نمر سعدي

لي أخوةٌ في شمالِ القلبِ.. جنَّتُهم مفقودةٌ.. سقطوا من أجلها صرعى يستنبتونُ من النارنجِ غصَّتهم ويشربونَ من الفَسقيَّةِ الدَمعا يستحلبونَ وصايا صخرةٍ هَزلتْ كانت بسفرِ المراثي مرَّةً ضرعا قالَ المسيحُ: سماواتٌ ستحضنهم وتنحني بحنانٍ تُطعمُ الجوعى هل يسألُ الطفلُ فيكم أمَّهُ سمَكاً يوماً.. فتعطيهِ...
كمْ الحنينُ خصوصيٌّ.. كمْ الحلُمُ كقُبلةٍ ضيِّقٌ.. عارٍ.. كمْ الندَمُ كصرخةٍ واسعٌ.. أعمى.. كمْ القلقُ مراوغٌ وأليفٌ في شراستهِ كثعلبٍ راحَ بي في الليلِ يلتصقُ كمْ الوجودُ سرابيٌّ.. كمْ العدَمُ *
من لي بمرآةٍ أراكِ الآنَ فيها تُولدينَ وتخرجينَ إليَّ كامرأةِ المزاميرِ الحديثةِ من رذاذِ زجاجِ قلبي... تُنقصينَ العمرَ زنبقتينِ ثمَّ تمدِّدينَ قصيدتينِ على الأريكةِ عندَ منتصفِ النهارِ وتتركينَ بكاءَ زينتكِ الوحيدةِ في يديَّ وتخرجينَ لصيدكِ اليوميِّ عابقةً بعطرٍ غامضٍ ما بينما وحدي كطيرِ سمندلٍ...
(بعدَ مشاهدتي لفيلم عن حياةِ الشاعرِ الإسباني فيدريكو غارسيا لوركا تأثرت بمشهد يقتادُ فيه جند فرانكو الشاعر ومن معه من الثوَّار للزجِّ بهم في شاحنة عسكرية ونقلهم في فجر ذلك الصيفِ الغرناطيِّ إلى منطقةٍ وعريَّةٍ حيثُ يُطلبُ اليهم الترجل من الشاحنة والمشي مسافة قصيرة ثمَّ يصيح بهم الجند بأن يركضوا...
تقولُ أُغنيَّةٌ شعبيَّةٌ صدحَتْ: رمَّانُها ذاكَ يدعوني أم الحجَلُ؟ تقولُ شاعرةٌ ضاقتْ بشاعرها: خذ ثوبَ بحركَ عني أيُّها الرجلُ تقولُ عاشقةٌ أودتْ بعاشقها: قلبي الصغيرُ مزيداً ليسَ يحتملُ تقولُ ظبيةُ ماءٍ في القصيدةِ: هل أمشي ثلاثينَ ديواناً ولا أصلُ؟ تقولُ لي امرأةٌ عنقاءُ: بي وجعٌ من الحياةِ...
رجلٌ عابرٌ في الخريفِ لمن يتركُ الزعفرانَ على حالهِ ولمنْ سوفَ يُهدي الأغانيَ أو حكمةَ الأربعينَ وماذا سيفعلُ من دونِ تشرينَ.. ماذا سيفعلُ بعدَ صداقتهِ للحَمامِ وكيفَ سيقرأُ زهرَ البنفسجِ من غيرِ أن يتلعثمَ ثمَّ يلمِّعُ مرآتهُ بالسحابِ الخفيفِ لتخرجَ منها بلادٌ مؤجَّلةٌ وامرأةْ لها ضحكةٌ شبهُ...
أشعَلتُها نارنجةً لنزارَ للحبَقِ الدمشقيِّ الأنيقِ لدفتري النثريِّ للريحِ التي تعوي كذئبٍ خلفَ نافذتي الجريحةِ للنهارِ وللغناءِ الساحليِّ وللقصيدةِ: يا نزارُ مضى نهارُ العمرِ وانطفأتْ بحيرةُ ليلكٍ في القلبِ لكن لم أجدْ شَعرَ الحبيبةِ في انتظاري كي ينامَ الوجهُ فيهِ كما النوارسِ في الشتاءْ كم...
أمٌّ تضيءُ الآن دمعتَها لترشدَ قلبَ هذا الليلِ للمجهولِ كالطيرِ المهاجرِ للجنوبِ على شفا البلَّورِ.. لا.. بل وردةٌ أنثى تجفِّفُ جرحَها في الشمسِ.. بل ماءٌ خريفيٌّ يدقُّ البابَ في خجَلٍ لأصحبَهُ إلى ما ليسَ يعنيني وأتركَ من ورائي صرخةَ القُبَلِ القديمةِ في الرخامِ ونجمةً زرقاءَ طبشوريَّةً وبحيرةً...
