غانية ملحيس - بين الهدم والتحول: كيف تتغير البنى السياسية في الحالة الفلسطينية؟

ملخص تنفيذي
يناقش هذا المقال إشكالية التحول في البنى السياسية في الحالة الفلسطينية، من خلال تفكيك الجدل الدائر حول مستقبل الحركة الوطنية الفلسطينية، وخاصة حركة فتح، في ظل انسداد سياسي متزايد. ينطلق المقال من فرضية أساسية مفادها أن الخلاف الحقيقي ليس حول تشخيص الأزمة، بل حول كيفية فهم آليات التغير التاريخي نفسها: هل يتم عبر القطيعة والهدم، أم عبر التحول التدريجي داخل البنى القائمة؟
يرى المقال أن الأزمة الفلسطينية لم تعد مرتبطة فقط بضعف الأداء أو الفساد أو خلل القيادة، بل أصبحت تمس وظيفة السياسة ذاتها داخل المجال الفلسطيني. ومع ذلك، فإن التصورات التي تدعو إلى “تجاوز” البنية السياسية القائمة والبدء من جديد تستند إلى تصور خطي للتاريخ يفترض إمكانية الإزالة والبدء من نقطة صفر، وهو ما يعتبره المقال تصورا غير واقعي.
ويؤكد أن التاريخ لا يعمل بمنطق المعمار، إذ لا توجد لحظة صفرية يمكن الانطلاق منها، لأن المجال السياسي مشبع بتراكمات من العلاقات، والرموز، والشرعية، والتنظيم. لذلك، لا يمكن تفكيك البنى السياسية بقرار إرادي، بل تستمر حتى في أزمتها بوصفها جزءًا من تكوين المجال نفسه. ويناقش نموذج “الدولة الحديثة” الذي نشأ في أوروبا في سياق استعماري بوصفها نموذجا مثاليا للدولة جرى تعميمه لاحقا كإطار عالمي لقياس جميع التجارب السياسية، بغض النظر عن شروطها التاريخية المختلفة.
ينتقد المقال أيضًا منطق “القطيعة” أو “الرحيل”، موضحًا أنه يتجاهل أن البنى السياسية ليست كيانات مغلقة، بل شبكات من العلاقات تتجاوز الفاعلين أنفسهم. لذلك، لا يحدث التغيير عبر الإلغاء، بل عبر إعادة توزيع إمكانات الفعل داخل المجال السياسي.
بدلًا من ذلك، يقترح مفهوم “التحول”، الذي يقوم على إعادة تشكيل البنى من الداخل عبر تفكيك احتكارها للتمثيل والسياسة تدريجيا. ويشير إلى أن أشكال الفعل المجتمعي والنقابي والطلابي في فلسطين وشبكات الشتات تمثل إمكانات فعلية لهذا التحول، رغم كونها مجزأة.
ويخلص إلى أن التحول السياسي لا يعني مغادرة البنية، بل فقدانها قدرتها على احتكار السياسة، بحيث تصبح جزءًا من المجال وليس مركزه الوحيد. وبهذا المعنى، فإن السياسة لا تبدأ من القطيعة المتعذرة، بل من إعادة إنتاج مستمرة للفعل داخل بنى غير مكتملة تاريخيا.
المقال الكامل
بين الهدم والتحول: كيف تتغير البنى السياسية في الحالة الفلسطينية؟



أولاً: الخلاف ليس في التشخيص، بل في تصور كيفية تغير التاريخ السياسي نفسه
الخلاف الحقيقي في النقاش الفلسطيني الضروري الدائر مؤخرا حول حركة فتح، قبيل انعقاد مؤتمرها الحركي الثامن في منتصف أيار/مايو الجاري، وحول عموم الحركة الوطنية الفلسطينية، ليس خلافا على وجود الأزمة، فذلك بات أقرب إلى نقطة إجماع منه إلى موضع نزاع.
فالأزمة لم تعد قابلة للاختزال في ضعف الأداء، أو الفساد، أو تراجع التنظيم، أو خلل القيادة. بل أصبحت أزمة تمسّ وظيفة السياسة نفسها داخل المجال الفلسطيني.
لهذا، لا يبدأ أي نقاش جاد من إنكار الأزمة، بل من الاعتراف بعمقها. فقد وصلت البنية السياسية الفلسطينية إلى درجة من الانسداد، تجعل استمرارها بصيغتها الراهنة موضع مساءلة فعلية.
غير أن هذا الاتفاق لا يمتد إلى طبيعة المعالجة. في هذا السياق، يطرح بعض الكتاب الفلسطينيين تصورا يبدو حاسما: إذا كانت البنية قد فقدت وظيفتها، وإذا كانت الحركة قد استنفدت مشروعها، فإن الحل لا يكون في إصلاحها، بل في تجاوزها والبدء من جديد.

