عبدالمنعم الهراق - يوميات بائع كتب

لم يكن مساء عاديا من مساءات أواخر أبريل سنة 2007.
كانت مكتبة منار العرفان يومها تشبه سفينة هادئة في بحر بلا رياح. الرفوف عامرة، لكن الخطوات قليلة، والكتب ساكنة كأنها تنتظر من يوقظها.
جلست خلف الطاولة مطأطئ الرأس، أعدّ كساد الأيام كما يعدّ الفلاح مواسم الجفاف ؛ كان في القلب شيء من انكسار خفيف، ذلك الشعور الذي يعرفه كل بائع كتب حين يرى المعرفة حاضرة والقراء غائبين.
في تلك اللحظة دخل أحد الأساتذة الأجلاء ، كان يزورني بين الفينة والأخرى، قادما من تطوان، وقد نشأت بيننا مع السنوات صداقة تتجاوز علاقة بائع وقارئ؛ شيء أقرب إلى مودة أبوية هادئة.
ألقى السلام، ثم اقترب كمن يحمل سرا صغيرا، وانحنى قليلا وهمس في أذني: ما الذي تنتظره هنا؟
اذهب إلى الأستاذ أحمد الصايغ صاحب مكتبة دار الأمان، واطلب منه أن يشغّلك في مكتبته الجديدة التي ستُفتح قريبا بشارع محمد الخامس.
لا أدري كيف حدث ذلك، لكن كلماته وقعت في قلبي كقارب نجاة ألقي في بحر متعب ، وفجأة بدا الأفق أوسع، وكأن الرجل لم يهمس بنصيحة، لكنه فتح نافذة للضوء.
ما إن أغلقت المكتبة حتى مضيت مباشرة إلى دار الأمان ، استقبلني الأستاذ أحمد بترحاب، وأصغى للفكرة باهتمام، ثم قال بابتسامة هادئة: لا مانع ، فقط سوّ وضعك مع مدير المكتبة. أنا مسافر الآن، وسأعود بعد شهر، وعندها نلتقي ونبدأ.
كان شهرا طويلا كأنه فصل كامل من الانتظار ، خلاله أخبرت مديري بقراري ، لم يكن وداعا سهلا.
خمسة عشر عاما قضيتها في تلك المكتبة؛ كانت مدرستي الأولى، تعلمت بين رفوفها أبجديات التصنيف والفهرسة، وأسرار التعامل مع الكتب، وشيئا من طبائع القرّاء.
هناك التقيت آلاف الوجوه، وعبرت بين يدي آلاف الكتب والمجلات ، ولهذا حين جاء يوم الفراق، لم يكن مجرد مصافحة…كان عناقا طويلا، وبكاء صادقا، كأنني أودّع جزءا من عمري.
ومع بداية شهر ماي، التحقت بمكتبة الألفية الثالثة بشارع محمد الخامس، في قلب المدينة ، ومنذ ذلك اليوم، مرّت ثمانية عشر سنة ، لكن طيف ذلك الأستاذ ما يزال يمرّ في ذاكرتي بين الحين والآخر، فأفكر بدهشة: كيف يمكن لجملة عابرة، تُقال في مساء هادئ بين رفوف الكتب، أن تغيّر مجرى حياة كاملة؟
لهذا تعلّمت درسا لن أنساه: القارئ ليس مجرد عابر في المكتبة ، أحيانا يكون كنزا من الحكمة، ونبعا من النصح الصادق.
ولهذا ، يجب أن نصغي إليه جيدا، قبل أن نظن أننا نحن من يدلّه على الطريق

تعليقات

واظبت على متابعة هذه اليوميات فاحببتها، احببتها بجد لما تتصمنه من معلومات واخبار، واسلوب متين وبديع يفلح في تقديم الاسفار للقارىء المتمرس، واحببت الرجل، هذاةالكتبي المثقف والمختلف، واكبرت فيه عشقه للكتاب، واحترامه للكتاب. وامتلاكه لهذا الكم من المعارف، واللغة الرصينة والذاكرة التي تختزن الاف العناوين والمؤلفين والنصوص ايضا
وزاد من اعجابي وتقديري له ملكته في الوصف وتقديم ثمرات المطابع الطازجة . في زمن اغلق كل الكتبيين مكتباتهم وحولوها لمحلات لبيع الاكلات السريعة، او لعرض ما خف وزنه وزاد ربحه من كتيبات عذاب القبور وادعية السفر والاكل والنوم ووطء الزوجة. وقليل منهم حافظوا عليها لايمانهم بجدوى القراءة، وبان هناك جمهور شغوف لا يرضى بغير الكتاب بديلا ويرى في المكتبة طرفا من الجنة، او الجنة على هيءة مكتبة كما يرى بورخيس،، او هكذا يقول.
 
أعلى