فوز حمزة

انتظر محمد القحطاني مرور عشر دقائق ليصل إلى موظفة الحجز، التي أخبرته بوجود مقعد في آخر مقطورة. عليه اتخاذ القرار بسرعة، فالقطار سينطلق من السويد إلى الدنمارك بعد دقيقتين. وضع التذكرة في جيب بنطاله وبدأ يهرول للوصول إلى القطار رقم 6B. لقد كان الراكب الأخير. شعورٌ بالانزعاج سرعان ما ألمّ به حين...
كنتُ على وشك أن أخبر زوجي كل شيء، وأترك الحقيقة تندفع كما هي، غير أن جملة لنوال السعداوي باغتتني في اللحظة الأخيرة كانت تقول إن الزواج مؤسسة لا تقوم إلا على قدرٍ من الكذب المتبادل بين الطرفين، وإن الصدق المطلق كفيل بهدمها من الأساس، عندها اخترت كذبتي الصغيرة، لا خيانة للحقيقة، بل حماية لبيتي...
الساعة الآن الثانية عشرة ليلًا إلا دقيقة واحدة. بدأ العدّ التنازلي: ثلاث ثوانٍ، ثانيتان، ثانية واحدة. انشطر الزمن إلى ما قبل وما بعد. تعالت صيحات الناس كأنها عدوى سرت بينهم. أخذوا يقبّلون بعضهم محتفلين باستقبال عامٍ جديد. كنتُ الوحيد بينهم؛ أنظر من أعلى جسر (بونت دي زار)، وهو يعكس أنوار...
بعد جولةِ تسوّقٍ فشلتُ في شراء أيّ شيءٍ فيها، استوقفتني رائحةُ القهوة المنبعثة من أحد المقاهي، فأيقظت فيَّ إحساسًا لذيذًا ورغبةً عارمة في احتساءِ فنجانٍ من الإسبريسو مع سيجارة قبل استئناف الجولة مرةً أخرى. تجاوزتُ عتبة المقهى لأشعر بخيبة أمل، وأنا أرى طاولاته مشغولة جميعها، وقبل أن أستدير للخروج...
سمعتُ نداءهُ حين وصل إلى ديار حبيبته، أما هي فقد تسمرتْ من هول المشهد وكأنها تراه للمرة الأولى. قلتُ له بصوتٍ سمعه كل من كان حولي: - لقد انتظرتْ طويلًا موسمِ عودتك، لقد كنتَ حلمها الغافي فوق جفون الانتظار. قال بهمسٍ لذيذٍ: - وها أنا أفي بوعدي إليها إذ أتيتها محمّلًا بالبشائر، وأعانقها من بعد...
الجالسون على جهة اليمين يرونها قادمةً من جهة الشمال، والآخرون الذين اختاروا الجلوس ناحية الشمال يرونها مقبلةً من اليمين. أنا فقط كنت أراها تتهادى في مشيتها بخفةٍ ودلالٍ نحوي. بقيت لحظاتٍ واقفةً دون أن تنظر لأحدٍ منهم. بدت كأنها لا تعلم بوجودهم، كانت بارعةً في التجاهل. ثباتُها وثقتُها بنفسها...
أخرج آدمُ المسدسَ من خزانة الأحذية، حدّق فيه طويلًا وهو يتمتم: «إنها الرصاصة الأخيرة… على مَن سأطلقها؟» لم يبقَ أمامه شيء. السبل كلها أُغلقت في وجهه؛ المنافذ ضاقت حتى لم يعد يملك سوى مساحة يتحرك فيها رأسه ليعلم أن لا شيء حوله إلا المجهول. وسأل نفسه: مَن يستحق هذه الرصاصة؟ ترك الإجابة لمشاعره...
بيرانديللو هو هرّ زوجتي. لا تسألوني عن اسمه الغريب؛ لقد تزوجتها ولم يخطر ببالي مرة أن أسألها عن اسمه. أخبرتني بعدها أن والدها أستاذ المسرح قدّمه لها هدية في ذكرى ميلادها الخامس عشر، وهو مَنِ اختار الاسم. كنتُ أتعمد تجاهله؛ مَن بيرانديللو هذا لأضع نفسي في مقارنة معه؟! مع ذلك، كلما سنحت لي الفرصة،...
