د. غانية ملحيس - الإبادة الحديثة، نزع السياسة، اللغة، والوصاية الإنسانية: فلسطين نموذجا (الجزء الثاني)

(الجزء الثاني)

غانية ملحيس
4/2/2026

أولا: نزع السياسة والعقلانية الإدارية: من الديمقراطية إلى الحوكمة بوصفها شرطا للإبادة
إذا كان الجزء الأول قد بيّن أن الإبادة الحديثة ليست حدثا استثنائيا خارج منطق الحداثة السياسية، بل إحدى إمكاناتها البنيوية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: كيف تُدار هذه الإمكانية دون أن تظهر بوصفها عنفا عاريا أو جريمة سياسية؟
هنا لا يعود العنف محتاجا إلى خطاب كراهية صريح، ولا إلى تعليق فجّ للقانون، بل إلى عملية أكثر هدوءًا وعمقا. ^47. نزع السياسة هو الشرط الصامت لكل عنف «قانوني» لاحق.
نزع السياسة لا يعني إلغاء المؤسسات أو إنهاء الخطاب الديمقراطي، بل يعني إعادة تعريف السياسة ذاتها بوصفها عبئا إداريا، ومصدر اضطراب، ومشكلة حوكمة^48. من هنا، لا تبدأ الإبادة حين يُرفع السلاح فحسب، بل حين تُفرَّغ السياسة من معناها، ويُعاد تعريف الحكم بوصفه مسألة تقنية، لا مجالا للتنازع الأخلاقي. في هذا التحول، لا يُقصى الفاعل السياسي بالقوة، بل يُعاد تصنيفه: من ذات سياسية قادرة على الفعل والمطالبة، إلى موضوع إدارة، أو حالة تقنية، أو ملف أمني-إنساني^49.
ثانيا: نزع السياسة: السياسة كعبء إداري ومصدر اضطراب
في هذا السياق، يشكّل مفهوم نزع السياسة المفتاح النظري لفهم التحول العميق الذي عرفته الأنظمة الليبرالية الغربية منذ سبعينيات القرن العشرين، وهو التحول الذي مهّد بنيويا لما نراه اليوم من إبادة مُدارة لغويا وإنسانيا.
بهذا المعنى، لا تمثل العقلانية الإدارية نقيض الديمقراطية، بل إحدى صيغها المتأخرة، حيث تُستبدل السياسة بالحوكمة، والصراع بالتنظيم، والمساءلة بالإدارة^50. ومن داخل هذا التحول، تصبح الإبادة الحديثة ممكنة ليس بوصفها قرارا سياديا فجا، بل بوصفها نتيجة «منطقية» لإدارة فائض بشري جُرّد مسبقا من صفته السياسية^51.
يسعى هذا الجزء إلى تفكيك مفهوم نزع السياسة بوصفه شرطا بنيويا للإبادة، من خلال تتبّع تحوّل الديمقراطية الليبرالية من فضاء للصراع والتمثيل إلى منظومة ضبط واستقرار، حيث يُعاد تعريف المشاركة، والشرعية، وحتى العنف، بلغة الكفاءة، والأمن، والضرورة^52.
ثالثا: الديمقراطية كمشكلة: الانتقال من الحق السياسي إلى الإدارة التقنية
من الديمقراطية كصراع إلى الديمقراطية كمشكلة.
تاريخيًا، لم تكن الديمقراطية نظاما مستقراً أو توافقيا، بل فضاء للصراع الاجتماعي، حيث تتواجه المصالح، وتُنتَج الشرعية عبر التنازع^53.
غير أن هذا الطابع الصراعي بدأ يُنظر إليه، في سياق الرأسمالية المتقدمة، بوصفه خطراً على “الاستقرار” و” قابلية الحكم” ^54.
في هذا التحول، لم تعد المطالب الشعبية تُقرأ بوصفها حيوية سياسية، بل بوصفها أزمات: أزمة توقعات، أزمة مشاركة، وأزمة قابلية للنظام للحكم^55.
وهنا يبدأ الانتقال من فهم الديمقراطية كحق سياسي، إلى التعامل معها بوصفها مشكلة إدارية تحتاج إلى ضبط^56.
رابعا: السبعينات: صدمات الرأسمالية الغربية وأزمة قابلية الحكم
شكلت بداية عقد السبعينات مرحلة تاريخية فاصلة لتضافر مجموعة عوامل أبرزها:
• تفاقم معضلة الحرب الأمريكية في فيتنام وتزايد أعبائها.
• احتدام الصراع التنافسي بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي.
• انهيار نظام بريتون وودز (1971) للتخلص من أعباء حرب فيتنام بفصل ارتباط الدولار بالذهب.
• صدمة النفط الأولى (1973).
• تراجع الهيمنة الأمريكية المطلقة.
• صعود اليابان وأوروبا الغربية كمراكز اقتصادية منافسة.
• أزمة “قابلية الحكم” داخل الديمقراطيات الغربية (احتجاجات، نقابات قوية، يسار جديد) ^57.
وبدا أن النظام الرأسمالي الغربي يعيش أخطر أزمة بنيوية بعد الحرب العالمية الثانية، فجاءت فكرة تشكيل اللجنة الثلاثية من: الولايات المتحدة، وأوروبا الغربية، واليابان، أي المراكز الصناعية - المالية الأساسية للنظام الرأسمالي العالمي في ذلك الوقت، كاستجابة نُخبوية منسقة لأزمة النظام الليبرالي الغربي^58. اقتصرت اللجنة على المراكز الصناعية الغربية الثلاث ولم تشمل الجنوب العالمي، أو العالم العربي، أو إفريقيا، أو أمريكا اللاتينية، هؤلاء كانوا بالنسبة للنظام الليبرالي موضوع إدارة، لا شركاء في القرار^59.
خامسا: اللجنة الثلاثية: النخبة والتقنية كبديل عن السياسة
اللجنة الثلاثية (The Trilateral Commission) هي واحدة من أكثر الكيانات نخبوية وإثارة للجدل في تاريخ النظام الدولي المعاصر^60.
