في مساء خريفي هادئ، وأنا جالسة أقرأ في كتابٍ على أريكتي المفضّلة، تلقّيتُ رسالة على هاتفي من ابنتي " ثريا ":
" ماما، سأصطحبكِ غدًا على العشاء إلى مطعم خاص جدًا، لا تسألي، هناك مفاجأة!
جهّزي نفسكِ عند السابعة".
ابتسمتُ، لطالما أدهشتني وأدخلتْ السعادةَ لقلبي.
وعلى غير عادتها، لم تهتمّ ابنتي كثيرًا بملابسها ولم تضع مكياجًا كما كانت تفعل حينما تذهب لمناسبة ما، وحينما أبدَيتُ استغرابي، قالت:
- سنذهبُ لمكانٍ لنْ أحتاجَ فيه سوى إلى رشةٍ من عطري المسائي.
لم أعلق على كلمة "مسائي" فلستُ في مزاجٍ للدخولِ في حواراتٍ لن أفهمَ منها شيئًا.
وأنا بانتظارِ أن تركنَ سيارتها، التفتُ نحو مبنى بسيط ذو واجهة زجاجية مظللة لا تحمل اسمًا واضحًا، فقط كلمة واحدة على لوحة خشبية " ظلام".
- هل سنتعشى في مطعم يدعى "ظلام" ؟!
ضحكتْ وقالت:
- ثقي بي، فقط تعالي.
ثم مسكتْ بيدي بحنانٍ، ومشينا نحو المدخل الذي يقفُ على جانبيهِ شابُّ وشابة، وما إن اقتربنا حتى ابتسما مع انحناءة بسيطة من الرأس ليفتحا الباب لنا، بعد أن طلبا منا غلق هواتفنا.
في هذه اللحظة، لولا أنها ابنتي، لظننتُ أنني أدخل في حبكة درامية غامضة!
وما إن خطونا داخل المطعم حتى غمرنا ظلامٌ تام.
لا أضواء، لا شموع، ولا حتى خيط نور من الخارج.
همستُ بقلقٍ:
- لا أرى أي شيء!
جاء صوتٌ ناعمٌ من الظلام:
- مرحبًا، أنا النادل آدم.
ثم طلب من ابنتي أن تمسك بكتفه ليقودنا إلى الطاولة.
شعرتُ بارتباكٍ؛ لأوّل مرة لا أجد حاجة كي ألتفتَ نحو الصوت. وضعتُ كفّي على كتفِ ابنتي، وكان قلبي يدق بإيقاعٍ غريب وكأنه يشعر أن شيئًا غير عادي ينتظرني.
حين وصلنا إلى الطاولة، دعانا آدم بلطفٍ للجلوس.
شيئ غريب من وسط العتمة بدأ يحدث - صوت الملاعق، رائحة الطعام، خطوات خفيفة، همسات متقطعة...
سألتُ ابنتي بشكٍ:
- ما الذي يحدث؟ إن كان هذا مقلبًا...
قاطعتني، وقد شعرتُ بأنفاسها تقترب مني:
- هذا المطعم يديره أشخاص من فاقدي البصر. الفكرة أن نعيش تجربتهم، لنرى العالم مثلما هم يروه، أي بحواسنا الأخرى.
لم أرُدّ، شعرتُ بقشعريرة تسري في جسدي، لم أكن أعرف أنني سآكل في عتمة كهذه.
فجأة، أدركتُ كم كنتُ أعتمدُ على عينيّ أكثر من باقي الحواس.
حين جاء الطعام، لم أستطع أن أرى ما آكله، لكني تذوّقته... بعمقٍ، وشعرتُ بكلِ نكهة كأنها تخاطبُ روحي.
الأصواتُ صارتْ أوضح، التنفّس صار أهدأ، والحضور صار حقيقيًا.
ثم، وفي لحظةِ سكون عابرة، سمعتُ صوتًا دافئًا، ومألوفًا كأغنية قديمة:
- معقول؟! أمينة؟!
تجمّدتُ.
- هذا صوتُ... سامي؟!
- ردّ الصوتُ من الطرف الآخر فيه بحة شوق:
- ما كنتُ متأكدًا... بعد كل هذه السنين نلتقي!