يا قلبُ شاهد ذكرياتكَ كلَّها ندَمٌ عليهِ دَمٌ تناسلَ من غبارِ الطلعِ سبعُ قصائدٍ لحبيبةٍ ثكلى وللغضبِ المقدَّسِ وردةٌ جوريَّةٌ قد أصبحتْ حجراً وبنتٌ وردةً جوريَّةً صارتْ وماءٌ في إناءِ الحزنِ أغنيةُ المسافرِ للمسافرِ والعصافيرُ النحيلةُ في الخريفِ وذكرياتُكَ... ذكرياتُكَ كلُّها...
لن أستريحَ.. فبعدَ هذي الحربِ سوفَ يقودُني حَدْسُ الجَفاءِ لأوَّلِ الأشجارِ أو لحديقةِ النسيانِ كالمنفيِّ قد تغفو يدايَ على تماثيلٍ تخلِّدُ رغبةً سريَّةً بتخلُّصِّ الإنسانِ من جدليَّةِ الخسرانِ والماضي وقد يمشي صدايَ على خطى امرأةٍ فتبسمُ لي لكي لا يختفي قمرُ النحيبِ من السماءِ فيَحتَفي مطرٌ...
أضيئي شفاهي بسنبلةٍ واحدةْ وضلعي بعشرِ نجومٍ وقلبي بخمسِ قصائدَ بحريَّةٍ ثمَّ عرِّي دمي الشاعريَّ وغطِّي جراحَ بنفسجةِ الشاهدةْ ولا تتركي فوقَ ريحِ الصليبِ أصابعَ طفلٍ يسمِّرها بردُ كانونَ.. هاتي هواء نظيفاً لأنفخَ في غُصَّةِ القلبِ بعضَ الأغاني وأصنعَ من طينِ حزني عصافيرَ من أجلِ طفلٍ على...
الكتابةُ ليستْ دواءَ الكآبةِ لكنها قد تكونُ لتزجيةِ اليأسِ من قدَرٍ ظالمٍ أو تكونُ محاولةً للتخلُّصِ من فائضِ الوجدِ في أوَّلِ الليلِ أو فرصةً كي تكونَ لبضعَ دقائقَ ما تشتهي أن تكونَ ولا شيءَ أيضاً.. وقد لا تكونُ طريقتَنا في التأمُّلِ والحُبِّ والمستحيلِ وقد لا تكونُ... الكتابةُ مثلُ النداءِ...
لو قلتِ: هذا العمرُ أقصرُ (في حضوركِ) من هروبِ الحُلمِ من قلبي وأصغرُ من هبوبِ قصيدةٍ في خلسةِ المشتاقِ صدَّقتُ العبارةَ واكتفيتُ بنجمةٍ فوقَ السياجِ من الندى ومشيتُ مشيَ النائمِ لو قلتِ: أمطارُ الخريفِ قصيدتي الأولى لصدَّقتُ الإشارةَ والمجازَ أو اكتويتُ بمائكِ الشفهيِّ أو جمرِ الرذاذِ الناعمِ...
كانَ عرَّابَ ريحٍ يدُلُّ المشاةَ وغيمَ النوارسِ حيناً إلى رغبةٍ غامضةْ وحيناً إلى البحرِ أو شجَرِ التينِ والمنتهى وبشمعِ أصابعهِ في الظلامِ يقودُ الطيورَ إلى سرحةِ الشمسِ والمشتهى ثمَّ يبكي بغيرِ دموعٍ ويضحكُ من غيرِ قوسِ قزحْ وفي قلبهِ وترٌ ساحليُّ الندى والفرحْ (آهِ من تلكما المُهرةِ الراكضةْ...
تُنشبُ الاستعارةُ فيَّ وفي الأقحوانةِ أظفارَها عندما لا أرى خضرةَ الضوءِ مثلَ الفراشةِ حولَ اسمها حائمةْ هيَ شاعرةٌ في الحياةِ ولا تكتبُ الشِعرَ لكنْ (مجازاً) تخطُّ قصيدتها ثمَّ تمضي على عجَلٍ (آهِ من حجَلٍ هاربٍ من يديَّ) لأحرسَ أقمارَها واحداً واحداً بعدَها من فمي أو لأمحو رسالتها بشفاهي...

هذا الملف

نصوص
138
آخر تحديث
أعلى