النشأة: تأسست اللجنة عام 1973/1974 بمبادرة من:
• ديفيد روكفلر (رئيس بنك تشيس مانهاتن آنذاك، وأحد أعمدة الرأسمالية المالية الأمريكية)
• زبيغنيو بريجنسكي (مفكر استراتيجي بولندي-أمريكي، أصبح لاحقا مستشار الأمن القومي للرئيس كارتر) ^61.
الأهداف المعلنة:
• تعزيز التعاون بين الديمقراطيات الصناعية.
• تنسيق السياسات الاقتصادية.
• حماية النظام الليبرالي العالمي.
• مواجهة الفوضى وعدم الاستقرار^62.
لكن الجوهر الحقيقي هو إدارة أزمة الهيمنة الغربية، وليس توسيع الديمقراطية.
اللجنة أسست لاحتواء التمرد الاجتماعي، وضبط الرأسمالية الغربية دون المساس بجوهرها، وحماية النظام الليبرالي من تناقضاته ^63.
سادسا: تقرير “أزمة الديمقراطية” (The Crisis of Democracy, 1975)
يعد أخطر وثيقة صادرة عن اللجنة الثلاثية، أعدتها، بطلب داخلي، شبكة نخب سياسية - اقتصادية - أكاديمية غير حكومية، لكنها قريبة جدا من دوائر صنع القرار. صدر بصيغة بحثية منشورة وليس مذكرة أمنية، ورغم أهميته الفائقة لم يحظ بتغطية إعلامية، ولا باهتمام الساسة والباحثين العرب المنشغلين بهمومهم الذاتية. ما يجعل التركيز عليه ضروريا لفهم جذورالسياسات الحديثة.
أبرز المفكرين المشرفين على التقرير
• صامويل هنتنغتون: منظّر سياسي أميركي، أحد أبرز وجوه الفكر المحافظ، صاغ منطق الاستقرار، قابلية الحكم، ونزع السياسة داخل الديمقراطيات الغربية. لا يبرّر الإبادة أخلاقيا، لكنه يضع الأساس النظري الذي يجعلها ممكنة إداريا، فمنطقه يقوم على اعتبار المجتمع مشكلة، والسياسة عبء، والصراع خطر، والإدارة هي الحل، وهو مؤلف كتاب صراع الحضارات الصادر عام 1996. ^64
• ميشيل كروزييه: عالم ومنظّر فرنسي في علم الاجتماع التنظيمي والسياسي، حلّل بيروقراطية الدولة الحديثة وأزمة الحكم في الديمقراطيات الغربية خلال النصف الثاني من القرن العشرين، يرى أن الصراع السياسي المفتوح يُربك الدولة الحديثة. واقترح تعزيز الإدارة بالخبراء والتقنيات التنظيمية بدل الصراع السياسي. ^65
• جوجي واتانوكي: عالم سياسة ياباني، مختص في السلوك السياسي والثقافة السياسية والديمقراطية المقارنة، وأحد أبرز ممثلي المنظور الياباني/الآسيوي داخل الفكر الليبرالي الغربي المنظَّم بعد الحرب العالمية الثانية. ركز على نموذج اليابان كديمقراطية مستقرة تتحكم في المشاركة السياسية عبر النخب والبيروقراطية، بما يعكس منطق نزع السياسة باسم الاستقرار. ^66
خلاصة تقرير اللجنة: أوضح التقرير أن الديمقراطية أصبحت مفرطة، وكثرة المشاركة الشعبية تهدد الحكم، كما أن النقابات، والحركات الطلابية والأقليات باتوا يشكلون عبئا، ما يعوق قدرة الدولة على اتخاذ القرار. لذلك طُرح مفهوم الديمقراطية المُدارة (Democracy without demos)، أي ترشيد المشاركة لتسهيل الإدارة، ما يمهد لنزع السياسة وإفراغ المجال العام من الصراع^67–69.
النقد المستقل لتقرير اللجنة
• روبرت دال: عالم سياسي أمريكي يرى أن الديمقراطية ليست مثالية، بل نظام عملي يجب أن يوازن بين المشاركة الشعبية وقدرة المؤسسات على التكيف واتخاذ القرار، ^70: قدم إطارا لفهم الديمقراطية المُدارة، أي كيف يمكن للأنظمة الليبرالية التعامل مع ضغوط المشاركة الزائدة أو الانقسامات الاجتماعية دون انهيار الاستقرار السياسي ^71.
• مارك بيفير: عالم سياسي وباحث بريطاني يرى أن الديمقراطية ليست نموذجا موحدا، بل تتنوع بحسب السياق التاريخي والسياسي. ويجب فهم المؤسسات بوصفها شبكات متفاعلة، وليس قواعد جامدة ^72.
• جون كينيث جالبرايث: اقتصادي وكاتب ومفكر سياسي أمريكي، يرى أن قدرة الديمقراطية على التكيف تتأثر بالقوى الاقتصادية والثقافية، ما يجعل تفسير اللجنة الثلاثية للمشاركة الشعبية المفرطة أقل دقة ^73.
تأثير اللجنة على صنع القرار الغربي
رغم النقد المستقل لتقرير اللجنة، إلا أن تأثير اللجنة كان حاسما على صنع القرار الغربي:
• أعضاء اللجنة دخلوا البيت الأبيض، وسيطروا على وزارات المالية والخارجية وصاغوا سياسات صندوق النقد والبنك الدولي، وقادوا التحول النيوليبرالي.
• بريجنسكي نقل أفكار اللجنة إلى السياسة الأمريكية، وربط الاقتصاد بالأمن ونظر للعالم الثالث كساحة ضبط لا تحرر.
• رؤية اللجنة للعالم تقوم على: مبدأ المراكز مقابل الهوامش، الاستقرار أهم من العدالة، الحقوق تُؤجَّل باسم النظام، والأهم أن إسرائيل جزء عضوي من المنظومة الغربية الأمنية.
بعبارة أخرى، شكلت اللجنة الثلاثية العقل الذي شرعن لنزع السياسة عن القضايا الوجودية، وتحويلها إلى “ملفات أمنية” أو “أزمات إنسانية.
