعلتانِ امتدَّتْ الصحراءُ دونهما ولي جسدٌ يحنُّ لضلعهِ ولِمَا اشتهتْ تفَّاحةُ الفردوسِ منكِ.. كأنهُ بذئابهِ يعدو أمامي كوني لهُ بريَّةً أولى ليسعى فيكِ أو ليُعيدَ ماءَكِ للينابيعِ القصيَّةِ واشتهاءَكِ للظلالِ وموجتيكِ إلى مصبِّ دمي وصوتَكِ للمَحارةِ والأنينِ وشُعلتيكِ إلى...
لي أخوةٌ في شمالِ القلبِ.. جنَّتُهم مفقودةٌ.. سقطوا من أجلها صرعى يستنبتونُ من النارنجِ غصَّتهم ويشربونَ من الفَسقيَّةِ الدَمعا يستحلبونَ وصايا صخرةٍ هَزلتْ كانت بسفرِ المراثي مرَّةً ضرعا قالَ المسيحُ: سماواتٌ ستحضنهم وتنحني بحنانٍ تُطعمُ الجوعى هل يسألُ الطفلُ فيكم أمَّهُ سمَكاً يوماً.. فتعطيهِ...
كمْ الحنينُ خصوصيٌّ.. كمْ الحلُمُ كقُبلةٍ ضيِّقٌ.. عارٍ.. كمْ الندَمُ كصرخةٍ واسعٌ.. أعمى.. كمْ القلقُ مراوغٌ وأليفٌ في شراستهِ كثعلبٍ راحَ بي في الليلِ يلتصقُ كمْ الوجودُ سرابيٌّ.. كمْ العدَمُ *
من لي بمرآةٍ أراكِ الآنَ فيها تُولدينَ وتخرجينَ إليَّ كامرأةِ المزاميرِ الحديثةِ من رذاذِ زجاجِ قلبي... تُنقصينَ العمرَ زنبقتينِ ثمَّ تمدِّدينَ قصيدتينِ على الأريكةِ عندَ منتصفِ النهارِ وتتركينَ بكاءَ زينتكِ الوحيدةِ في يديَّ وتخرجينَ لصيدكِ اليوميِّ عابقةً بعطرٍ غامضٍ ما بينما وحدي كطيرِ سمندلٍ...
(بعدَ مشاهدتي لفيلم عن حياةِ الشاعرِ الإسباني فيدريكو غارسيا لوركا تأثرت بمشهد يقتادُ فيه جند فرانكو الشاعر ومن معه من الثوَّار للزجِّ بهم في شاحنة عسكرية ونقلهم في فجر ذلك الصيفِ الغرناطيِّ إلى منطقةٍ وعريَّةٍ حيثُ يُطلبُ اليهم الترجل من الشاحنة والمشي مسافة قصيرة ثمَّ يصيح بهم الجند بأن يركضوا...
تقولُ أُغنيَّةٌ شعبيَّةٌ صدحَتْ: رمَّانُها ذاكَ يدعوني أم الحجَلُ؟ تقولُ شاعرةٌ ضاقتْ بشاعرها: خذ ثوبَ بحركَ عني أيُّها الرجلُ تقولُ عاشقةٌ أودتْ بعاشقها: قلبي الصغيرُ مزيداً ليسَ يحتملُ تقولُ ظبيةُ ماءٍ في القصيدةِ: هل أمشي ثلاثينَ ديواناً ولا أصلُ؟ تقولُ لي امرأةٌ عنقاءُ: بي وجعٌ من الحياةِ...
رجلٌ عابرٌ في الخريفِ لمن يتركُ الزعفرانَ على حالهِ ولمنْ سوفَ يُهدي الأغانيَ أو حكمةَ الأربعينَ وماذا سيفعلُ من دونِ تشرينَ.. ماذا سيفعلُ بعدَ صداقتهِ للحَمامِ وكيفَ سيقرأُ زهرَ البنفسجِ من غيرِ أن يتلعثمَ ثمَّ يلمِّعُ مرآتهُ بالسحابِ الخفيفِ لتخرجَ منها بلادٌ مؤجَّلةٌ وامرأةْ لها ضحكةٌ شبهُ...
أشعَلتُها نارنجةً لنزارَ للحبَقِ الدمشقيِّ الأنيقِ لدفتري النثريِّ للريحِ التي تعوي كذئبٍ خلفَ نافذتي الجريحةِ للنهارِ وللغناءِ الساحليِّ وللقصيدةِ: يا نزارُ مضى نهارُ العمرِ وانطفأتْ بحيرةُ ليلكٍ في القلبِ لكن لم أجدْ شَعرَ الحبيبةِ في انتظاري كي ينامَ الوجهُ فيهِ كما النوارسِ في الشتاءْ كم...
أمٌّ تضيءُ الآن دمعتَها لترشدَ قلبَ هذا الليلِ للمجهولِ كالطيرِ المهاجرِ للجنوبِ على شفا البلَّورِ.. لا.. بل وردةٌ أنثى تجفِّفُ جرحَها في الشمسِ.. بل ماءٌ خريفيٌّ يدقُّ البابَ في خجَلٍ لأصحبَهُ إلى ما ليسَ يعنيني وأتركَ من ورائي صرخةَ القُبَلِ القديمةِ في الرخامِ ونجمةً زرقاءَ طبشوريَّةً وبحيرةً...
يا قلبُ شاهد ذكرياتكَ كلَّها ندَمٌ عليهِ دَمٌ تناسلَ من غبارِ الطلعِ سبعُ قصائدٍ لحبيبةٍ ثكلى وللغضبِ المقدَّسِ وردةٌ جوريَّةٌ قد أصبحتْ حجراً وبنتٌ وردةً جوريَّةً صارتْ وماءٌ في إناءِ الحزنِ أغنيةُ المسافرِ للمسافرِ والعصافيرُ النحيلةُ في الخريفِ وذكرياتُكَ... ذكرياتُكَ كلُّها...
لن أستريحَ.. فبعدَ هذي الحربِ سوفَ يقودُني حَدْسُ الجَفاءِ لأوَّلِ الأشجارِ أو لحديقةِ النسيانِ كالمنفيِّ قد تغفو يدايَ على تماثيلٍ تخلِّدُ رغبةً سريَّةً بتخلُّصِّ الإنسانِ من جدليَّةِ الخسرانِ والماضي وقد يمشي صدايَ على خطى امرأةٍ فتبسمُ لي لكي لا يختفي قمرُ النحيبِ من السماءِ فيَحتَفي مطرٌ...

هذا الملف

نصوص
158
آخر تحديث
أعلى