المترجم الثاني الذي أتناوله في متابعاتي هذه الصديق الشاعر والمترجم ياسين طه حافظ من خلال ترجمته لشاعرين هما ويلفريد أوين والشاعر الإيرلندي ييتس.
سأتناول قصائد أوين الثلاث التي وردت في كتابه "شعراء من الحرب العالمية الأولى" مبتدئاً بقصيدة مؤثرة هي من بين أجمل ما خلّف الشاعر أوين من أشعار رائعة...
القصيدة الأخرى التي سأتناولها، من بين "قصائد التعريف" العديدة، هي القصيدة رقم 1463 التي أطلقنا عليها تسمية "الطائر الطنان" وإن لم يرد هذا الاسم في القصيدة، غير أن الشاعرة أميلي ديكنسون اعتادت على ذكر مجيئه – في أماكن أخرى - في موسم هجرته، في الصيف، إلى حديقتها قاطعاً آلاف الأميال بسرعة خيالية...
(2-10)
كلمة لا بدّ منها قبل الشروع بمواصلة السير
في مقالتنا الثانية ستتوضح الصورة أكثر لهذه الظاهرة الأولى التي قلنا إنها تعتمد الأجزاء وليس الكل رغم براعة المترجمين الذين قد يهملون هذه القاعدة أحياناً، ناسين أن لكل قصيدة عالمها المكتمل الذي يتكشّف للذي خبر اللغة والشعر حتى ولو لم يكن على...
(1-10)
سبق أن تناولت إشكالات الترجمة إلى اللغة العربية في كتاب لي بعنوان "غبار الترجمة" من خلال مناقشة العديد من الكتب التي احتوت على ترجمات شكسبير، وأليوت، وألحقت كتابي هذا بمقالات أخرى سيجمعها كتاب آخر بعنوان "أوهام الترجمة" أما الكتاب الثالث المهيأ حالياً للنشر أيضاً بعنوان "محو الترجمة"...
مدخل:
فن يعيش على حافة المستحيل: ذهب أهل الصناعة قديماً إلى أن المترجم خائن، وذهبوا حديثاً إلى أنه ضيفٌ يطرق باب لغة لا تملك مفاتيحها كاملة. بين هذين الحكمين - حكم الخيانة وحكم الضيافة - تتأرجح الترجمة منذ أن جرؤ الإنسان على نقل معنىً وُلد في لسانٍ إلى لسانٍ آخر لم يُخلق له. وهي، في جوهرها،...
عول بعض المستشرقين الألمان علي في أن أكون صلة وصل بين الدارسين الألمان للأدبيات الفلسطينية والقراء الفلسطينيين ، واقترح من تعرفت إليه منهم علي أن أقرأ بعض دراسات لعلني أفيد منها وأنظر في طريقة كتابتهم . هذا التعويل أو التوقع دفعني لأن أولي الموضوع جانبا من نشاطي .
ولا شك أيضا أن هناك دافعا...
ليس الشعر مجرّد خطاب لغوي تُحمَل فيه الدلالة على محامل الألفاظ، بل هو كيانٌ جماليّ مركّب، تتشابك في نسيجه اللغةُ بالإيقاع، ويتآزر فيه المعنى مع الرنين الصوتي، حتى يغدو الشكل والدلالة وجهين لجوهرٍ واحد لا يقبل الانفصال. وتستمدّ القصيدة سلطانها لا من معناها الظاهر فحسب، بل من بنيتها الموسيقية...
تقنية التكييف adaptation التي وقفنا عليها سابقا، مرتبطة ضرورة بالملفوظ énoncé، أي: العبارة المستعملة من قبل المتكلم في سياق ما تحكمه ثقافة ما، ومن ثم علاقة الترجمة بالتداوليات (pragmatique)، أي ارتباطها باللغة في حال المراس اللغوي او الإنجاز الفعلي ( performance بلغة تشومسكي).
وثمة تقنية أخرى،...
إن الترجمة في العمق محاولة لتقريب الناس، بعضهم من بعض، وتقويض الحواجز الثقافية التي تباعد في ما بينهم، لذلك، تقتضي عملية الترجمة تمثّلَ البعد الثقافي في الجملة بلْهَ الكلمة في النص/ الأصل والاحتراز من نقله إلى سياق لغوي لا يقبله.
نحتاج في أحايين كثيرة عند ترجمة نص ما، إلى تكييفAdaptation. Eng...
تخيّل متكلما مغربيا يتحدّث إلى إنجليزي، عن فن الطبخ المغربي، ويضرب مثلا بوصفة الحلوى الشهيرة المسمّاة " كعب غزال". الإنجليزي لا يعرفها، سيكتفي حين يتعلم إعدادها أن يترجم العبارة المغربية، فيسميها .gazelle ankles1 في هذه الترجمة نقل للعبارة المغربية، بمعنى إضافة معنى جديد للغة الإنجليزية بلفظين...
2 ( تابع)
نتصوّر أن ثمة متكلما من أولاء (أصحاب برج بابل) صار تاجرا، فنزل بقرية لا تتحدث لغته ليعرض أدوات وآلات وأوانيَ مختلفة لا يعرفها أصحاب القرية، ولا يعرف هو لغتهم: سيعرض سلعته بأن يسمّي الأشياء التي لم يعرفها مخاطبوه، فيقول مثلا: Casserole ويردّد بعده المتكلم الأجنبي الاسم، فيتحول عنده...
-1-
في كتاب التكوين من التوراة (La Genèse) في الكتاب المقدس العبراني (La Bible hébraïque) أن "الناس1 جميعا كانوا يشتركون في لغة واحدة ويتواصلون بكلام متشابه" ثم وقَرَ في أنفسهم أن يبنوا مدينة يكون بها برج يلامس السماء، فلمّا اكتشف الله ذلك، بَلبلَ لغتهم أي خلط في ما بينها، (في اللغة العبرية...
تُعدّ ترجمةُ الشَّعر رحلة مُتفَرِّدة تُشبه كثيراً محاولة الإمساك بالنسيم قبل أن يختفي سليلهُ بين فروج الأصابع، بل وأكثر من أن تكون رسماً خَرائِطياً لألوانٍ لا تُرى بين نَدأَةِ الشروق وشفق الغروب، وما يتشكل من خلال المسافة بينهما، هو ما نسميه بحياكة الظلال؛ أي برسم لوحة المعاني الكامنه وراء النص...
تَظهر الترجمة في خطابها المثالي بوصفها جسراً يَصل بين اللغات ويُيسر عبور التجارب الإنسانية. غير أن هذا الجسر يعمل، في كثيرٍ من الأحيان، مرشحاً يَحجب ويُعيد ترتيب ما يمر عبره. فاللغة المُستقبِلة لا تتلقى النص «كما هو»، بل تُعيد تشكيله داخل منظومةٍ من العوامل المؤسسية والتجارية والأيديولوجية التي...
لا ينبغي أن ننظر إلى الترجمة الأدبية كجسر من لغةٍ إلى أخرى فحسب، بل كعبورٍ روحي بين عالمين مختلفين، ومنطلقٍ لإحياء النص في بيئةٍ جديدةٍ دون أن يفقد نبضه الجوهري. إنها فعل انبعاث، تُولد فيه الكلمات من جديد، ككائنٍ يخلع جلده اللغوي ليرتدي جِلداً آخرَ مختلفَ الألوان، لكنه يقوم على جسد واحد ويحيا...