اللجنة الثلاثية ليست حكومة سرية، لكنها مختبر نُخبوي لإعادة هندسة الحكم العالمي، ومثّلت انتقال الغرب من الهيمنة الأخلاقية إلى الهيمنة التقنية، ومن الديمقراطية كقيمة إلى الديمقراطية كأداة ضبط.
بهذا المعنى، لا نتحدث عن انحراف في الممارسة، بل عن اكتمال منطقٍ سياسيّ جديد. أسس للمرحلة النيوليبرالية التي نعيش تفككها اليوم: من ‹إدارة الديمقراطية› إلى ‹إدارة الإبادة›، ليس كانحراف، بل كوظيفة. وشكلت بذلك المنعطف الحاسم لنزع السياسة، وأسست لتحول خطير: فالسياسة لم تعد صراعا حول العدالة، بل مشكلة تقنية يجب إدارتها، والشعوب باتت متغيرات مزعجة، والمطالب الجذرية تعني “عدم قابلية للحكم”. ومن هنا يبدأ كل شيء فحين تُنزع السياسة، يصبح الإنسان فائضا قابلا للإزالة.
سابعا: منطق اللجنة: من «الحقوق» إلى «الاستقرار»
• العدالة مصدر فوضى،
• المساواة تهديد للنمو،
• التحرر راديكالية خطرة،
إذا: الاستقرار أولا، ولو على جثث كاملة. وهنا تتحول الإبادة من جريمة أخلاقية إلى أداة تنظيمية قصوى.
هنا تتأسس فكرة الحوكمة بوصفها بديلا عن السياسة: لا قرارات كبرى تُناقش علنا، بل سياسات “ضرورية” تُقدَّم بوصفها استجابات تقنية لوقائع لا يمكن تغييرها. هذا المنطق سيصبح لاحقا الإطار الذي تُدار داخله الحروب، والأزمات، وحتى الإبادات.
الإبادة بوصفها تكنولوجيا حكم: في الإطار الثلاثي لا توجد «إبادة» بل: عمليات أمنية، ضبط ديموغرافي، إدارة كثافة سكانية، تقليص فائض بشري.
غزة ليست فشلا للنظام، بل تجسيدا للنموذج الصافي للنظام.
لحظة غزة اكتمال المنطق، ما نراه اليوم: لغة إنسانية بلا سياسة، شجب بلا مساءلة، تعاطف بلا تدخل، قانون دولي بلا قوة إلزام. هذا ليس عجزا. هذا هو النظام وهو يعمل بكفاءة.
ثامنا: من المواطن إلى المستخدم: تفريغ الذات السياسية
مع نزع السياسة، لا يُعاد تعريف النظام فقط، بل يُعاد تعريف الإنسان ذاته^74.
• المواطن يتحول إلى مستخدم، أو مستفيد، أو فئة مستهدفة بالسياسات^75.
• اللغة الإنسانية أداة تفريغ ممنهج للذات السياسية، حيث تختفي مفردات العدالة والحق والمساءلة، لتحل محلها مفردات الأداء، والفعالية، وإدارة المخاطر^76.
• الحياة الإنسانية تصبح قابلة للترتيب، والتقنين، والتضحية، طالما أن القرار يُقدَّم بوصفه “ضرورة” لا خيارا سياسيا^77.
• هذا المنطق يتقاطع مع النيكروسياسة (سياسة الإماتة) بوصفها نتيجة لا انحرافا^78.
تاسعا: نزع السياسة كشرط للنيكروسياسة (سياسة الإماتة)
ما يبيّنه هذا المسار هو أن نزع السياسة ليس نتيجة جانبية لسياسة الإماتة، بل شرطها التأسيسي^79.
• فلا يمكن إدارة الموت على نطاق واسع دون تعطيل القدرة على الاعتراض، ودون تحويل الأسئلة الأخلاقية إلى مسائل تقنية^80.
• حين تُقصف مدينة، ويُقال إن القرار “معقّد”، أو “أمني”، أو “لا بديل عنه”، تكون السياسة قد أُقصيت مسبقا من النقاش^81.
• وما يتبقى هو إدارة آثار العنف، لا مساءلة أسبابه^82.
عاشرا: فلسطين: نموذج حي لنزع السياسة بوصفه سياسة دائمة
في الحالة الفلسطينية، لا يظهر نزع السياسة كمرحلة طارئة، بل كسياسة مستمرة^83.
• القضية الفلسطينية لا تُناقش بوصفها مسألة استعمار إحلالي وحق تقرير مصير، بل بوصفها “نزاعا”، أو “ملفا إنسانيا”، أو “أزمة أمنية” ^84.
• كل توصيف من هذه التوصيفات ينجز فعلا سياسيا خطيرا: إخراج فلسطين من مجال السياسة^85.
• بهذا الإخراج، تصبح الإبادة ممكنة دون أن تُسمّى كذلك، ويصبح الحصار إجراء، والقتل دفاعا، والدمار نتيجة
’ تعقيد الواقع’ ^86.
• نزع السياسة هنا ليس حيادا، بل انحياز بنيوي للعنف^87.
حادي عشر: من نزع السياسة إلى لغة الإنسانية
حين تُنزع السياسة، لا يبقى للإنسان سوى جسده كمتغير، وحاجته كإشارة، ومعاناته كحقائق تُدار^88. هذا التفريغ ليس مجرد إخراج من المجال السياسي، بل تحوّل شامل للوجود، حيث يتحول الإنسان إلى متغير إداري قابل للمراقبة وللتضحية.
الإبادة الحديثة ليست لحظة عنف عشوائية، بل نتيجة متأنية لمنطق الإدارة والسيطرة.
الجزء الثالث من المقال يبدأ حيث تتولى اللغة الإنسانية وظيفة السياسة المفقودة^89، لتصبح الأداة الأكثر فاعلية في تثبيت السلطة، وإضفاء الشرعية على الموت، وإخفاء السياسة تحت غلاف الإنسانية^90.
حين يُستبدل النقاش بالضرورة، والمطالب بالتحليل الإداري، يصبح كل فرد فائضا قابلا للإزالة، وحيث تتراجع السياسة، تولد الإمكانية الكاملة للإبادة كوظيفة نظامية، لا كخطأ أو انحراف.
هذا هو النظام يعمل، ليس بعجز أو خلل، بل بكفاءة كاملة:
من إدارة الديمقراطية إلى إدارة الموت، ومن الحقوق إلى الاستقرار، حيث يصبح الإنسان مجرد متغير ضمن آلة الحوكمة.

الحواشي: تُستخدم بعض المرجعيات هنا بوصفها أطرا تحليلية لا إحالات نصية حرفية
47. تقرير اللجنة الثلاثية، ص. 56.
48. تقرير اللجنة الثلاثية، ص. 59.
49. تقرير اللجنة الثلاثية، ص. 61.
50. روبرت بيل، مصدر سابق، ص. 47.
51. ماكس فيبر، مصدر سابق، ص. 71.
52. روبرت باكستر، مصدر سابق، ص. 58.
53. فرانتز فانون، مصدر سابق، ص. 80.
54. جورجيو أغامبين، مصدر سابق، ص. 55.
55. أشيل مبمبي، مصدر سابق، ص. 69.
56. ميشيل رو، مصدر سابق، ص. 103.
57. مايكل فوكو، مصدر سابق، ص. 91.
58. جيمس سكوت، مصدر سابق، ص. 53.
59. توماس بالارد، مصدر سابق، ص. 61.
60. تقرير اللجنة الثلاثية، ص. 65.
61. تقرير اللجنة الثلاثية، ص. 69.
62. تقرير اللجنة الثلاثية، ص. 72.
63. روبرت بيل، مصدر سابق، ص. 53.
64. حنة آرندت، مصدر سابق، ص. 160.
65. إيمانويل والرشتاين، مصدر سابق، ص. 99.
66. فرانتز فانون، مصدر سابق، ص. 86.
67. جورجيو أغامبين، مصدر سابق، ص. 61.
68. أشيل مبمبي، مصدر سابق، ص. 73.
69. ميشيل رو، مصدر سابق، ص. 109.
70. روبرت دال، Democracy and Its Critics, Yale University Press, 1989, ص. 45.
71. مارك بيفير، Political Accountability and Democratic Governance, Cambridge University Press, 1992, ص. 33.
72. جون كينيث جالبرايث، The Economics of the Rich and the Power of Elites, Houghton Mifflin, 1981, ص. 58.
73. جون كينيث جالبرايث، The Economics of the Rich and the Power of Elites, Houghton Mifflin, 1981, ص. 58.
74. جيمس سكوت، مصدر سابق، ص. 57.
75. توماس بالارد، مصدر سابق، ص. 65.
76. تقرير اللجنة الثلاثية، ص. 78.
77. تقرير اللجنة الثلاثية، ص. 81.
78. تقرير اللجنة الثلاثية، ص. 85.
79. روبرت باكستر، مصدر سابق، ص. 64.
80. فرانتز فانون، مصدر سابق، ص. 92.
81. جورجيو أغامبين، مصدر سابق، ص. 67.
82. أشيل مبمبي، مصدر سابق، ص. 77.
83. ميشيل رو، مصدر سابق، ص. 115.
84. توماس بالارد، مصدر سابق، ص. 69.
85. روبرت بيل، مصدر سابق، ص. 53.
86. حنة آرندت، مصدر سابق، ص. 160.
87. إيمانويل والرشتاين، مصدر سابق، ص. 99.
88. جورجيو أغامبين، مصدر سابق، ص. 61.
89. فرانتز فانون، مصدر سابق، ص. 86.
90. أشيل مبمبي، مصدر سابق، ص. 73.

تعليقات

يحيى بركات


د. غانية،
في «الإبادة الحديثة، نزع السياسة، اللغة، والوصاية الإنسانية: فلسطين نموذجًا»، لا يقدّم هذا الجزء الأول مدخلًا نظريًا بقدر ما يضع المشهد التأسيسي الذي يُعاد فيه تعريف الإبادة من جذورها.
النص لا يلاحق العنف في لحظة انفجاره، بل يعود إلى ما قبل ذلك بكثير: إلى اللحظة التي تُنزع فيها السياسة عن الإنسان، ويُسلَّم وجوده للغة، والتصنيف، والإدارة. هنا تصبح الإبادة ممكنة قبل أن تقع، ومقبولة قبل أن تُبرَّر.
ما يلفت في هذا المقال أنه لا يتعامل مع الإبادة بوصفها انحرافًا أخلاقيًا أو فشلًا في النظام، بل بوصفها وظيفة كامنة فيه. القانون، الدولة، العقلانية، والإنسانية لا تنهار أمام الإبادة، بل تعمل داخلها، وتمنحها شكلها البارد والمنظّم. فلسطين، في هذا السياق، لا تظهر كقضية ولا كاستثناء، بل كاختبار قاسٍ يكشف ما إذا كانت النظرية السياسية الحديثة قادرة فعلًا على حماية الإنسان حين تُعلّق السياسة ويُستبدل الفعل بالحوكمة.
وأنا أقرأ، شعرت أن النص لا يسأل: لماذا قُتل الفلسطيني؟
بل: متى صار ممكنًا أن يُقتل دون أن يرتبك النظام؟
هذا التحويل في زاوية النظر هو جوهر قوة المقال، لأنه ينقل النقاش من الحدث إلى البنية، ومن الجريمة إلى شروط إمكانها.
الحوار الذي فتحه النص - في قراءة خالد، ثم سؤال محمد، ثم ردّك عليه - لم يأتِ بوصفه تعقيبًا عابرًا، بل بدا كامتداد عضوي للنص نفسه، كأن المقال كان يدعوه منذ سطوره الأولى. قراءة خالد التقطت البنية، سؤال محمد دفعها إلى حافة الإمكان، وردّك أعادها إلى مركزها بوصفها أزمة نظام لا انحرافه. هنا لم نعد أمام تعليقات على نص، بل أمام نصٍّ آخر يتكوّن على الهامش… أو ربما في عمقه.
في هذه اللحظة تحديدًا، لا يبدو هذا الحوار إضافة، بل مادة فصل كامل يتشكّل أمامنا: فصل عن إمكان منع الإبادة، عن حدود النظام الدولي، وعن اللحظة التي يفقد فيها العنف حاجته إلى التبرير لأنه صار جزءًا من آلية الحكم. فصل لا يُكتب بوصفه خاتمة، بل بوصفه منعطفًا يفتح الطريق لما سيأتي.
لكن ما يبقى، في نظري، أن هذا النص- ومعه هذا الحوار- لا يتوقف عند تشخيص الإبادة، بل يلمّح إلى الأخطر: ما بعدها.
إلى اللحظة التي تتحول فيها اللغة إلى أداة إدارة، والإنسانية إلى وصاية، وما بعد الكارثة إلى نظام حكم مستقر. كأن الجزء الأول يضع الأرضية، لا ليشرح ما حدث، بل ليجعلنا نرى كيف يُعاد إنتاجه، وكيف يُستكمل نظريًا وسياسيًا.
هذا مقال لا يُقرأ منفصلًا، ولا يُناقَش مرة واحدة.
هو بداية مسار، وبذرة كتاب، وفصل أول يُتبعه فصل آخر يتشكّل الآن، في النص وفي الحوار معًا، قبل أن يُكتَب رسميًا.
يحيى بركات
4/2/2026


