كان والدي يستخدم محراثًا يجرّه حصان،
كتفاه مُكوّرتان مثل شراعٍ منتفخٍ مشدودٍ
ما بين عَموديْ المحراث والثَّلم.
والحصان رهْنُ نقرات لسانه.
كان خبيرًا. يُرَكِّب الجناح
ويُثَبّتُ السِّكّةَ اللامعة برأسها المدبّبِ.
فيتدحرجُ سطحُ التربة دون أن يتكسر.
من جهةِ عِدّة الرأس، بِجَذْبَةٍ واحدةٍ
للزمامِ ،...
أعاني من زكام فظيع
والجميع يعرف كيف أنّ الزكامَ الفظيعَ يُغيّرُ
نظامَ الكون كلّه
يجعلنا نقف في مواجهة الحياة،
وحتى الميتافيزيقيا يجعلها تعطس.
ها قد أضعت يومًا كاملًا وأنا أتمخّط.
رأسي يعاني من صداعٍ غامض.
وهذه حالٌ محزنة لشاعرٍ مغمور!
اليوم أنا حقًّا وصدقًا شاعرٌ مغمور.
وما كنتُ عليه في الأيامِ...
أيتها الغيوم في السماوات العُلا، أيتها الطوّافات السماوية
أيتها الحبال الطويلة من اللآلئ الثلجية الممتدة فوق السهول اللازوردية
أنت مثلي منفيّة، تندفعين مبتعدةً أكثر فأكثر،
تقطعين مسافاتٍ لا حدودَ لها، تاركةً الشمال العزيز على قلبي
ما الذي يدفعك باتجاه الجنوب؟ أهو حسدٌ يحثّك
سرًٍّا أم حقدٌ تنطلق...
كم من البحار
كم من الفيافي
والغابات المَطيرة
كم من فراغات المرايا
في لحظةٍ أو خلال قرون
عبرتُ
من أجل أن تتلاقى
وحدتي
مع وحدتِكِ
آه يا مدينةَ الزهرةِ القرمزية!
أيتها الصخرةُ الهائلة الجميلة
لست أبالي
بأي كنزٍ
إزاءَ هذا الحِصانِ الأحمرِ الذي
يقف منتصبًا، مشدودًا إلى مربط
في غفلةٍ
من ثلاثةٍ وعشرين...
ينتابني هذا الإحساس
بالقلق كما لو أن أمواجًا
من الارتباك تهيمن على كياني
الدموع تملأ عينيّ
وجهي يعتريه الشحوب
قلبي تنتابه الحيرة
يعاني من آلامٍ لذيذة.
شََعري يضطّرِبُ يأسًا
يتملكني العجز
أشعر بوخزات في صدري
عيناي تحمرّان كما لو أنهما تشنعلان
لا أقدر على التركيز، الضبابُ يغشى رأسي.
أتمنى لو...
جاء عيد الفصح مبكرًا وقد انتهى وقت التزلج للتو، والثلجُ ما يزال يتساقط في الساحات، والمياهُ تجرى في جداولَ في أنحاء القرية. ومن بين كومة من الروثِ بين ساحتين امتلأت بركةٌ كبيرةٌ بالماء. حضرتْ إلى البركة بنتان من بيتين مختلفين - إحداهما أصغر والأخرى أكبر منها بقليل. كانت والدتاهما قد ألبستاهما...
زهرةٌ واحدة
على شجرةِ كرز،
لا بد أنها تُحسُّ بالوحدة
إذ تسهرُ
طوالَ الليلِ
وتتساءلَ إن كانت
لديك
واحدةٌ أخرى
تواجهُ البردَ والريحَ،
في انتظار لمسةِ حنان،
وقد اكتسى خداها بالحمرة
كما الخوخ.
تندبُ حظّ البتلاتِ
الرقيقة المألوفة،
التي لم تَلتقِ بها قطُّ
وما زالت
تفتقدها
عجيبٌ أن تعرفَ
أن يومَك...
في السابع عشر من تموز/ يوليو، عام ألفٍ وثمانمائةٍ وثلاثةٍ وثمانين، في الثانية والنصف صباحًا، استيقظ حارسُ مقبرةِ بيسيرز، الذي كان يعيش في كوخ صغير يقع على حافة حقل الموتى ذاك، على نباحِ كلبِه الذي كان حبيسًا في المطبخ.
نزل بسرعةٍ ورأى الحيوان يتشمَّم الشّق الذي في الباب وينبح بشراسةٍ كما لو أن...