كان هذا سامي، زميلي في الجامعة، الرجل الذي سكن قلبي بصمتٍ وترك فيه فراغًا منذ أكثر من ثلاثين عامًا.
الرجل الذي لم يودعني حين اختفى فجأة، ولم ألتقِ به بعدها قط.
تسللتْ رائحة غريبة إلى داخلي لأن الظلام أعفاني من ارتباك نظرات اللقاء الأول بعد كل تلك السنين.
شعرتُ بشيءٍ من الراحة لأنني لم أكن مضطرة لإخفاء مشاعري المضطربة لحظتها.
ضحكتْ ابنتي بدهشة وسألت:
- "هل تعرفان بعضكما؟"
قلتُ بسرعة محاولة إخفاء ما اعتراني من مشاعر:
- "كنّا زملاء في الجامعة و..."
لكن سامي قاطعني بلطفٍ يعرف طريقه إلى القلب:
- أنا أحد الشركاء المؤسسين لهذا المطعم.
- قالت ثريا باستغراب:
- لكن، حسب ما أخبرتني صديقتي، فإن كل من يعمل في هذا المطعم، من المالكين إلى العاملين، والطباخين هم من فاقدي البصر!
بدأتُ أسمعُ دقات قلبي بوضوحٍ، و فجأة قال سامي:
- وأنا منهم، لقد فقدتُ بصري قبل ثلاثين سنة، إثر حادث سيارة، لكن الحياة منحتني فرصة ثانية حين جمعتني بأشخاص يشبهونني، وفكّرنا: ما دمنا نملك أربع حواس أخرى، هل حقًا فقدنا كل شيء؟
صمتنا نحن الثلاثة، لكن بداخلي عاصفة من الذكريات والمشاعر.
في هذا الظلام، وجدتُ وجهه من جديد، لا في صالة أنيقة ولا عند غروب رومانسي، بل في عتمة، جعلتني أراه بقلبٍ لم ينسَ يومًا كيف كان يحبّه.
أحيانًا نحتاج نُطفئ النور، لنرى بقلوبنا حيث لا تخوننا المظاهر ولا تُربكنا العيون، بل تتحدث الأرواح فقط.
" ماما، سأصطحبكِ غدًا على العشاء إلى مطعم خاص جدًا، لا تسألي، هناك مفاجأة!
جهّزي نفسكِ عند السابعة".
ابتسمتُ، لطالما أدهشتني وأدخلتْ السعادةَ لقلبي.
وعلى غير عادتها، لم تهتمّ ابنتي كثيرًا بملابسها ولم تضع مكياجًا كما كانت تفعل حينما تذهب لمناسبة ما، وحينما أبدَيتُ استغرابي، قالت:
- سنذهبُ لمكانٍ لنْ أحتاجَ فيه سوى إلى رشةٍ من عطري المسائي.
لم أعلق على كلمة "مسائي" فلستُ في مزاجٍ للدخولِ في حواراتٍ لن أفهمَ منها شيئًا.
وأنا بانتظارِ أن تركنَ سيارتها، التفتُ نحو مبنى بسيط ذو واجهة زجاجية مظللة لا تحمل اسمًا واضحًا، فقط كلمة واحدة على لوحة خشبية " ظلام".
- هل سنتعشى في مطعم يدعى "ظلام" ؟!
ضحكتْ وقالت:
- ثقي بي، فقط تعالي.
ثم مسكتْ بيدي بحنانٍ، ومشينا نحو المدخل الذي يقفُ على جانبيهِ شابُّ وشابة، وما إن اقتربنا حتى ابتسما مع انحناءة بسيطة من الرأس ليفتحا الباب لنا، بعد أن طلبا منا غلق هواتفنا.
في هذه اللحظة، لولا أنها ابنتي، لظننتُ أنني أدخل في حبكة درامية غامضة!
وما إن خطونا داخل المطعم حتى غمرنا ظلامٌ تام.
لا أضواء، لا شموع، ولا حتى خيط نور من الخارج.
همستُ بقلقٍ:
- لا أرى أي شيء!
جاء صوتٌ ناعمٌ من الظلام:
- مرحبًا، أنا النادل آدم.
