يحيى بركات - في الأول من نيسان،

في الأول من نيسان،


اليوم الذي يتدرّب فيه العالم على الكذب…
قرّرت الحياة أن تقول الحقيقة.
أنا لم أولد في يوم عادي،
بل في يومٍ يشكّ فيه الناس بكل شيء.
وكأن وجودي جاء ليقول لهم:
ليس كل ما يُروى في هذا اليوم خدعة…
بعضه حياة كاملة.
الخامسة صباحًا…
بين عتمةٍ لم تنتهِ بعد،
وضوءٍ لم يبدأ تمامًا،
خرجتُ إلى هذا العالم
كجملةٍ لم تُكتب بعد.
ومنذ ذلك الوقت…
وأنا أحاول أن أكون نصًا لا يُكذَّب.
لم أولد في فلسطين…
لكن فلسطين وُلدت فيّ.
هكذا ببساطة،
دون خرائط،
دون وثائق،
دون ختمٍ على جواز سفر.
وُلدتُ خارجها…
لكنها لم تولد خارجي.
اليوم،
بعد كل هذه السنوات،
وبعد شهرٍ فقط من أن فتح الأطباء صدري
كما تُفتح نافذةٌ قديمة
ليدخل منها الهواء من جديد…
خمسة شرايين…
خمسة طرق التفافية.
حين سألني الطبيب:
ماذا تفعلون عندما تُغلق الطرق؟
قلت: نصنع طرقًا أخرى.
قال: هذا ما سأفعله لقلبك.
وفعل.
الآن…
أمشي وفي داخلي خريطة جديدة،
قلبٌ يعرف الطرق أكثر،
ويعرف أن الحياة
ليست طريقًا واحدًا.
يقولون: المكان يصنع الانتماء.
وأنا أقول: الذاكرة تصنع المكان.
كبرتُ على أسماءٍ لم أرها،
لكنني كنت أعرفها كما يُعرف الوجه في المرآة.
يافا…
لم تكن مدينة بعيدة،
كانت صورةً معلّقة في داخل العين،
ورائحة بحرٍ لا أعرف كيف وصلت إلى صدري،
وميناءً ترسو فيه الحكايات
كل مساء.
لم أكن هناك…
لكنني كنت أعرف الطريق.
وصلتني تهاني كثيرة هذا الصباح…
لكن الحقيقة؟
لم أشعر أنني أنا من يُحتفل به.
شعرت أن الحياة…
تمنحني وقتًا إضافيًا.
وقتًا يشبه الدقائق التي لا تُحسب من عمر المباراة،
لكنها قد تغيّر نتيجتها كلها.
ربما لأن في الطريق ما لم يُكتب بعد،
وربما لأن هناك من ينتظرني…
نجوان…
التي لم تعد فقط ابنتي،
بل مرآتي حين أكبر،
واليد التي تضع المستقبل أمامها وتمشي.
ومناف…
الذي يحمل اسمه كأن فيه تحدّيًا للحياة،
ويمشي بثباتٍ كأنه يعرف طريقه حتى في الغموض.
وعمر…
الذي كتب لي هذا الصباح
فقرأني أكثر مما قرأت نفسي،
وأعادني إليّ بكلماتٍ لا تُقال… بل تُرى.
ورازي…
الذي ما زال في أول الحكاية،
يحمل أسئلته كأنها مفاتيح لعالمٍ لم يُفتح بعد.
وقيصر…
الذي يضحك كأن الحياة بدأت لتوّها،
ويُعيد ترتيب قلبي كلما نظر إليّ.
وريم…
التي لا أقف معها كزوجٍ فقط،
بل كحياةٍ تُكمل حياتي،
وكهدوءٍ يُعيدني إليّ كلما ابتعدت.
ليس امتدادًا للعمر…
بل مسؤولية.
أن أبقى،
لأن هناك من يكبر بي،
ومن يرى الطريق من خلالي،
ومن يحتاج أن أكون…
ولو قليلاً…
ضوءًا لا ينطفئ سريعًا.
هكذا يبدأ الفلسطيني حياته:
بحقيقةٍ تبدو للآخرين كذبة.
يولد خارج وطنه…
لكن الوطن لا يقبل أن يكون خارج دمه.
ينمو،
وتنمو معه خريطةٌ غير مرئية،
تمتد في داخله
كما تمتد الشرايين في الجسد.
وكلما كبر…
اكتشف أن هذه الخريطة
ليست ذكرى…
بل جهاز حياة.
علّمونا أن الوطن جغرافيا،
وأن الحدود تُرسم على الأرض.
لكنهم لم يفهموا…
أن بعض الأوطان تُرسم في الإنسان.
في اللغة،
في طريقة الحكي،
في الحنين الذي لا يحتاج سببًا،
في الغضب الذي لا يهدأ،
وفي تلك الرغبة العميقة
أن تعود…
حتى لو لم تغادر.
هناك من راهن…
أن الزمن كفيل بأن يُنسي.
أن من يولد خارج فلسطين
سيكبر بلا فلسطين.
راهنوا على المسافة،
على الأجيال،
على التعب،
على انشغال الناس بحياتهم.
لكنهم لم يعرفوا…
أنهم يراهنون على شيء لا يفهمونه.
الانتماء ليس عادة…
كي تُنسى.
وليس شعارًا…
كي يسقط.
الانتماء…
شيء يشبه الجينات.
ينتقل دون استئذان،
من أبٍ إلى ابن،
ومن أمٍ إلى طفلتها،
ومن حكايةٍ إلى أخرى.
يكبر مع الوقت…
لا يضعف.
يتأصل…
كلما حاولوا اقتلاعه.
أنا واحد من هؤلاء…
الذين لم يولدوا هناك،
لكنهم لم يغادروا يومًا.
أحمل فلسطين
كما يحمل القلب نبضه،
دون أن يفكر،
ودون أن يطلب إذنًا.
وحين أنظر إلى أولادي…
أرى ما هو أبعد من الوراثة.
أرى أن ما في داخلي
لم يبقَ لي وحدي.
انتقل.
بطريقة لا تُدرّس،
ولا تُفسَّر،
ولا تحتاج إلى إثبات.
هذه ليست قصة حنين.
هذه قصة وعي.
أن تعرف من أنت…
حتى لو وُلدت بعيدًا.
أن تفهم أن الوطن
ليس مكانًا نعود إليه فقط،
بل شيء نحمله معنا…
حيثما ذهبنا.
وأن الذين ظنّوا
أن الغياب سيُضعف الحكاية…
لم يفهموا
أن بعض الحكايات
تُكتب داخل الدم.
في هذا اليوم…
لا أعدّ السنوات.
أعدّ ما بقي من دهشة،
وما بقي من قدرة على الحب،
وما بقي من طريق
يمكن أن يُمشى.
وأقول لنفسي بهدوء:
ما زال في الحياة… بقية.
وفي الأول من نيسان…
حيث يكثر الكذب،
أتمسّك بحقيقتي:
أن الإنسان
يمكن أن يُولد خارج وطنه…
ويظل وطنه
أكثر الأشياء حضورًا فيه.
وأن العودة…
لا تبدأ من الطريق،
بل من الإيمان بها.
هذه ليست رسالة لأولادي فقط…
بل لكل من يقرأ:
لا تسألوا أين وُلدتم…
اسألوا ماذا وُلد فيكم.
فإن وُلدت فلسطين فيكم…
فأنتم منها،
وهي منكم،
والطريق…
سيعرفكم يومًا.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
1/4/2026