كانت التلال التي تتوسط وادي إيبرو ممتدةً وبيضاء. لم يكن على هذا الجانب ظلٌّ ولا شجر، وكانت المحطةُ هناك تقع بين خطين من القضبان تحت أشعة الشمس. وغير بعيدٍ بجانب المحطة يبدو الظلُّ الدافئ للمبنى، وثمّةَ ستارةٌ مصنوعةٌ من خيوطِ من خرز الخيزران معلقةٌ على الباب المفضي إلى داخل الحانة كي تُبْعِدَ...
راح صديقي المهندس المعماري، الذي يمكن أن نعتبره رحّالة، يعرض علينا تُحَفًا متنوعة كان قد جمعها أثناء زيارته للشرق. قال وهو يلتقط علبةً صغيرةً ويُقلّبها بيده: " هذه لكِ. أنتِ مُدَخّنة؛ خذيها معك إلى البيت. أهدانيها في القاهرة رجلٌ من الفقراء المتصوفة خُيّل إليه أنني أسديتُ إليه معروفًا".
كانت...
أكلُّ قنبلة تنفجر في غزة،
وكل رصاصة تُطلَق،
تحمل لعنةَ كربلاء؟
لست في موقعٍ يسمح لي أن أحكم على ذلك.
فمن أكون كي أقرّرَ ما الصواب وما الخطأ؟
كلُّ ما أحاول أن أستوعبه
هو هذه الحِسبةَ المُعقّدة.
كم حاولتُ أن أستشعر الألم والغضب
الّذّيْ يكابده أبٌ إسرائيليٌّ
فقدَ ابنته في السابع من أكتوبر.
شعرتُ...
لسوف ألتقيك مرة أخرى
كيف وأين
لا أدري
ربما سأغدو
وهمًا من نسج خيالك
وربما أنشر نفسي
في خط غامض
على لوحتك
وسوف أظلّ أحدق فيك.
ربما أغدو شعاعًا
من ضياء الشمس
لعلّ ألوانُك تحتضنني
لسوف أرسم نفسي على لوحتِك
لا أعرف كيف وأين –
لكنني سوف ألتقيكَ لا محالة.
ربما أتحول إلى ينبوع
وأروح أدَلّك جسدَكَ...
كم ترهقني يا ظلّي
يا هذا الشبحُ الشائِهُ
للوجعِ الساكنِ بين ضلوعي...!
كم تدفعني أن أتوارى في العتمة فَزَعاً
منكْ...!
حين تلاحقُني
صورتُكَ الناحلةُ السوداءُ
المشؤومةُ
أو تسبقُني هيأتكُ الخرقاءُ
المرسومةُ
فوق طريقي
أشعرُ أني أعدو
قُدّامَكَ
أو خلفَكَ
رغمًا عني
أنّك تنخزُني في عنقي
أو تسحبُني من...
أتحدث من أعماق الليل أنا
من قلب العتم
ومن أعماق الليل أنا أتحدث يا صاح
إن جئتَ إلى بيتي أحضر لي مصباحاً
أحضر نافذةً أشهدُ منها
الجمعَ الحاشدَ في الدرب الحافل بالأفراح
----------------------------------
النص الفارسي
هدیه
فروغ فرخزاد
من از نهایت شب حرف میزنم
من از نهایت تاریکی
و از نهایت شب...
قبل أن أتزوج
كانت تنتاب
أمي
الكوابيس.
صرخاتها الفَزِعة كانت تهزني
وكنت أوقظها وأسألها
"ما الذي حدث؟"
وكانت تحدق فيّ بعينين فارغتين.
لم تكن تستطيع أن تتذكر أحلامها.
ذات يوم استيقظتْ من كابوس
لكنها لم تصرخ
تشبثتْ بي وقد اعتراها خوفٌ صامت
سألتها
"ما الذي حدث؟"
فتحت عينيها وحمدت الله
قالت:
"رأيتكِ...
أحسُّ بالحزن،
أحسُّ بالأسى.
أمضي إلى الخارجِ وأروحُ أفركُ أصابعي الباردة
على محارةِ الليلِ الصامتِ الملساء.
أرى أضواءَ التواصلِ كُلَّها مُعتِمة،
والمساراتِ التي تربطنا معًا كلَّها مسدودة.
لن يُعَرفّني أحدٌ إلى الشمس،
لن يأخذني أحدٌ للقاء الحمائم.
خلّوا رحلةَ الطيران في بالكم،
فقد يموتُ...
أنا لست سوى بدويٍّ
أسكن خيمةْ –
سكنًا تعمُره البهجة والدفءُ
نسيجًا خشنًا
من شعر الماعِز
يمنحني الظل
إذا ما أقبل صيفٌ
ويقيني من عصف الريح
إذا ما حلَّ شتاءْ
------
أمتعتي:
ثوب فضفاضٌ
أسودُ
نعلان عتيقانِ
ودلّةُ قهوةْ
وخليطٌ من أشياءٍ
أحملها في جعبةْ –
أشياءٍ لا...