يستند هذا التصور إلى فرضية ضمنية: أن التاريخ يتحرك عبر القطيعة. أي أن الفشل يقود إلى الانهيار، ثم يفتح المجال لبناء جديد.
السؤال الذي يستحق التفكير لا يتعلق فقط بمدى صحة نقد البنية القائمة، بل بطبيعة هذا التصور للتاريخ ذاته: هل تتحرك المجتمعات فعلا بمنطق الإزالة؟ وهل يمكن التعامل مع الحركات السياسية كما لو كانت أبنية قابلة للهدم وإعادة البناء على أرض فارغة؟

ثانيا : التاريخ ليس معمارا
ثمة فرق جوهري بين البناء المادي والتاريخ الاجتماعي. في المعمار، يمكن إزالة البنية بالكامل، ثم البدء من جديد فوق أرض محايدة.
أما في التاريخ، فلا توجد لحظة صفرية يمكن الانطلاق منها، لأن المجال السياسي مشبع دائما بتراكمات سابقة من الفعل والعلاقات والمعنى.
المجتمعات لا تبدأ من جديد، لأنها لا تنفصل عن تاريخها. كما أن الحركات السياسية ليست جدرانا إسمنتية، بل تراكمات من الذاكرة والعلاقات والرمزية والتنظيم والشرعية واللغة والمصالح
ولهذا، فإن البنى السياسية لا تختفي بقرار أخلاقي، ولا تزول لأنها فقدت مشروعيتها نظريا، بل تستمر- حتى في لحظة أزمتها - بوصفها جزءا من تكوين المجال السياسي نفسه.
ويمكن ملاحظة ذلك في استمرار أطر سياسية فقدت جزءا كبيرا من فاعليتها، مثل منظمة التحرير الفلسطينية، لكنها تبقى حاضرة بوصفها مرجعيات تنظيمية أو رمزية لا يمكن تجاوزها ببساطة.
ومن هنا، فإن السؤال لا يصبح: كيف نزيل البنية؟ بل: كيف تتحول البنية حين تفقد قدرتها على احتكار الوظيفة التي قامت عليها؟

ثالثا: الخلاف ليس حول فتح، بل حول تصور التغيير
لا تكمن المسألة في الدفاع عن حركة فتح أو تبرئة تجربتها، فذلك يعيد النقاش إلى مستوى أقل عمقا. الإشكال الحقيقي يتعلق بكيفية فهم آليات التحول التاريخي: هل يتغير التاريخ عبر الإلغاء والقطيعة، أم عبر انتقالات بطيئة تعيد توزيع الوظائف والمعنى والشرعية داخل المجال السياسي؟
في كثير من النقاشات، يجري التعامل مع الحالة الفلسطينية كما لو كانت أزمة نظام وطني مكتمل فشل في الحكم، بينما تبدو المشكلة أكثر تعقيدا من ذلك بكثير. فهي لا تمثل تجربة دولة أخفقت، بل حالة تشكّلت داخل سياق استعمار استيطاني إحلالي مستمر، ما يجعل شروط “الدولة المكتملة” غير متحققة أصلا. ويمكن ملاحظة ذلك في تداخل مستويات السلطة والتمثيل والمجتمع، حيث لا تعمل المؤسسات بوصفها دولة سيادية مكتملة، بل بوصفها جزءا من بنية سياسية مقيدة تحت الاحتلال ومفتوحة في آن واحد.
وهنا يصبح السؤال مختلفا جذريا: ليس لماذا فشلت السلطة الفلسطينية، بل كيف تتشكل السياسة أصلا حين تكون السلطة نفسها جزءا من بنية استعمارية تمنع السيادة؟

رابعا: فرادة الحالة الفلسطينية: حين لا تنطبق خرائط التاريخ
تبدو كثير من المقاربات النقدية للحالة الفلسطينية، بما فيها الأكثر جدية وحدّة، وكأنها تتحرك داخل خريطة تاريخية جاهزة: انتقال الحركات الوطنية من الثورة إلى الدولة، ومن الفشل إلى الاستبدال، ومن الانهيار إلى إعادة التأسيس. غير أن هذه الخريطة تفترض شرطا تأسيسيا لا يتوفر في الحالة الفلسطينية: اكتمال لحظة ما بعد الاستعمار.
في معظم التجارب المقارنة، سواء في آسيا أو إفريقيا أو أمريكا اللاتينية، تحقق الانتقال السياسي بعد أحد أمرين: تفكيك البنية الاستعمارية بشكل نهائي، أو الوصول إلى تسوية أنهت مركزيتها.
أما في الحالة الفلسطينية، فنحن أمام وضع لا يطابق أيّا من هذه المسارات: سلطة سياسية تشكّلت داخل سياق استعمار استيطاني إحلالي مستمر، تتداخل فيه مستويات السيطرة الجغرافية والسياسية، مع مجتمع وطني موزع بين الداخل والشتات وفيهما.
ويمكن ملاحظة ذلك في التفاوت العميق بين الجغرافيا السياسية الفلسطينية نفسها: الضفة الغربية، وقطاع غزة، والقدس، ومناطق 1948، والشتات، حيث تعمل كل منطقة ضمن شروط مختلفة للفعل السياسي، دون وجود فضاء سيادي موحد.
لذلك لا تُفهم الحالة الفلسطينية بوصفها اختلافا في الدرجة عن تجارب ما بعد الاستعمار، بل اختلافا في النوع البنيوي نفسه. فهي لا تمثل “حالة متأخرة” عن نموذج الدولة، بل تكشف حدود هذا النموذج حين يُفترض عالميا.
ومن هنا، لا يعود الانتقال السياسي قابلا للفهم بوصفه مسارا خطيا نحو الدولة، بل بوصفه إعادة إنتاج مستمرة للفعل داخل بنية غير مكتملة وغير مستقرة.
وعليه، فإن خصوصية الحالة الفلسطينية لا تُستخدم لتثبيت استثناء هوياتي، بل لتوضيح أن نموذج الدولة الحديثة نفسه يفترض شروطا غير متحققة هنا: انتهاء البنية الاستعمارية، ووحدة الجغرافيا، واكتمال السيادة. وعندما تغيب هذه الشروط، لا يعود النموذج قادرا على التفسير الكامل، بل على إنتاج حدود تفسيره.

خامسًا: مفهوم “الدولة الحديثة”
يرتكز جزء كبير من النقد الموجّه للحركات الوطنية، بما فيها حركة فتح، على معيار ضمني يتمثل في “الدولة الحديثة”، بوصفها نموذجا مثاليا للدولة: مؤسسات مستقرة، قانون، بيروقراطية، واحتكار شرعي للعنف، إضافة إلى انتقال من الثورة إلى الحكم.
غير أن هذا النموذج ليس معيارا محايدا خارج التاريخ، بل هو نتاج تشكل الدولة القومية الأوروبية، وتطور الرأسمالية، وتجارب الاستعمار وإعادة هندسة النظام العالمي. وقد جرى تعميمه لاحقا كإطار عالمي لقياس جميع التجارب السياسية، بغض النظر عن شروطها التاريخية المختلفة.
ويمكن ملاحظة أثر هذا التعميم في حالات عديدة تُقاس فيها التجارب السياسية بمعايير لم تتوفر شروطها أصلا، ما يجعل “النجاح” و“الفشل” مفهوميْن مرتبطين بالنموذج نفسه لا بالواقع التاريخي الفعلي.
وعليه، فإن الإشكال لا يتعلق بإعفاء التجارب الدولية ما بعد الاستعمار من النقد الضروري المستحق، وخصوصا التجربة الفلسطينية الفريدة لسلطة هجينة مقيدة تحت استعمار استيطاني إحلالي، بل بنقل هذا النقد من مستوى المقارنة مع نموذج جاهز، إلى مستوى فحص الشروط التي تجعل هذا النموذج نفسه غير قابل للتحقق في سياقات معينة.

سادسًا: حدود منطق القطيعة
يمثّل الطرح الذي يدعو إلى “الرحيل” الكامل عن البنية السياسية القائمة، وإحلال صيغة انتقالية مستقلة عنها، أحد أكثر أشكال النقد راديكالية في النقاش الفلسطيني الراهن. غير أن إشكاليته لا تكمن فقط في حدّته، بل في الافتراض المعرفي الذي ينطلق منه، والقائل بإمكانية استبدال البنى السياسية كما تُستبدل الأنظمة بعد انهيارها.
يقوم هذا الطرح على فرضية تبدو بديهية: أن الفاعلين المستفيدين من البنية القائمة لن يشاركوا في تفكيكها، وأن التغيير لذلك يفترض القطيعة الكاملة معها.
تبدو هذه الفرضية وجيهة ظاهريا، لكنها تختزل البنية السياسية في إرادة الفاعلين داخلها. كما تتجاهل أن هذه البنية ليست ملكًا لهم بالكامل، بل هي شبكة أوسع من العلاقات والتنظيمات والشرعيات التي تتجاوزهم.
فالتاريخ لا يتحرك فقط بما يريده الفاعلون، بل أيضا بما تفرضه حدود البنية التي يعملون داخلها. ولهذا، فإن التحول لا يحدث لأن النخب قررت الإصلاح، ولا لأن بديلا قرر الإزاحة، بل لأن المجال السياسي نفسه يعيد توزيع إمكانات الفعل داخله بطريقة تجعل الاستمرار بالشكل القديم غير ممكن، دون أن يعني ذلك إمكانية الخروج الكامل منه.
ومن هنا، لا يكون السؤال: لماذا لا يفكك المستفيدون البنية؟ بل: كيف تتغير البنية نفسها بطريقة تعيد تشكيل مواقع هؤلاء المستفيدين وحدود فعلهم؟
بهذا المعنى، لا يكمن الخلل في نقد البنية القائمة، بل في تحويل هذا النقد إلى تصور يفترض أن التغيير يحدث عبر الإلغاء لا عبر إعادة التشكيل، وعبر القطيعة اللحظية لا عبر التحول التاريخي.