FB_IMG_1775036967190.jpg

تعليقات

غانية ملحيس


الصديق العزيز يحيى

في الأول من نيسان،
حيث يختبر العالم هشاشة الحقيقة،كتبتَ مقالا يعيد لها هيبتها.
لا أكتب تهنئةً بعيد ميلادك بالمعنى المعتاد، بل بعودتك سالما معافى إلى قرائك.
فالعمر - كما قلت - لم يعد رقما يُحصى، بل معنى يُعاد اكتشافه كلما نجا القلب من الاعتياد، وليس من الموت.
ما كتبته يا يحيى ليس سيرة يوم ميلاد، بل بيان وجود. كأنك لا تحتفل بأنك وُلدت، بل بأنك ما تزال تختار أن تكون كما تريد.
في مقالك، لم يكن القلب عضوا يُرمّم، بل جغرافيا تُعاد هندستها. ولم تكن الطرق الالتفافية طبية، بل تجسيدا دقيقا لتلك القدرة الفلسطينية العجيبة على اختراع الممكن، حين يُغلق العالم كل الاحتمالات.
لم تكتب في عيد ميلادك عن فلسطين كذاكرة، بل كبنية داخلية للوعي، كأنها ليست موضوعا للحنين، بل شرطا للوجود.
أكثر ما شدّني فيما كتبت
أنك نزعت عن الانتماء طابعه الخطابي، وأعدته إلى أصله الأكثر جذرية، إلى كونه “ما لا يمكن نفيه”، حتى حين يُنفى كل شيء.
حين قلت إنك لم تولد في فلسطين لكنها وُلدت فيك، لم تكن تعكس معادلة شعرية، بل كنت تعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والمكان.
فالمكان ليس ما نصل إليه، بل ما يتكوّن فينا.
وفي هذا، يتحوّل النفي إلى شكل آخر من الحضور، وتصبح المسافة مجرد وهم جغرافي أمام حقيقة وجودية.
أما عن القلب، فما حدث فيه ليس عملية جراحية فقط،
بل لحظة وعي بأن الحياة، حين تُمنح مرة أخرى، لا تُمنح كامتداد، بل كتكثيف.
كأن الزمن بعد ذلك لا يُقاس بطوله، بل بقدرته على أن يُعاش بصدق.
نجوان، ومناف، وعمر، ورازي، وقيصر، في مقالك لم يكونوا امتدادا بيولوجيا، بل برهانا حيا على أن ما يُكتب في الداخل، يمكن أن يعبر الأجيال دون أن يفقد معناه.
وأن أجمل ما تفعله ريم، رفيقة عمرك، أنها تعيدك إلى ذاتك كلما ابتعدت.
يحيي العزيز
في يوم يُشكّ فيه بكل شيء، كنت أنت اليقين. ليس لأنك قدّمت إجابات، بل لأنك تمسّكت بالسؤال الصحيح: ماذا يعني أن تكون حين يصبح الوجود نفسه موضع اختبار؟
كل عام وأنت لا تضيف سنة إلى عمرك، بل تضيف معنى إلى الحياة.
وكل عام وقلبك، بهذه الخرائط الجديدة، يعرف الطريق أكثر، ليس فقط إلى البقاء، بل إلى الحقيقة.
أما التهنئة الحقيقية،
فليست لك وحدك،بل لأسرتك الجميلةولكل من يقرأك
ويكتشف أن ما في داخله
ما يزال ينبض بالحق .
في الأول من نيسان،
حيث يُتقن العالم الكذب،
أثبتَّ أن الحقيقة يمكن أن تُكتب وتُعاش.
كل عام وأنت أنت، قولٌ لا يُكذَّب.

غانية ملحيس 1/4/2026


***
 
أعلى