==============



غانية ملحيس


يحيى العزيز
أشكرك على هذه القراءة العميقة التي لم تتعامل مع المقال بوصفه مدخلا نظريا مغلقا، بل كمسار تفكير مفتوح يتشكّل عبر الأسئلة بقدر ما يتشكّل عبر الأطروحات. ما التقطته - وخاصة نقل مركز السؤال من لماذا قُتل الفلسطيني؟ إلى متى أصبح قتله ممكنا دون أن يختل النظام؟ - هو في تقديري جوهر الرهان الفكري لهذا المشروع في أجزائه المتتالية: زحزحة النقاش من مستوى التفسير الأخلاقي أو الإدانة الحدثية، إلى مستوى مساءلة الشروط البنيوية التي تجعل العنف ممكنا، قابلا للإدارة، ومستقرا داخل النظام.
توصيفك للإبادة بوصفها وظيفة كامنة في بنية النظام، لا انحرافا طارئا عليه، يلتقي مباشرة مع الفرضية المركزية للمقال: أن الحداثة السياسية لا تفشل عند لحظة العنف، بل كثيرا ما تنجح فيه. القانون، العقلانية، الخطاب الإنساني، لا ينهارون أمام الإبادة، بل يعاد توظيفهم لتنظيمها، وتأطيرها، ونزع طابع الفضيحة عنها، عبر إعادة تشكيل اللغة بوصفها وسيط الوعي وشرط المعنى. في هذا السياق، لا تظهر فلسطين كقضية استثنائية ولا كحالة حدّية، بل كاختبار كاشف لقدرة النظرية السياسية الحديثة على حماية الإنسان حين تُعلَّق السياسة ويُستبدل الفعل السياسي بأنماط الحوكمة والإدارة.
أما ما وصفته بالحوار الذي نشأ على “هامش” النص - قراءة خالد، سؤال محمد، وما سبقه من قراءة نائل التونسي، وما تلاه من قراءتك - فهو، في تصوري، ليس هامشا بالمعنى التقليدي، بل حقل اشتغال مواز للمقال، يكشف حدوده ويدفعه إلى تجاوز نفسه. هذا التحول من التعليق إلى التكوّن المشترك هو ما أراهن عليه: أن يتحول التفاعل إلى جزء من البنية، وأن يصبح النقاش نفسه أداة اختبار للنظرية لا مجرد صدى لها.
لعلنا هنا فعلا أمام فصل يتشكّل قبل أن يُكتب، وبجهد جماعي، حول سؤال منع الإبادة لا بوصفه وعدا أخلاقيا أو أفقا معياريا، بل بوصفه معضلة بنيوية تتصل بحدود النظام الدولي ذاته، وبقدرته - أو عجزه - عن استيعاب الإنسان كفاعل سياسي لا كموضوع إدارة.
إشارتك إلى “ما بعد الإبادة” تفتح، في هذا السياق، أفقا بالغ الخطورة: لحظة استقرار العنف داخل اللغة، وتحول الإنسانية إلى وصاية، والكارثة إلى نمط حكم قابل للاستدامة. فإذا كان الجزءان الأول والثاني قد انشغلا بشروط الإمكان، فإن السؤال الذي تلمّح إليه يبدو الأكثر إلحاحا: كيف يُعاد إنتاج هذه الشروط بعد انكشافها؟ وكيف يجري تطبيعها نظريا وسياسيا بحيث يصبح الاستثناء قاعدة، والكارثة إطارا ناظما؟
أقدّر هذه القراءة الثرية لا بوصفها تقييما للمقال، بل بوصفها دفعا له إلى الأمام، ووضعا له أمام استحقاقه التالي. هذا الحوار -كما صغته بدقة - ليس خاتمة، بل منعطف، وبداية مسار، بل بداية طريق نُضطر إلى سلوكه ما دمنا نرفض أن تكون الإبادة مجرد “حدث” يُطوى، لا بنية تُواجَه.
غانية ملحيس
4/2/2026
 
نائل التونسي


الأخت الفاضلة الدكتورة غانية ملحيس
أودّ بدايةً أن أتقدّم إليكِ بخالص الشكر والتقدير على هذا الجهد الفكري الجاد، الذي يواصل في جزئه الثاني تفكيك أحد أخطر التحوّلات في الفكر السياسي المعاصر. يتميّز النص بكثافة نظرية عالية، وبقدرة واضحة على وصل التحليل الأكاديمي بالسؤال السياسي الراهن، ضمن منهج نقدي منضبط يستند إلى تقاليد راسخة في الفلسفة السياسية والنظرية الاجتماعية.
يركّز هذا الجزء من مقالكِ على نزع السياسة بوصفه شرطًا بنيويًا لتحوّل الديمقراطية الليبرالية من فضاء صراع وتمثيل إلى منظومة حوكمة تقنية، حيث تُفرَّغ السياسة من مضمونها الصراعي، ويُعاد تعريف الإنسان من فاعل سياسي إلى متغير إداري. ومن خلال العودة إلى أزمة السبعينيات، وأزمة قابلية الحكم، ودور اللجنة الثلاثية وتقرير “أزمة الديمقراطية” ، يقدّم النص إطارًا تفسيريًا بالغ الأهمية لفهم الإبادة الحديثة لا كاستثناء أخلاقي أو انحراف طارئ، بل كوظيفة داخل منطق الاستقرار والإدارة.
سياسيًا، تتجلّى أهمية هذا التحليل في تطبيقه على الحالة الفلسطينية، التي تُقرأ هنا بوصفها نموذجًا مكتملًا لعمل النظام الدولي المعاصر، لا فشلًا له. فإخراج فلسطين من مجال السياسة، وتحويلها إلى “ملف إنساني” أو “قضية أمنية” ، لا يمثّل حيادًا لغويًا، بل ممارسة سلطوية تُمكّن من إدارة العنف دون مساءلة. وبهذا المعنى، ينجح المقال في كشف الطابع الوظيفي للغة الإنسانية الحديثة، بوصفها غطاءً تقنيًا يُفرغ مفاهيم الحق والعدالة من مضمونها السياسي، ويُبقي العنف محصورًا ضمن خطاب “الضرورة” و” التعقيد”.
يفتح هذا المقال أفقًا نقديًا حادًا لفهم علاقتنا الراهنة بالسياسة، ويضعنا أمام مسؤولية فكرية لا يمكن تجاوزها، لكنه في الوقت نفسه يثير تساؤلات لا بد من التوقف عندها:
• إذا كان نزع السياسة شرطًا بنيويًا لعمل النظام الليبرالي المتأخر، فهل يمكن استعادة السياسة من داخله، أم أن كل أشكال المقاومة تُعاد هندستها وتحييدها إداريًا؟
• وهل ما تزال اللغة الإنسانية قادرة على التحوّل إلى أداة مساءلة وتفكيك، أم أنها باتت جزءًا لا ينفصل عن آلة الحوكمة التي تُدير الموت؟