سابعًا: لماذا لا يكفي منطق “الرحيل”؟
إذا كانت فرضية “الرحيل” تقوم على إمكانية الفصل بين البنية والفاعلين، فإن اختبارها في الحالة الفلسطينية يكشف حدودها البنيوية. فالمشكلة لا تتعلق فقط بوجود نخب مستفيدة، بل بطبيعة المجال السياسي نفسه، الذي لا يعمل بوصفه كيانا مغلقا يمكن مغادرته أو استبداله، بل بوصفه بنية مفتوحة ومقيدة في آن واحد داخل سياق استعماري استيطاني مستمر.
في هذا السياق، تتداخل ثلاثة مستويات تجعل القطيعة الكاملة افتراضا نظريا أكثر منه إمكانية واقعية: غياب السيادة، وتعدد الجغرافيا السياسية والاجتماعية، واستمرار بنية استعمارية فاعلة في تشكيل المجال السياسي نفسه.
ويمكن ملاحظة ذلك في أن أي محاولة “للخروج” من البنية القائمة تبقى، موضوعيا، مشروطة بها: في التمويل، وفي الحركة، وفي التمثيل، وفي شروط التنظيم والعمل. وهذا يعني أن البديل المفترض لا ينشأ خارج البنية، بل داخلها وبشروطها، حتى حين يعلن القطيعة معها.
ويظهر ذلك بشكل ملموس في محاولات بناء أطر تمثيلية أو تنظيمية خارج الإطار الرسمي، سواء في الضفة الغربية أو في الشتات. فعلى الرغم من الطابع المستقل الذي تعلنه هذه المبادرات، فإن قدرتها على العمل تبقى مرتبطة بشبكة القيود ذاتها: تصاريح الحركة، قيود التمويل، الاعتراف الدولي، وعلاقة المجال السياسي بالبنية الاستعمارية. وحتى حين تتشكل هذه الأطر خارج مؤسسات السلطة، فإنها تظل مضطرة للتعامل مع الوقائع التي أنتجتها تلك المؤسسات، سواء في البنية الإدارية، أو في تعريف التمثيل، أو في شروط الفعل السياسي اليومية.
أما في قطاع غزة، فتظهر المفارقة بشكل مختلف: إذ يبدو للوهلة الأولى أن هناك “خروجا” عن البنية السياسية المرتبطة بالسلطة، غير أن هذا الخروج لم يؤدِّ إلى فضاء مستقل، بل إلى إعادة تشكل بنية حكم أخرى داخل شروط الحصار والسيطرة الخارجية. أي أن القطيعة لم تُنتج خارجا، بل أعادت إنتاج الداخل بصيغة مختلفة.
ومن هنا، فإن منطق “الرحيل” لا يواجه فقط مقاومة النخب، بل يصطدم بحدود المجال السياسي ذاته، الذي لا يسمح بفصل حاد بين “داخل” و“خارج”، ولا بإعادة تأسيس كاملة من نقطة صفرية غير موجودة تاريخيا.
لذلك، لا يصبح السؤال: كيف نغادر البنية السياسية القائمة؟ بل: كيف يُعاد إنتاج التغيير داخل شروط لا تسمح بالانفصال الكامل عنها، ولا بالإبقاء عليها في صورتها الراهنة؟

ثامنًا: منطق التحول: بديل عن القطيعة لا تبرير للاستمرار
إذا لم يكن التاريخ يُدار بمنطق الهدم والبدء من الصفر، فإن السؤال يتغير.
يصبح السؤال: كيف تتغير البنى السياسية حين تفقد احتكارها للوظيفة التي قامت عليها؟
إذا كان منطق “الرحيل” يفترض أن التغيير يحدث عبر القطيعة مع البنية القائمة، فإن منطق التحول ينطلق من فرضية مغايرة.
التغيير لا يحدث خارج البنية، بل عبر إعادة تشكيلها من الداخل. ويتم ذلك من خلال تفكيك احتكارها للفعل السياسي تدريجيا.
لا يعني ذلك الدفاع عن استمرار البنى القائمة أو تبرير أزماتها، بل نقل سؤال التغيير من “كيف نلغي ما هو قائم؟” إلى “كيف نفقده قدرته على احتكار المجال السياسي؟”. فالبنية لا تُزال بقرار، لكنها تفقد مركزيتها حين تتعدد مراكز الفعل خارجها وداخلها في آن واحد.
بهذا المعنى، لا يكون التحول بديلا مخففا عن القطيعة، بل مسارا مختلفا جذريا عنها. فهو لا يفترض وجود نقطة بداية جديدة، بل يعمل داخل التراكم القائم لإعادة توزيع الوظائف والمعنى والشرعية، بحيث لا يبقى أي فاعل قادرا على احتكار التمثيل أو تعريف السياسة بشكل أحادي.
ويظهر هذا المنطق في إمكانات قائمة بالفعل داخل الواقع الفلسطيني، وإن كانت مجزأة وغير مكتملة: في الحقول النقابية والطلابية، وفي المبادرات المجتمعية المحلية، وفي شبكات الفعل في الشتات، حيث تتشكل أشكال من التنظيم والعمل لا تمر بالضرورة عبر القنوات السياسية الرسمية، لكنها تؤثر في المجال السياسي وتعيد تعريف حدوده تدريجيا.
لا تقوم هذه المسارات على إعلان القطيعة، بل على ممارسة الفعل خارج الاحتكار، بما يؤدي مع الوقت إلى إعادة تشكيل مركز الثقل داخل المجال السياسي نفسه. وعند هذه النقطة، لا يعود التغيير مرتبطا بإزاحة فاعل واستبداله بآخر، بل بإعادة تعريف شروط الفعل التي يعمل ضمنها الجميع.
ومن هنا، لا يُفهم “الانتقال السياسي” بوصفه لحظة انتقال من نظام إلى آخر، بل بوصفه عملية ممتدة لإعادة توزيع الفعل داخل بنية غير مكتملة أصلا، حيث يحدث التغيير عبر التراكم والتحول وليس عبر الإلغاء والاستبدال.
وبذلك، لا يكون السؤال: متى نغادر البنية؟ بل: متى تفقد هذه البنية قدرتها على أن تكون الإطار الوحيد الممكن للسياسة؟
بهذا المعنى، لا يكون الانتقال خروجا من التاريخ، بل دخولا أعمق فيه.

تاسعا: إعادة إنتاج الشرعية: من التمثيل المغلق إلى الفعل المفتوح
أحد أعقد الإشكالات في الحالة الفلسطينية لا يتعلق فقط بتآكل البنى السياسية، بل بطريقة إنتاج الشرعية نفسها. فالشرعية التي تأسست تاريخيا بوصفها شرعية نضالية تحررية، تحولت تدريجيا إلى شرعية تمثيلية - إدارية تُعاد إنتاجها داخل مؤسسات مغلقة، لا داخل الفعل الاجتماعي المباشر.
هذا التحول يعني أن الشرعية لم تعد تُنتَج من الخارج إلى الداخل (من المجتمع إلى التنظيم)، بل باتت تُدار من الداخل إلى الخارج (من المؤسسة إلى المجتمع). وهنا يحدث الانقلاب الأساسي: يصبح الاعتراف السياسي وظيفة للبنية، لا تعبيرا عن حركة اجتماعية حية. لكن هذا لا يعني أن الشرعية “انتهت”، بل يعني أنها انفصلت عن مصدرها الأول.
ومن هنا، فإن أي تصور لإعادة إنتاج السياسة لا يمكن أن يبدأ من تغيير الأسماء أو الهياكل، بل من إعادة فتح مصادر إنتاج الشرعية نفسها، بحيث لا تبقى حكرا على المركز السياسي، بل تعود إلى الحقول الاجتماعية المختلفة: الجامعات، النقابات، الأحزاب، الفضاءات المحلية، وشبكات الشتات.

عاشرا : إعادة إدخال المجتمع إلى السياسة
لا تقتصر إشكالية الحالة الفلسطينية على طبيعة الحكم أو البنية السياسية، بل تمتد إلى موقع المجتمع نفسه داخل المجال السياسي. فقد جرى تدريجيا تقليص دور المجتمع من كونه فاعلا مباشرا في إنتاج السياسة إلى كونه متلقيا لها، عبر حصر الفعل السياسي داخل قنوات مؤسسية محددة.
ويمكن ملاحظة ذلك في تراجع أشكال الفعل الجماعي غير المؤطر سياسيا، مقابل توسع الأطر الرسمية التي تحتكر تعريف “السياسة” وتمثيلها.
غير أن هذا التحول لا يعني اختفاء المجتمع من المجال السياسي، بل إعادة تنظيم حضوره بحيث يصبح أكثر تهميشا في إنتاج القرار وأكثر ارتباطا بتنفيذه أو التفاعل معه.
لذلك، فإن إعادة التفكير في السياسة لا تتعلق فقط بالبنية أو الشرعية، بل أيضا بإعادة تعريف موقع المجتمع داخلها، بحيث لا يُختزل في كونه قاعدة دعم أو جمهورا سياسيا، بل يُفهم بوصفه المصدر الرئيسي لإنتاج الفعل السياسي نفسه.
ومن هنا، يصبح السؤال أقل ارتباطا بإعادة بناء السلطة، وأكثر ارتباطا بكيفية إعادة توسيع المجال السياسي نفسه ليشمل الفعل الاجتماعي المباشر بدل احتكاره داخل المؤسسات الرسمية.

حادي عشر: من السياسة بوصفها إدارة إلى السياسة بوصفها إنتاجا
لا يتعلق التحول الجوهري المطلوب فقط بإعادة توزيع الأدوار بين الفاعلين السياسيين، بل بإعادة تعريف معنى السياسة نفسه داخل السياق الفلسطيني.
في الحالة القائمة، تميل السياسة إلى التحول إلى شكل إداري أكثر من كونها فعلا إنتاجيا، حيث تتركز في إدارة السكان والموارد والتمويل والأمن والتوازنات القائمة، بدل إنتاج إمكانات جديدة للفعل أو إعادة تشكيل المجال العام.
يتجلى ذلك في توسع الوظائف الإدارية للمؤسسات السياسية على حساب قدرتها على توليد مساحات جديدة للفعل الاجتماعي. في المقابل، تُفهم السياسة في معناها التأسيسي بوصفها قدرة على إنتاج التحول داخل الواقع، وليس مجرد تنظيمه أو ضبطه.
ومن هنا يظهر الفرق بين بنية تُدار من داخل شروطها القائمة، وبنية قادرة على إعادة فتح هذه الشروط أو إعادة تشكيلها تدريجيا.

ثاني عشر: السياسة خارج وهم “الرحيل”

في نهاية هذا النقاش، لا يعود “الرحيل” خطأ في التقدير، بل وهما نظريا يُعيد إنتاج عجزه كلما ادّعى القطيعة. فالمشكلة ليست أن البنى السياسية تقاوم الإلغاء، بل أن الإلغاء نفسه لا يجد أرضًا يقف عليها داخل مجال لم يكتمل، ولم يُسمح له أن يستقر أصلا.
ما يُقدَّم بوصفه “قطيعة” لا يفتح تاريخا جديدا، بل يعيد تدوير التاريخ نفسه بلغة أشد حدّة. فالبنية التي يُراد مغادرتها ليست خارج السياسة، بل هي ما يحدد أصلا من يُعرّف السياسة، ومن يرسم حدود الممكن والمستحيل داخلها.
ولهذا لا تُهزم البنى بإسقاطها، بل حين تفقد احتكارها لتعريف السياسة. وعندها فقط لا يعود هناك ما يستحق إعلان نهاية، لأن النهاية تكون قد حدثت فعليا: بصمت، حين تتعدد مراكز الفعل وينكسر المركز الواحد دون إعلان.
عند هذه اللحظة فقط يصبح “الرحيل” بلا موضوع، ليس لأنه مستحيل، بل لأنه دائم التأخر عن واقع يزعم تغييره. وما يبدو تحررا من البنية لا يتجاوز إعادة إنتاجها، لكن بصيغة مختلفة ونتائج مألوفة.
التحول لا يحدث عبر الاستبدال أو الإسقاط، بل حين تفقد البنية حق تعريف السياسة نفسها. عندها لا تعود مركزا، بل عنصرا داخل مجال متعدد ومتنازع عليه.
ليس المطلوب مغادرة التاريخ، بل كسر احتكار معناه: من يعرّف السياسة، من ينتج الشرعية، ومن يحدد شكل الفعل الممكن. وما لم تُكسر هذه الاحتكارات، فإن كل “قطيعة” ليست سوى إعادة ترتيب للقيود ذاتها بأسماء جديدة.
بهذا المعنى، لا يُقاس التحول بما يُهدم، بل بما يفقد صلاحيته كشرط وحيد للتفكير والفعل. وعندما تتعدد مراكز إنتاج السياسة، يسقط المركز الواحد دون ضجيج، ويصبح “الانتقال” واقعا جاريا لا وعدا مؤجلا.
وما عدا ذلك، ليس تحولا، بل استمرار يتقن تغيير لغته. التحول يبدأ فعليا من حيث تتسع مساحات الفعل الاجتماعي المستقل عن الاحتكار السياسي، بحيث تعود النقابات والجامعات والروابط المحلية والشتات إلى إنتاج السياسة لا مجرد التفاعل معها.

تعليقات

1.يحيى بركات

العزيزه د. غانية…
أقرأ نصّك… كمن يدخل غرفة مليئة بالمرايا.
لا شيء فيها مكسور…
لكن كل زاوية تكشف ما كنّا نتجنّب النظر إليه.
أنتِ لا تناقشين فتح فقط…
ولا السلطة…
ولا حتى منظمة التحرير…
أنتِ تضعيننا أمام سؤال أعمق بكثير:
كيف يتغيّر التاريخ السياسي؟
هل نهدم… ونبدأ من جديد؟
أم نتحوّل… من داخل ما نظن أنه انتهى؟
أهم ما في نصك…
أنكِ لا تكتفين بوصف الأزمة…
بل تفككين طريقة تفكيرنا فيها.
كثيرون يميلون إلى فكرة القطيعة…
كأن ما تعفّن يجب أن يُزال…
وأن ما فشل يجب أن يُستبدل.
لكن نصك يقول بهدوء:
التاريخ ليس معمارًا.
وهنا… تتغيّر زاوية الرؤية.
لأن البنى السياسية التي نتحدث عنها…
ليست جدرانًا.
هي ذاكرة… علاقات… شرعيات… خوف… مصالح… تمثيل… لغة… تاريخ كامل.
ولهذا…
هي لا تسقط حين نعلن سقوطها.
توقّفت كثيرًا عند هذه الفكرة:
أن البنية لا تُهزم بإسقاطها…
بل حين تفقد قدرتها على احتكار السياسة.
هذه الجملة… ليست تحليلًا فقط.
هي مفتاح.
لأنها تنقلنا من وهم “الرحيل”…
إلى سؤال: من يملك تعريف السياسة؟
في نصك…
لا تدافعين عن البنية القائمة.
ولا تبرّرين أزماتها.
لكنّكِ ترفضين أيضًا اختزال الحل في القطيعة.
وهنا تفتحين المساحة الأصعب:
التحوّل.
تحوّل… لا يحدث بقرار.
ولا بإعلان.
بل بتعدّد مراكز الفعل…
في النقابات…
في الجامعات…
في الشارع…
في الشتات…
في كل مساحة تُعيد إنتاج السياسة خارج الاحتكار.
وأنا أقرأ…
عدتُ إلى سؤال يشغلني منذ فترة:
هل يمكن إعادة بناء الحامل السياسي الفلسطيني—منظمة التحرير—
بوجود البنى الحالية… أم خارجها؟
نصك لا يعطي إجابة جاهزة…
لكنه يضع حدود التفكير:
لا يوجد “خارج” كامل…
ولا بداية من الصفر.
كل محاولة للبدء من جديد…
تبدأ من داخل ما هو قائم… حتى وهي تعلن القطيعة معه.
هنا… ألتقي معك.
وأدفع الفكرة خطوة أخرى إلى الأمام.
إعادة بناء منظمة التحرير—بوصفها الحامل السياسي—
لم تعد خيارًا… بل ضرورة.
لكن هذه الضرورة…
لا تتحقق فقط بفقدان البنية احتكارها تدريجيًا…
بل تحتاج أيضًا إلى فعل واعٍ
يعيد فتح سؤال التمثيل:
من يمثل الشعب؟
ومن يملك حق تحويل الفعل… إلى قرار؟
نصك يقول:
التغيير يحدث حين تتعدد مراكز الفعل.
وأضيف:
وحين تلتقي هذه المراكز… في حامل سياسي يعيد توحيد المعنى.
لأن التعدد… دون إطار جامع…
قد يكسر الاحتكار…
لكنه لا ينتج مشروعًا.
ما فعلته في هذا المقال…
أنكِ نقلتِ النقاش من السطح… إلى العمق.
من سؤال: من يفشل؟
إلى سؤال: كيف يتغيّر ما نفهمه عن السياسة أصلًا؟
وهذا… في تقديري… هو الأهم.
لأننا—في لحظة كهذه—
لا نحتاج فقط إلى مواقف حادة…
ولا إلى قطيعة سريعة…
بل إلى فهم أعمق… لما يحدث… وكيف يمكن أن يتغيّر.
أقرأ نصك…
ولا أخرج بإجابة مريحة.
وهذا بالضبط… ما يجعله مهمًا.
لأن السياسة…
حين تعطينا إجابات جاهزة… تتوقف.
وحين تعيد فتح السؤال… تبدأ.
يحيى بركات


================



1.غانية ملحيس

يحيى العزيز
قرأتُ كلماتك بكثير من الامتنان والتأمل. ما يلفتني في قراءاتك لمقالاتي هو قدرتك على دفع التفكير إلى حدوده القصوى، والتقاط المساحة التي أتعمد تركها مفتوحة: مساحة السؤال.
أوافقك أن الإشكال لا يكمن في البنى السياسية بوصفها هياكل قابلة للهدم أو الاستبدال، بل في كونها تشكّلت كطبقات متراكمة من المعنى والشرعية والمصالح، بحيث يصبح التعامل معها فعل تفكيك وإعادة تركيب، لا مجرد إعلان قطيعة. وربما هنا تحديدًا تكمن صعوبة اللحظة التي نعيشها.
إضافتك حول ضرورة التقاء تعدد مراكز الفعل ضمن حامل سياسي جامع بالغة الأهمية. فالتعدد، كما أشرت، قد ينجح في كسر الاحتكار، لكنه لا يكفي لإنتاج مشروع سياسي ما لم يتحول إلى صيغة تمثيلية قادرة على حمل هذا التعدد دون اختزاله. وهذا يعيدنا إلى السؤال الجوهري: كيف يمكن بناء تمثيل لا يعيد إنتاج الإقصاء الذي أسهم في الوصول إلى ما آل إليه واقعنا؟
ما أحاول التفكير فيه، وربما لم يُحسم بعد، هو أن أي إعادة بناء لمنظمة التحرير لن تكون ممكنة إلا إذا جاءت كنتيجة لمسار تغيّر فعلي في موازين الفعل السياسي، لا كخطوة تسبق هذا التغيّر. بمعنى أن “الحامل” لا يُصنع بقرار، بل يتكوّن حين تفرضه ديناميات الواقع.
أقدّر عاليا دفعك للنقاش خطوة أبعد، خصوصا في طرحك لمسألة تحويل الفعل إلى قرار، فهي الحلقة التي كثيرا ما تضيع بين الحراك والتأثير. وربما يكون التحدي الأكبر أمامنا هو التفكير في أشكال جديدة لهذه العلاقة، دون الوقوع في إعادة إنتاج المركز الواحد بصيغة مختلفة.
سعيدة بأن المقال فتح هذا النوع من الحوار الضروري الذي تثيره الأسئلة المؤرقة، لأنه، كما قلت، حين تعود السياسة إلى الأسئلة، تستعيد شيئا من حيويتها.
غانية ملحيس


===============



. 2يحيى بركات

العزيزه د. غانية…
حين يتحوّل الحوار إلى امتداد للنص
أقرأ تعليقك…
كامتداد للمقال… لا كتعقيب عليه.
وهذا بحد ذاته… نادر.
لأن ما يحدث عادة…
أن يُغلق النص… ثم تأتي التعليقات لتؤكد أو تعترض.
أما هنا…
فالنص بقي مفتوحًا…
والتعليق فتحه أكثر.
تقولين إن البنى ليست قابلة للهدم…
بل طبقات من معنى وشرعية ومصالح…
وهذا يعيد تثبيت ما حاولتِ تفكيكه منذ البداية:
أننا لا نتعامل مع جدران… بل مع تاريخ حيّ.
لكن ما توقفتُ عنده أكثر…
هو هذه الجملة:
أن “الحامل لا يُصنع بقرار… بل يتكوّن حين تفرضه ديناميات الواقع”.
هنا تحديدًا…
نقترب من النقطة الأكثر حساسية.
لأن هذا الفهم…
يحمي التفكير من وهم القفز…
لكنه يضعنا أمام سؤال أصعب:
هل ننتظر تشكّل الحامل…
أم نعمل على خلق شروطه؟
أنا لا أرى أن الحامل يمكن أن يُفرض بقرار…
لكنني أيضًا لا أراه نتيجة تلقائية بالكامل.
هناك لحظة…
بين التشكّل والقرار…
بين الواقع… والإرادة.
لحظة…
يصبح فيها الفعل الواعي…
جزءًا من إعادة تشكيل هذه الديناميات نفسها.
وهنا… أعود إلى ما اتفقنا عليه:
أن تعدد مراكز الفعل…
يكسر الاحتكار…
لكنه لا ينتج مشروعًا.
وأن المشروع…
يحتاج إلى صيغة تمثيل…
لكن تمثيلًا لا يعيد إنتاج المركز الواحد…
ولا يعيد إنتاج الإقصاء.
وهنا تحديدًا… تكمن المعضلة.
كيف نبني حاملًا سياسيًا…
يتّسع لهذا التعدد…
دون أن يبتلعه؟
كيف نُنتج قرارًا…
دون أن نعيد إنتاج مركز يحتكر القرار؟
كيف نحافظ على الفعل حيًا…
وفي الوقت نفسه… نمنحه اتجاهًا؟
هذه الأسئلة…
ليست نظرية فقط.
هي ما سيحدد…
إن كان هذا النقاش سيبقى نصوصًا…
أم يتحوّل إلى مسار.
ما فعلته في ردك…
أنكِ لم تُغلقي السؤال…
بل دقّقته.
وهذا أهم.
لأننا… في لحظة كهذه…
لا نحتاج إلى إجابات سريعة…
بقدر ما نحتاج إلى أسئلة دقيقة…
تحمينا من الوهم…
وتدفعنا نحو الممكن.
وهنا…
أشعر أن الحوار لم يعد بين نصّين…
بل داخل نفس المسار.
مسار…
يحاول أن يعيد تعريف السياسة…
لا كإدارة…
بل كقدرة على إنتاج المعنى… والاتجاه… والقرار.
وهذا…
ربما… البداية الحقيقية.
يحيى بركات



===============


2.غانية ملحيس

يحيى العزيز
ردك على التعليق ليس مجرد متابعة للنص، بل إعادة إدخاله في حقل التفكير نفسه، وهذا ما يجعل الحوار بيننا يتجاوز مستوى “التعقيب” إلى مستوى الاشتباك المفاهيمي.
توقفك عند فكرة أن “الحامل لا يُصنع بقرار، بل يتكوّن حين تفرضه ديناميات الواقع” مهم، لأنه يضعنا فعلا أمام توتر لا يمكن حسمه نظريا بسهولة: بين التكوّن بوصفه مسارا تاريخيًا، وبين الفعل الواعي بوصفه تدخلا في هذا المسار.
أظن أن الإشكال ليس في المفاضلة بين الاثنين، بل في فهم منطقة التداخل بينهما. فالديناميات لا تعمل في فراغ “طبيعي”، بل داخل حقول صراع وإرادة ومعنى. وفي المقابل، الإرادة السياسية لا تبدأ من الصفر، بل تتحرك داخل شروط مُنتَجة مسبقا.
من هنا، السؤال الذي تطرحه ليس فقط: هل ننتظر أم نصنع؟
بل: كيف يمكن للفعل أن يصبح جزءا من شروط التكوّن نفسها، دون أن يتحول إلى ادعاء بالاختزال أو القفز فوق التاريخ؟
وأوافقك أن تعدد مراكز الفعل يفتح المجال ويكسر الاحتكار، لكنه لا يكفي وحده لتأسيس “مشروع”. غير أن المشكلة ليست في التعدد بحد ذاته، بل في غياب الصيغة التي تحول هذا التعدد من توازي متشظ إلى أفق مشترك دون إعادة إنتاج مركز مهيمن.
وهنا بالضبط، تصبح الأسئلة التي ختمت بها جوهر المسألة:
كيف ننتج حاملا سياسيا لا يبتلع التعدد؟
وكيف نمنح القرار شكله دون أن يتحول إلى احتكار جديد؟
وكيف نُبقي الفعل مفتوحا، دون أن نفقد الاتجاه؟
ربما ما نفعله الآن ليس البحث عن إجابة نهائية، بل اختبار حدود المفاهيم نفسها تحت ضغط الواقع، بحيث لا يبقى الفكر تعليقا عليه، بل جزءا من إعادة تشكيله.
وهذا بالضبط ما يجعل هذا الحوار يتجاوز كونه تبادلا في الرأي، إلى محاولة مشتركة للاقتراب من لحظة لم تتشكل بعد.
غانية ملحيس
 
أعلى