د. سيد شعبان

يبدو أن شتاء هذا العام يحمل في تجاويفه حالة من الخوف المسكون برغبة في الانزواء بعيدا عن المحيطين بي، بحثت عن الثياب المخزنة لهذا البرد القارس، أمعنت في خزانة الأشياء المكدسة فقد تعودنا على هذا كثيرا؛ نرتق القديم ونضع عليه بصمة اليد التي تدل على أنه شذب وصار يصلح لعام آخر، وكلما مر فصل تحملنا...
جدتي تسكن عند شجرة الكافور العملاقة، تطلب أشياء غريبة: حلوى المولد، حبات المشمش، أسماكا كبيرة، بعض العلك، لا أهمل لها طلبا؛ هذا من البر بها، تعرف أسرارا تختزنها لسبع عجاف، توصي بكلمات هذا بعضها: إنهم يسرعون إلى الهاوية؛ حاول أن تقف أمامهم،امنعهم، أي قلب قاس داخلك، بل أي نفس هذه التي تملكتك فصرت...
تجاهلته بعدما تراكم النسيان مثل طيات الثياب في خزانة الفقر التي احتوت أغراضنا، حتي إنك لا تجد في كتاباتي سطرا واحدا عنه في كفر المنسي أبو قتب ذلك الكفر المثقل بالحكايات يتسلى بها ويبيت وقد سلا الجوع وتدثر به من عري. تبادر إلى ذهني هذا السؤال مرة وراء أخرى، لعلني كنت مشغولا بآخرين مروا في أزقة...
أمس بدأت السماء تتلبد بالغيوم ولأن الفقر غول كاسر لاتصح معه المواثيق؛ افترسني هذه الأيام،نظرت في سقف حجرتي الطينية ، وجدت بعض الثقوب التى أصلحتها العام الماضي،الفئران رتعت طوال الصيف ،تنادت وأزمعت أن تقضي الشتاء معنا، لم تنفع حيلة جلب نبات الحلفا الجاف؛لنستعين به،فقد طوحت به الريح،بعثرته كأنما...
ما أبحث عنه منذ فترة طويلة يلح على خاطري ، يترآى لي في منامي ، بل يتبع صحوي ، يذكرني بماضي أيامي، لم يعد في طاقتي صبر ، كثيرا ما تخفيت عنها ، غادرت سكني أكثر من مرة ، لا أعلم من الذي يخبرها بعنواني،لديها حاسة عجيبة تتبع أثري ، في تلك المرة أصررت على المواجهة ؛ ما عاد بي صبر على أفعالها تلك، إنها...
ولأن الحكاية ولدت من رحم الجدة الكبيرة،حتى أنني نسيت اسمها، فذاكرتي مثل الغربال لا تحتفظ بشيء، لذا لجأت إلى حيلة ماكرة؛ أخذت كل ما تجمع لدي من قصاصات وذهبت إلى أمي التي تختزن في ذاكرتها كثيرا مما غاب عني، تعطي لأدق التفاصيل قيمة حين تعبر بوجه صاف ويد كأنها المغزل، هذه الليلة كان البرد شديدا...
نازعتني نفسي أن أذهب إلى المولد، فبلدتي تتجاوره، وللحمص رغبة لا تقاوم، كما أن للصبا منازع ورغائب تعاود كل حين حتى ولو انحنى الظهر وابيض الشعر وزاغت الأعين، اقتربت شيئا فشيئا من خيام الوافدين فوجدت الآنية التى كانت -يوما- عامرة قد ضربها الجوع وعضها الفقر بنابه، نظرت النسوة اللواتي كن يمرحن في...
قد يبدو العنوان مختلفا بعض الشيء وهذا ما أردت الحديث عنه؛ في عالمنا ما يدعو للحياة؛ يقهرنا الواقع ويخيم علينا اليأس؛ تتحطم أحلامنا تحت قيود الجهل والفقر والسوط، يتفشى المرض ويتعالن القبح؛ نجري ونلهث ثم نفقد البوصلة؛ إنه شتات يتسع بحجم الوطن ونلعق جراحنا، في ألفية جديدة تقتلنا نفس الأدواء...
واجهة المدينة معتمة على غير العادة، حاول عم أيوب أن يتباسط معي؛ كثيرا ما يتحرك في شوارع مدينته التي بهتت معالمها، عاد يتذكر سنوات عمره حيث تسكع في الممرات الخلفية، تطارده شياطين ترتدي أقنعة مزيفة؛ الآن يأوي إلى طاولة الصحف الخشبية، بالقرب من الميدان الأبيض ،حيث يطالع وجوه العابرين صباحا، كتب من...
لا أدري متى قطعوا زائدتي الدودية تلك التي كانت تتراقص في فمي، كنت أناغم بها أبيات شعر لفتاتي الجميلة، أشاغلها بها، فالنساء يعجبهن الثناء ويطربهن؛ لا مال لدي غير أنني ماهر في كلمات الهوى، في مرة انتهزت سكون الليل وفي جلوة القمر صعدت مئذنة المسجد التى كانت عالية- الأطفال يرون الأشياء أكبر مما هي...
ثمة تلازم بين الجانبين، فالكاتب يترك لقلمه العنان ويجرب أشكالا وأنماطا من الممارسة، يكتب رواية أو ينشد شعرا، يرسم صورة مركبة، يجمح به الخيال أو يمسك به الواقع، كل هذا وارد منه، إنه يغدو منطلقا يشعر بأنه يجاور الجوزاء، لا ضير عليه ولا حجر. حين يتابعه الناقد ويلازمه بيان سبيل أو كشف غامض أو رد...
أخبرتني جدتي أن لكل شيء أوانا: حصاد الزرع وموت الإنسان؛ نهاية الحكي حيث تضرب القطة السوداء باب البيت في ظلمة الليل والسماء تقذف بكتل نار من برق يتبعه رعد، حتى بنت بهانة انتهى حالها معنا؛ لا أدري لما قال سببا، كان منشرحا في القعدة، منبسط الوجه، يرتشف قطرات من كوب الشاي الذي يتسلى به حتى ظننته...
أنتظر هنا منذ زمن ليس بالقليل حتى قال ناظر المحطة التي سكنتها فئران الحقول، وفي ليالي الشتاء الطويلة تتقافز فوقها الثعالب البرية: لن يأتي قطار السابعة في موعده، تمنى ألا يراني؛ بدأت أشعر ببطء عقارب الساعة، ثقل الهواء يضرب صدري في غير هوادة؛ ثمة ملل يجتاحني؛ الحياة من حولي فقدت رونقها الذي كنت...
بت أتساءل لم تظل القلعة أعلى الجبل تثير كل تلك الحكايات ؟ جميع سكان المحروسة يخافون منها، جن أحمر يصرخ في عتمة الليل، تبدو خاوية! هل ستبقى الأريكة دون أن يعتليها أتابك؟ تجري الخيول غير آبهة لما يدور في الحواري، نترقب موكبهم، يهتفون بحياة القادم شاهرا سيفه، أتسلل من بين الجموع، أبحث عن السلطان...
انتهى يومه الحافل بالعراك، عصاه التي نقعها في الخل والزيت طيلة شهر أحسنت مساندته، لقد فعل كل ما توجبه الفتوة من مهارات، استطاع أن يرد الخصوم، ولم لا؟ فشاربه الذي قيل إن الصقر وقف عليه حتى زها به! نظرات عينيه القوية وعضلاته المفتولة مثل حبل الدلال حين يمسك بلجام الخيل يوم السوق، جسده ذو اللون...

هذا الملف

نصوص
582
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى