عيناي ثابتتان بالسقف، أرمق الثبات، حتى لاح طيف جدتي الحبيبة، هاجت بي الأشواق إلى طفولتي الأولى،
ما لم يغب عن ذاكرتي هو تفاصيل جسد جدتي وحنوّ جدتي ورسوم كطلاسم تفكّ شفرة ثقافة جيل جدتي، لم تغب عن ناظري أبجديّة وشمت سحنة جدتي...
كنت قد جاوزت الرابعة من عمري عندما أجبرتني الظروف على العيش في بيت...
كان يحتسي زجاجة رابعة مع نديمه راجح حتى إنهار معترفا كيف قتلها بعد أن سأله مستغربا عن ندوب غطّت عنقه الأعوج.
كانت تستدعيني كل شهر للبستنة و تغدق عليّ المال والطعام ولكنها كانت تحرّك في شيئا ما كلما دغدغت أساورها مسامعي موشوشة "إنني من حقك خذني لقد سئمت معصميها المجعدتين ."
أما الخواتم المرصعة...
النص بعد القراءة ينفصل عن مبدعه . ينفطم تلقائيا ثم يتمدّد جسده على المشرحة فنجّزئه ، نفكّكه ، نعيد ترتيبه وربما نأخذ عيّنات للتحليل الجيني ...كي نفهم ميكانزمات الكاتب آلياته وتقنياته في القص...
في الأخير نعيده إلى مبدعه كأمانة مصانة ...
نخلص من هذه المرحلة لناخذ روحه لمشرط آخر ليمرّ عبر عملية...
متى يعفو الله عن المبتلى
يسقيه من الرذاذ ماء
يحقن في صمته الدماء
ينبت بأرضه الخبز والدواء
متى ينزل الموائد على أرضهم من السماء
متى يذوقون عدسها وفومها والقثاء
متى ينحر على العتبات القربان
وتنتحر البقرة الصفراء
متى ترتدي الحلة الخضراء
و تغوص أقدامهم بالوحل في غيطان
الأرز و الباقلاء
متى يمحى...
يسألني : بم أفكر؟
فلا أحسن الفتن ،
بعض الحب والقليل من الأمل
وفتحة في سقف سجني
أغازل القمر
لا تجعل لي بابا أو نوافذ
والمفتاح ملقى بقاع بئر الحيل
لن أغادر والخط محكم الغلق بالقفل
لن أغادر مخافة الأسلاك الشائكة و العلل
لا تسأل ثانية بم أفكر؟
وكيف أقضي العطل
فالروح تنوح والزهر قد ذبل
ألغيت...
بين مخالب الوحش
تتمزق الأم ببسالة
إربا ...
إربا...
إربا...
آه!... يا شمس الأفول
يا بدر البدور
يا مسرى الرسول
تلملمي شظاياك
تحت الأنظار...
تعيدين تضميد البقايا
والجرح نازف مدرا
كخزاف يصنع الجرار
تتماثلين ثانية كالجلنار
تقفين وحدك صامدة
في وجه التتار
تمسحين عنا العار
ونحن نظٌار ...
وا أسف...
إلى شكري.
في ذكرى استشهاده
تنزف الأرض وتنوح السماء
ذكرى خونة باعوا التراب والشرفاء
وككل ميلاد تستيقظ من العتمة شهادة الأوفياء
تزكي نعي الحرية والجرأة الخرقاء
بطلقات مهووسة بالدم والانتقام
رفعت شكرنا بين أيادي الرحماء
وازدان بعيدنا وعي انبثق نور
أطاح بالأعمياء و البسطاء
رشقات الخزي والعار...
حين داهمها المخاض التجأت إلى بيت خرب خارج أسوار المدينة.
وضعته دون مشقة أو عناء فكان كالبدر في الليلة الدهماء .
شقت بعض أسمالها البالية و لفٌته بكل تؤدة و حب ،صنعت له قماطا يحميه القر ثم وضعته في كيس أسود عثرت عليه بقمامة بعد أن أفرغته من الأدران .
راحت تجوب به الشوارع سائلة أهل الخير بعض...
تقطعت أنفاسي منفردا في زنزانتي ، مصفدا بالأغلال، نعيب بوم يواسيني في منفاي والطقس المتجمد يكاد يهشم ثلوجي. انتظر في استبلاه مصيري المحتوم غير عابئ بغير انتشار الحلم الموؤود في أمتي . صوت من الداخل يناصرني بينما الصمت المطبق يكاد يفتت أوصالي، احتاج فقط إلى بعض الصدى كي أشعر بوجودي ، ماذا لو...
كنّا نتابع الوضع أمام الشاشات الصغيرة في حذر حتى دوّت صافرات الإنذار فخرجنا نضرب في الأرض دون دليل أو مرشد ،تذكٌرت طريقا يأخذنا لبقايا ملجإ قديم .
طال بنا المسير حتى التقيت جارتي تسير منهكة صحبة رضيع و بنتين صغيرتين مرتديتين أحلى الفساتين وقد تراقصت ضفيرتاهما المجدولتان بالورود الحمراء و...
في الشارع الخلفي لحيِّ الأحرار بالعاصمة لا تنقطع الحياة ليلا رغم الظلام ، يتوزَّع البعض في أماكنَ مخصوصةٍ كبيوت لهم بالإيجار، لتنطلق أجواؤهم و شهواتهم و مهاتراتهم... ليسوا بجماعة " تحت السور" لكن يعرفهم الجميع بجماعة " خفافيش الظلام " ... ينتعشون بعد سبات المدينة، في حركة مشبوهة يتنقلون...
كنت مرغما على ضبط المنبه على الساعة السادسة كل يوم .
أصارع الزمن كي أسبقه،كم كان صعبا أن أسمع ذاك الصوت الثقيل الرتيب، هيا قم استقبل يومك الجديد،المهام كثيرة ومتنوعة.
لا أصدق ما أراه، نور خافت يقتحم ناظريّ عنوة،يذكرني بأنني،المسؤول الوحيد عن كل هذا الطاقم.
بسرعة أقضي كل حاجاتي،أغير ملابسي...
لحظة عبوري الجسر مبلّلا كنت حذرا متيقّظا، وقد استوقفني مشهد صادم لخصومة شرسة بين غريبين ،لا أعلم كيف انزلق كاحلي من الدرج لحظة عادت بي الذكرى إلى تلك الحادثة الأليمة منذ عشريّة مضت ، مجرّد سماعي لنبرات أصواتهم و لهجتهم الأجنبية المتصدّعة أربك هدوئي النسبيّ ....
***
يومها إن لم تخنّي...