– اليوم 746
وقف إطلاق النار الثالث، اليوم 12
عادت من المقبرة
لتجدَ جثثَ أفرادِ عائلتها:
ولدِها، وبناتِها الأربع
وزوجِها.
هي الوحيدة المتبقيّة
من بين كل اؤلئك الذين عاشت معهم،
أحدُ أبنائها لم يزل مفقودًا،
لم يزل تحت الأنقاض.
ما عاد التعرف على بيتها ممكنًا.
رجعت لتجلس بين قبور الذين دفنتهم
منذ...
أحبّكَِ
مثلما أغَمّس الخبزَ في الملح وآكله
مثلما أصحو ليلًا وقد انتابتني حمّى شديدةُ الوطء
وأشرب الماءَ، والصنبورُ في فمي
مثلما أفتح الصندوقَ الثقيلَ الذي يحمله ساعي البريد
دون أن أدري ما هو
فأرفرف فَرَحًا وأغرق في الحيرة
أحبّكِ
كما لو كنتُ أحلّق فوق البحر في طائرةٍ للمرّة الأولى
كما لو...
راح صديقي المهندس المعماري، الذي يمكن أن نعتبره رحّالة، يعرض علينا تُحَفًا متنوعة كان قد جمعها أثناء زيارته للشرق. قال وهو يلتقط علبةً صغيرةً ويُقلّبها بيده: " هذه لكِ. أنتِ مُدَخّنة؛ خذيها معك إلى البيت. أهدانيها في القاهرة رجلٌ من الفقراء المتصوفة خُيّل إليه أنني أسديتُ إليه معروفًا".
كانت...
ثقيلةٌ يدُك أيها الليلُ على جفني.
لا أحمل قلبًا زئبقيًا كما السَحاب
حتى أقف في وجهك
محراثُكَ الماكر يمعن في تعذيبي.
ثمّةَ امرأة، تستلقي على هلال البحر كالصَدَفة.
رأيتَ عينَك الغيورةَ تُطفئُ وميضَ البحر،
ترقص على وقع الخفقان المتلاحق
للأمواج. ووقفتُ وقد استُنزفِتْ قُواي
مستسلمًا كالرمال،...
ي
منتصف ليلِ سنواتي العابرة...
هل طرقَ أحدهم مصراعيِ الباب الأبكمين
أم أصابني الذعرُ في حلم؟
ما بيت الحب هذا؟
صخورٌ مرعبةٌ تتناثر من تحته،
نوافذ ما تفتأ ترتجف.
لعل الرهبة تكمن في أعماقي
أكثر من أي مكان هناك.
فَزَعي من وسامته،
ذهولي أمام عقله،
خوفي من رقصة الهُجران الجامح
أمام عينيه اللتين...
يَعبُر أوشوميلوف رئيسُ الشرطة السوقَ بمعطفه الجديد، وقد تأبطّ طردًا. يتبعه شرطيٌ أُحمرُ الشعر يحمل بين يديه بعضًا من الفاكهة المُصادَرَة. يَسودُ الصمت في الجوار. ليس ثمّة أحدٌ في السوق. أبوابُ ونوافذُ المحلاتِ التجارية والحاناتِ المفتوحة بدت وكأنها أفواهُ فاغرةٌ جائعة. لم يكن ثمّةَ أحدٌ في...
هواجس
نزار سرطاوي
1
همسًا يتحدّثُ
كي لا تسمعَهُ الريحُ
وتنقلَ أصداءَ الكلماتِ
إلى صدفاتِ البحر
يقولُ لها:
ها قد شَحَّتْ أمطاري
جفّ النهر
ها قد شِختُ أخيرًا...
شِختُ كثيرًا
عيناي تنكّستا
شفتاي تيبّستا
ويداي تشقّقتا
وتقوّس منّي الظهر
وتغضَّنَ هذا الجلدُ
وودّع رأسي الشَعر
وما هي إلا بضعةُ...
كم ترهقني يا ظلّي
يا هذا الشبحُ الشائِهُ
للوجعِ الساكنِ بين ضلوعي...!
كم تدفعني أن أتوارى في العتمة فَزَعًا
منكْ...!
حين تلاحقُني
صورتُكَ الناحلةُ السوداءُ
المشؤومةُ
أو تسبقُني هيأتكُ الخرقاءُ
المرسومةُ
فوق طريقي
أشعرُ أني أعدو
قُدّامَكَ
أو خلفَكَ
رغمًا عني
أنّك تنخزُني في عنقي
أو تسحبُني من...
أحيانًا أكاد ألمحهم، حول رؤوسنا،
كالبعوض حول عمود إنارة في الشارع صيفًا،
أولئك الأطفال الذين كان في وسعنا أن نحظى
بوميضهم.