نائل التونسي
5/2/2026


//////////

غانية ملحيس


الأستاذ العزيز نائل التونسي،
أشكرك على هذا التعليق الثري الذي يقرأ المقال بوصفه اشتباكا مع بنية الفكر السياسي المعاصر، لا مجرد تحليل لحظة أو حدث. فالأسئلة التي تطرحها لا تأتي بعد النص، بل تنبع من منطقه الداخلي، وتكشف حدوده القصوى.
فيما يتعلّق بإمكان استعادة السياسة من داخل النظام الليبرالي المتأخر، يقوم الرهان النظري للمقال على التشكيك في مفهوم «الداخل» نفسه. فنحن لا نواجه نظاما يخطئ في تمثيل السياسة، بل نظاما يُعرّف ذاته عبر تحييدها.
نزع السياسة هنا ليس انحرافا عن الليبرالية، بل شرط اشتغالها في طورها المتأخر، حيث يُستبدل الصراع بالحوكمة، والقرار بالإجراء، والفاعل السياسي بالسكّان بوصفهم معطًى إحصائيًا. من هذا المنظور، لا يعود السؤال هو كيف نُعيد تسييس ما جرى تحييده، بل كيف نفكّر سياسة لا يمكن احتواؤها داخل منطق القابلية للإدارة دون أن تفقد ذاتها.
أما بخصوص اللغة الإنسانية، فلا تبدو لي أداة يمكن «استردادها» أخلاقيا، لأنها لم تُفرَّغ من مضمونها السياسي لاحقا، بل نشأت تاريخيا بوصفها جزءا من هذا التفريغ. إنها لغة تُعلّق الحكم بدل أن تُنتجه، وتحوّل العنف من علاقة قوة إلى مشكلة تقنية، ومن قرار سيادي إلى مسألة تعقيد. لا يُدان العنف فيها بوصفه ممارسة سياسية، بل يُقاس بمدى انضباطه، وتناسبه، وقابليته للتبرير. بهذا المعنى، فهي لا تحجب الإبادة، بل تجعلها قابلة للإدارة والتكرار دون مساءلة جذرية.
لا تأتي فلسطين في المقال كمثال تطبيقي، ولا كحالة مأساوية استثنائية، بل كموضع انكشاف بنيوي تتعرّى فيه آليات النظام الدولي المعاصر. فهي ليست «فشلا» أخلاقيا في تطبيق القيم الليبرالية، بل أحد أنجح مختبراتها. ففي الحالة الفلسطينية، لا يُنتهك القانون عرضيا، بل يُعلّق منهجيا، ولا تُخالف المعايير الإنسانية، بل يُعاد تعريفها بحيث تسمح باستمرار العنف ضمن حدود القابلية للإدارة. هنا، يظهر بوضوح أن نزع السياسة ليس نتيجة ثانوية للصراع، بل شرط استمراره.
إن إخراج فلسطين من مجال السياسة، وتحويلها إلى «قضية إنسانية» أو «ملف أمني»، لا يعني فقط إزاحة السؤال عن الحق والعدالة، بل إلغاء إمكانه أصلا. فحين يُعاد توصيف الاستعمار بوصفه «نزاعا معقدا»، والإبادة بوصفها «تداعيات أمنية»، والقتل بوصفه «ضررا جانبيا»، تصبح اللغة الإنسانية نفسها جهازا لإنتاج اللامسؤولية، لا لمساءلتها. وبهذا المعنى، لا يُدار العنف في فلسطين رغم الخطاب الإنساني، بل من خلاله.
في هذا الموضع تحديدا، تكشف فلسطين وظيفة النظام الليبرالي المتأخر: نظام لا يسعى إلى إنهاء العنف، بل إلى تنظيمه، لا إلى تحقيق العدالة، بل إلى تثبيت الاستقرار، ولا إلى حماية الحياة، بل إلى جعل بعض أشكال الموت مقبولة، قابلة للتبرير، وقابلة للتكرار دون أن تُسمّى إبادة. فلسطين، من هذا المنظور، ليست استثناء على القاعدة، بل لحظة صدقها القصوى.
ومن هنا، لا يقترح المقال أفقا خلاصيا، بل يسعى إلى إعادة طرح السؤال السياسي في لحظة يُدار فيها العالم على أساس أن السياسة خطر يجب تحييده. والسؤال، في النهاية، ليس ما إذا كانت السياسة ممكنة، بل أي سياسة يمكن التفكير بها حين يصبح نفيها شرطا للنظام القائم.
ولهذا تحديدا، فإن الرهان النقدي الذي يقترحه المقال لا يتمثّل في البحث عن لغة بديلة جاهزة، ولا في استعادة نموذج مفقود للسياسة، بل في تعقيد فعل التفكير نفسه بوصفه ممارسة مقاومة: أي الإصرار على إبقاء الصراع مرئيا حيث يعمل النظام بلا صراع، وعلى إعادة تسييس ما يُقدَّم بوصفه «واقعيا» أو «ضروريا» أو «إنسانيا» إلى حدّ الإلغاء. فحين تصبح السياسة هي ما يجب تحييده كي يستمر النظام، يغدو التفكير النقدي نفسه فعل تعطيل، لا لأنه يقدّم حلا، بل لأنه يرفض الامتثال لمنطق الحلول الإدارية التي تُغلق السؤال بدل أن تفتحه.
بهذا المعنى، لا يغالي المقال، كما سبقت الإشارة، في الظن بإمكانية تجاوز النظام الليبرالي المتأخر نظريا بسهولة، لكنه يطمح إلى تعميق الصدوع التكوينية المتنامية فيه، عبر كشف آلياته بوصفها آليات نفي منظّم للسياسة، ومساءلة الشروط التي تجعل الإبادة ممكنة، قابلة للتبرير، وقابلة للاستمرار دون أن تُسمّى كذلك. وهذا، في حد ذاته، ليس موقفا خارج السياسة، بل محاولة لإعادة تعريفها في لحظة مصيرية تتصدّع فيها سياسة الحداثة التي تُدار فيها الحياة والموت باعتبارهما مسألتين تقنيتين لا شأن لهما بالقرار أو المسؤولية.
غانية ملحيس
6/2/2026
 