ثم طلب من ابنتي أن تمسك بكتفه ليقودنا إلى الطاولة.
شعرتُ بارتباكٍ؛ لأوّل مرة لا أجد حاجة كي ألتفتَ نحو الصوت. وضعتُ كفّي على كتفِ ابنتي، وكان قلبي يدق بإيقاعٍ غريب وكأنه يشعر أن شيئًا غير عادي ينتظرني.
حين وصلنا إلى الطاولة، دعانا آدم بلطفٍ للجلوس.
شيئ غريب من وسط العتمة بدأ يحدث - صوت الملاعق، رائحة الطعام، خطوات خفيفة، همسات متقطعة...
سألتُ ابنتي بشكٍ:
- ما الذي يحدث؟ إن كان هذا مقلبًا...
قاطعتني، وقد شعرتُ بأنفاسها تقترب مني:
- هذا المطعم يديره أشخاص من فاقدي البصر. الفكرة أن نعيش تجربتهم، لنرى العالم مثلما هم يروه، أي بحواسنا الأخرى.
لم أرُدّ، شعرتُ بقشعريرة تسري في جسدي، لم أكن أعرف أنني سآكل في عتمة كهذه.
فجأة، أدركتُ كم كنتُ أعتمدُ على عينيّ أكثر من باقي الحواس.
حين جاء الطعام، لم أستطع أن أرى ما آكله، لكني تذوّقته... بعمقٍ، وشعرتُ بكلِ نكهة كأنها تخاطبُ روحي.
الأصواتُ صارتْ أوضح، التنفّس صار أهدأ، والحضور صار حقيقيًا.
ثم، وفي لحظةِ سكون عابرة، سمعتُ صوتًا دافئًا، ومألوفًا كأغنية قديمة:
- معقول؟! أمينة؟!
تجمّدتُ.
- هذا صوتُ... سامي؟!
- ردّ الصوتُ من الطرف الآخر فيه بحة شوق:
- ما كنتُ متأكدًا... بعد كل هذه السنين نلتقي!
كان هذا سامي، زميلي في الجامعة، الرجل الذي سكن قلبي بصمتٍ وترك فيه فراغًا منذ أكثر من ثلاثين عامًا.
الرجل الذي لم يودعني حين اختفى فجأة، ولم ألتقِ به بعدها قط.
تسللتْ رائحة غريبة إلى داخلي لأن الظلام أعفاني من ارتباك نظرات اللقاء الأول بعد كل تلك السنين.
شعرتُ بشيءٍ من الراحة لأنني لم أكن مضطرة لإخفاء مشاعري المضطربة لحظتها.
ضحكتْ ابنتي بدهشة وسألت:
- "هل تعرفان بعضكما؟"
قلتُ بسرعة محاولة إخفاء ما اعتراني من مشاعر:
- "كنّا زملاء في الجامعة و..."
لكن سامي قاطعني بلطفٍ يعرف طريقه إلى القلب:
- أنا أحد الشركاء المؤسسين لهذا المطعم.
- قالت ثريا باستغراب:
- لكن، حسب ما أخبرتني صديقتي، فإن كل من يعمل في هذا المطعم، من المالكين إلى العاملين، والطباخين هم من فاقدي البصر!
بدأتُ أسمعُ دقات قلبي بوضوحٍ، و فجأة قال سامي:
- وأنا منهم، لقد فقدتُ بصري قبل ثلاثين سنة، إثر حادث سيارة، لكن الحياة منحتني فرصة ثانية حين جمعتني بأشخاص يشبهونني، وفكّرنا: ما دمنا نملك أربع حواس أخرى، هل حقًا فقدنا كل شيء؟
صمتنا نحن الثلاثة، لكن بداخلي عاصفة من الذكريات والمشاعر.
في هذا الظلام، وجدتُ وجهه من جديد، لا في صالة أنيقة ولا عند غروب رومانسي، بل في عتمة، جعلتني أراه بقلبٍ لم ينسَ يومًا كيف كان يحبّه.
أحيانًا نحتاج نُطفئ النور، لنرى بقلوبنا حيث لا تخوننا المظاهر ولا تُربكنا العيون، بل تتحدث الأرواح فقط.