أحيانًا أشعر بهم ينتظرون، وقد غلبهم النعاسُ
في غرفةِ انتظار – يعملون خَدَمًا، يصيخون السمعَ قليلًا
لنداءِ الجرس.
أحيانًا أراهم مطروحين كما رسائلُ حبٍّ
في مكتبِ الرسائلِ...
إلبا، نيويورك، شتاء 1850
عزيزي السيدة هاربر،
شكرًا لك على دولارك.
كنّا نأتي على آخر رغيف لدينا.
الجو جدُّ بارد – الأرض حديدية،
لا بد لي أن أطلب من الرجال
أن يسدوا إليّ معروفًا – أن يُقطّعوا الأخشاب.
تسألني في رسالتك عن
ما أومن به. أنت أول من يسألني عن ذلك.
أسمعُ ذوي القلوب الطيبة –
وأظنهم...
قصائد في زمن الفيروس 2
هذا الصباح
ظهرَتِ الغربان كأنها ظلالٌ مترهّلة،
تغنّي أغنيتها الهستيرية
حاملةً في داخلها كل ما في الدنيا من جمالٍ وقسوة؛
في مجد الصباح الأزرق الداكن رأيتُ
ساعاتِ الانتظار، وقد بهتَ لونُها –
لكنْ كان هنالك أيضًا ضحكٌ،
وفوانيسُ عنبِ الدُّبِّ الصغيرةِ؛*
ها أنا وحيدةٌ في...
حين طلّقتكَ أمّنا شعرنا بالفرح. لكم كابدَت
وكابدت بصمت كل تلك السنين، ثمّ
على حين غرّة ركلتك خارجًا، ولكم
أسعد ذلك أطفالَها. ثم طُردتَ، وابتسمنا
في أعماقنا، كما ابتسم الناس حين
أقلعت مروحية نيكسون من الساحة
الجنوبية للبيت الأبيض للمرة الأخيرة. لقد دغدغتْنا
مشاعرُ البهجة ونحن نتخيلك وقد خسرتَ...
الرجل موسم،
وأنت الخلود،
ومن أجل أن تعلمني هذا تركتَني أقذف بشبابي مثل القطع النقدية
بين أيدٍ شَتّى، تركتَني أتزاوج مع الظلال،
تركتَني أغَنّي في أضرحة فارغة، تركتَ زوجتَك
تبحث عن النشوة بين ذراعيْ رجلٍ آخر. لكنني رأيتُ كل
ظِلٍّ يرمي بصورتك الضبابية في كأسي، على نحوٍ ما
بدت الكلمات والإيماءات...
كان القيظُ شديدًا قبل أن يأتيَ الخصيان
ليرقصوا، التنانيرُ الواسعةُ تدور وتدور، الصنوجُ
تتصادمُ معًا بقوة، والخلاخيل تجلجل وتجلجل
وتجلجل... تحت شجرة الكَلمور النارية،
والضفائرُ الطويلةُ تتطاير،
والبريقُ يومض في العيون السوداء، رقصوا
ورقصوا، آهٍ رقصوا حتى سالت دماؤُهم...
كانت على خدودهم وشومٌ...
مختارات من قصائد الزن
كريشنا براساي
ترجمة نزار سرطاوي
مع أنني نشأت في السهل،
فإن التلال تحمل هويتي.
تحمل الجانب الذي أخذتُه عن أبي،
وتحيط بقلب أمي.
كم أعشق التلال، تِلالي.
*
Bred in the plain though,
the hills hold my identity.
They bear my father's part,
and enclose my mother's heart.
I love...
الإنسانية العظيمة هي التي تسافر على سطح السفينة
تركب في الدرجة الثالثة في القطار
تسير مشيًا الأقدام على الجسر
الإنسانية العظيمة.
تذهب الإنسانية العظيمة إلى العمل في الثامنة
تتزوج في العشرين
تموت في الأربعين
الإنسانية العظيمة.
ثمّة ما يكفي من الخبز للجميع خَلا الإنسانية العظيمة
الأمر نفسه...
الكلمات تتراكم
زهورٌ بلا معنى تحولت إلى حجارة
ثمّة رغبةٌ محمومةٌ ترتسم على وجه رجل عجوز
همساتٌ مجنونةٌ تتساقط من نافورة
أحاسيسٌ جامحة
ضحكة بومةٍ تتردد في غرفة خاوية
الزهور محطمةٌ وملقاةٌ عند الأقدام
الأحاسيس استحالت دموعًا
جفّت مثل دماءٍ دافئة
ضائعةٍ في ظلك ...
في البعيد يقبع الليلكُ وحيدًا...