* خالد عطية


الدكتورة العزيزة غانية،
برأيي، هذا الجزء هو القلب البنيوي للمقال كله، لا بوصفه استكمالًا نظريًا فحسب، بل لأنه يقدّم المفتاح الذي يربط الإبادة بالحوكمة، والقتل باللغة، والعنف بالاستقرار.
إنه ينقل نزع السياسة من مستوى الوصف الأخلاقي إلى مستوى الهندسة التاريخية: يبيّن كيف لم يكن ما نعيشه انحرافًا أو فشلًا، بل ثمرة مسار طويل جرى فيه إعادة تعريف الديمقراطية ذاتها بوصفها مشكلة، والمجتمع بوصفه عبئًا، والإنسان بوصفه متغيرًا إداريًا. بهذا المعنى، فلسطين لا تظهر كاستثناء، بل كـ نقطة صفاء للنظام وهو يعمل بكامل كفاءته.
الأهم أن النص لا يكتفي بنقد “اللغة الإنسانية” أو “العقلانية الأداتية” بوصفها خطابات، بل يكشفها كـ أدوات حكم، وكشروط مسبقة تجعل الإبادة ممكنة، مقبولة، وقابلة للإدارة دون صدمة أخلاقية. وهنا تحديدًا يبلغ التحليل ذروته: حين تصبح السياسة عبئًا، يصبح الإنسان فائضًا.
هذا نص لا يهادن القارئ، ولا يمنحه عزاءً معرفيًا. هو نص يُزعج لأنه يسحب منا وهم أن المشكلة في التطبيق، أو في نوايا الفاعلين، ويضعنا أمام حقيقة أثقل: النظام لا يخطئ هنا، بل ينجز وظيفته.
باختصار: هذا ليس مقالًا يشرح ما يجري، بل مقال يُفقد ما يجري أي براءة ممكنة. وهو بذلك يفرض على القارئ سؤالًا لا مهرب منه:
إذا كان نزع السياسة هو الشرط، فاستعادة السياسة لم تعد خيارًا فكريًا… بل شرط نجاة.

خالد عطية
5/2/2026



///////////////


* غانية ملحيس

العزيز خالد
أشكرك على هذه القراءة العميقة التي لا تلتقط ما حاول المقال أن يبلوره بوصفه منطقا بنيويا لا توصيفا أخلاقيا فحسب، وإنما إثراءه بالتفكيك الذي يحفز التفكير. توصيفك لهذا الجزء بوصفه «القلب البنيوي» للمقال يلتقي تماما مع رهانه المركزي: أي نقل النقاش من مستوى الإدانة إلى مستوى الفهم التاريخي - السياسي للشروط التي جعلت الإبادة ممكنة، ومفهومة، بل قابلة للإدارة.
ما لفتني في تعليقك، تحديدا، هو تأكيدك على أن فلسطين لا تُقرأ هنا كاستثناء، بل كنقطة صفاء للنظام وهو يعمل بكامل كفاءته. هذا بالضبط ما يحاول المقال الدفاع عنه: أن ما يبدو صادما أخلاقيا هو، في حقيقته، منسجم وظيفيا مع منطق الحوكمة الحديثة، حين تُعاد صياغة السياسة بوصفها عبئا، والإنسان بوصفه فائضا إداريا.
كما أن إشارتك إلى اللغة الإنسانية بوصفها أداة حكم، وليس مجرد خطاب، تلامس جوهر الإشكال: فالمسألة ليست في إساءة استخدام هذه اللغة، بل في دورها البنيوي في تعليق الحكم، وتحييد المسؤولية، وتحويل العنف إلى مسألة تقنية قابلة للتبرير. هنا لا يعود السؤال سؤال نوايا، بل سؤال نظام.
ربما لهذا السبب، كما أشرت، لا يمنح المقال القارئ عزاء معرفيا، ولا يسمح له بالاحتماء بفكرة الخلل أو الانحراف. إنه يضعنا جميعا أمام حقيقة أثقل: أن ما نواجهه ليس فشلا في القيم، بل اشتغالا ناجحا لمنظومة أعادت تعريف السياسة على نحو يجعل نفيها شرطا للاستقرار.
أقدّر عاليًا هذا الحرص على الاشتباك الفكري، وأراه امتدادا ضروريا للأسئلة التي تؤرقنا ويحاول كلانا إبقاءها مفتوحة، لا حسمها.

غانية ملحيس
5/2/2026
 
أعلى