تركتُ القلم يقودني بخطوات خفيفة، كمن يضع يده في يد صديق يعرف عنه أكثر مما يعرف هو عن نفسه. لم أعتد ترك السيطرة لشيء غير عقلي، لكنني رغبتُ هذا الصباح أن أكون ألين، أن أخُلي بيني وبين الطمأنينة بابًا مفتوحًا. قررت أن أترك بعض العادات تتساقط دون وداع عن كتفي كأوراق ذابلة اثقلتني. تخليتُ عن...
نهار جمعة ربيعي... لا تخطئ حبيبتي موعدها معي، أقبلتْ يسبقها حسنها، يعلنُ عنها بهاؤها، عطرها ملأ الأماكن التي مرّت بها، شالها الأصفر زادها غموضًا وإجلالًا، حينما ابتسمتْ لي، أطلقَ الليلُ سراحَ الشمس السجينة. لوحتْ لي من بعيد، أقبلْ إليّ، فأنا اشتقتُ لك. عيناها حدثتني بما عجزتْ عنهُ كل حروف...
بعد طلاقي، عدتُ إلى ممارسة العادة التي أحبها ألا وهي الكتابة فوق السرير. لستُ متأكدة إن كان السرير أكثر رحابة من المكتب أم أنني فقط أبحثُ عن حضنٍ لم يعد موجودًا. تمددتُ كما كنتُ أفعلُ قبل عامين، قلتُ في نفسي: لا بأس، ليكن أول ما أكتبه ردّا على رسالة طليقي الأخيرة. نعم، لقد كتبَ لي رسالة ورقية...
تفقدَ محرر الصفحة الاجتماعية بريده الإلكتروني ليجد إحدى وثلاثين رسالة جديدة. ردَّد مع نفسه: ما أحوجني إلى الاختلاء بنفسي! لم يجد لديه رغبة في القراءة أو تبادل الحديث مع أي شخص موجود في الغرفة رغم الابتسامات التي يراها على وجوه زملائه وهم يتبادلون النوادر. حانت منه نظرة ثانية إلى بريده...
في مساء خريفي هادئ، وأنا جالسة أقرأ في كتابٍ على أريكتي المفضّلة، تلقّيتُ رسالة على هاتفي من ابنتي " ثريا ": " ماما، سأصطحبكِ غدًا على العشاء إلى مطعم خاص جدًا، لا تسألي، هناك مفاجأة! جهّزي نفسكِ عند السابعة". ابتسمتُ، لطالما أدهشتني وأدخلتْ السعادةَ لقلبي. وعلى غير عادتها، لم تهتمّ ابنتي كثيرًا...
كيف لي نسيان ذلك اليوم الندي بفعل زخات مطر هطلت عند الفجر، وثمة حطب مشتعل يصدر إيقاعًا لأغنية لم تكتمل بعد. فتحتُ باب غرفة النوم لأجدهما معًا… على سرير واحد. رفعَ يده عنها؛ حاول لملمة نفسه، يبحث عمّا يبرّر فعلته، لكنه فشل. بقي يزيغ بنظره في أرجاء الغرفة. وجّهتُ إليها نظرةً؛ لا أنكر أنها كانت...
أحبُّ كتابةَ القصصِ على ضوءِ النهار، لأمنحَ شخصياتي من الصبحِ إشراقته، ومن الشمسِ وضوحها. أو ربما هو هاجسٌ كي أجعلها نسخًا مكررةً مني؛ ولَِم لا ؟ ألستُ أنا من خلقها ؟ بطلٌ ورقي من أبطالي - كنتُ أفضّله على الآخرين - استفزه ما كتبتُ، فقال لي بعد أن وضع ساقًا فوق ساقٍ: "ماذا قلتِ؟ تجعلينني نسخةَ...

هذا الملف

نصوص
202
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى