غانية ملحيس - من المسار إلى المعمار: نحو إعادة تعريف السياسة

ملخص تنفيذي
ينطلق هذا المقال من فرضية أن النموذج التقليدي للسياسة الحديثة، القائم على انتقال الفكرة إلى تنظيم ثم إلى دولة ضمن مركز قادر على الاحتواء والتمثيل، لم يعد صالحا لتفسير التحولات الراهنة.
وتُظهر الحالة الفلسطينية بصورة مكثفة تفكك هذا النموذج، حيث تتعدد حوامل الفعل السياسي وتتوزع بين مستويات ميدانية ومعرفية ورقمية وشتاتية دون مركز جامع.
أمام هذا الواقع، يقترح المقال مفهوم “المعمار السياسي” بوصفه إطارا تحليليا يصف كيفية انتظام التعدد السياسي دون افتراض وجود مركز يحتكر القرار أو التمثيل. ويشير هذا المفهوم إلى انتقال السياسة من منطق المسار الخطي إلى منطق الفضاء المتعدد المستويات، حيث تتجاور أشكال الفعل السياسي وتتفاعل دون أن تندمج في بنية مركزية واحدة.
وبهذا المعنى، لا يسعى المقال إلى استبدال نموذج التنظيم التقليدي، بل إلى إعادة تعريف شروط فهم السياسة في سياق يتسم بتفكك المركزيات، وتعدد أشكال الفعل، وإعادة تشكل العلاقة بين التمثيل والممارسة.

المقال الكامل

من المسار إلى المعمار: نحو إعادة تعريف السياسة

مقدمة: من أزمة المسار إلى سؤال المعمار
لا تنفصل الإشكالية الفلسطينية الراهنة عن أزمة أعمق في النموذج الذي تُفهم من خلاله السياسة الحديثة نفسها، القائم على تصور خطي يقوم على انتقال الفكرة إلى تنظيم، ثم إلى دولة، ضمن مركز قادر على الاحتواء والتمثيل.
غير أن هذا النموذج يبدو اليوم أقل قدرة على تفسير التحولات الجارية، سواء في الحالة الفلسطينية أو في السياق الإقليمي والعالمي الأوسع.
تُظهر الحالة الفلسطينية بصورة مكثفة تفكك هذا التصور التقليدي، حيث تتعدد حوامل الفعل السياسي وتتوزع بين مستويات ميدانية ومعرفية ورقمية وشتاتية، دون أن تنتظم داخل مركز واحد يحتكر التمثيل أو القرار. وهذا التعدد لا يعني مجرد تنوع في الفاعلين، بل يشير إلى تحول أعمق في بنية الفعل السياسي نفسه.
في هذا السياق، يقترح المقال مفهوم “المعمار السياسي” بوصفه إطارا تحليليا لفهم كيفية انتظام هذا التعدد دون افتراض مركز جامع. فبدل النظر إلى السياسة كمسار خطي ينتهي إلى شكل نهائي، يُعاد تصورها كفضاء متعدد المستويات تتجاور فيه أشكال الفعل وتتشابك دون أن تذوب في بنية مركزية واحدة.
وعليه، لا يسعى هذا المقال إلى استبدال نموذج التنظيم التقليدي أو تقديم بديل تقني له، بل إلى إعادة تعريف شروط التفكير في السياسة نفسها، في سياق يتسم بتفكك المركزيات، وتعدد أنماط الفعل، وإعادة تشكل العلاقة بين التمثيل والممارسة.

أولاً: التفكك الفلسطيني كمدخل لفهم أوسع
تُظهر الحالة الفلسطينية اليوم تفككا مركبا في بنية الفعل السياسي يتجلى في محددات أساسية:
• استعمار استيطاني يعيد تشكيل المجال السياسي من الخارج.
• سلطة سياسية محدودة السيادة ومقيدة بشروط الاحتلال.
• شعب فلسطيني موزع جغرافيا وديموغرافيا على عدة أماكن تتباين سياسيا وإداريا وقانونيا واقتصاديا داخل الوطن المحتل وفي الشتات.
• مجتمع شبكي متسارع التحول خارج الأطر التنظيمية الحزبية والفصائلية التقليدية. وقد ظهر ذلك بوضوح في أشكال التعبئة الرقمية التي رافقت هبة القدس عام 2021، حيث انتشرت المبادرات والتنسيقات الشعبية عبر فضاءات التواصل الاجتماعي، دون أن تنطلق بالضرورة من البنى التنظيمية القائمة.
• تآكل تدريجي في احتكار التمثيل السياسي، فقد باتت قطاعات واسعة من الفلسطينيين في الشتات، والفضاء الرقمي تمارس أشكالا من الفعل والتعبير السياسي خارج الأطر التمثيلية التقليدية، بما يجعل العلاقة بين التمثيل والمشاركة أكثر تعقيدا من النموذج الكلاسيكي.
هذا التداخل أنتج وضعا لم يعد يسمح بوجود مركز سياسي واحد قادر على احتواء الفعل، أو توجيهه، أو تمثيله بشكل شامل. وبالتالي، فإن المفاهيم التقليدية مثل “الحامل التنظيمي” أو “المسار السياسي” التي تفترض مسبقا وجود وحدة مركزية لم تعد موجودة فعليا، فالحامل يفترض مركزا مستقرا، والمسار يفترض خطية تاريخية، بينما الواقع يقوم على التعدد، والتشظي، وتزامن مستويات مختلفة من الفعل.
من هنا تظهر الحاجة إلى مفهوم بديل: "المعمار السياسي".

ثانياً: من المسار إلى المعمار السياسي
يقترح هذا المقال مفهوم “المعمار السياسي” بوصفه إطارا تحليليا لفهم أنماط انتظام الفعل السياسي في سياقات لم تعد تُدار عبر مركز احتكاري وحيد، ولا تخضع لمنطق المسار الخطي. فبدل تصور السياسة كخط مستقيم ذي نقطة بداية ونهاية واضحة، يفترض هذا المفهوم أن المجال السياسي يتشكل كفضاء متعدد المستويات، تتداخل داخله حوامل فعل مختلفة، وتنتج علاقات مستمرة فيما بينها دون أن تُختزل في بنية هرمية واحدة.
ويُعرّف المعمار السياسي بدقة على أنه: نمط انتظام سياسي غير مركزي، تتفاعل داخله حوامل متعددة للفعل السياسي عبر مستويات متباينة، وتنتج قدرا من التماسك النسبي دون وجود مركز احتكاري للقرار أو التمثيل أو إنتاج المعنى السياسي. وهو بنية علاقاتية تُنظم هذه التعددية وتمنحها قابلية للاستمرار والتفاعل. ومع ذلك، فإن هذا الانتظام لا يتجلى بصورة واحدة، بل يأخذ أشكالا تحليلية مختلفة.
ولا يُستخدم هذا المفهوم إلا عند تحقق مجموعة من الشروط التحليلية وأهمها:
أ. تعدد حوامل الفعل السياسي واستقلاليتها النسبية:
وجود فاعلين متمايزين في مواقع مختلفة (ميدانية، مؤسساتية، معرفية، رقمية، وشتاتية)، لا يقبل أي منها الاختزال الكامل في الآخر.
ب. غياب المركز الاحتكاري الشامل:
عدم وجود جهة واحدة قادرة على احتواء المجال السياسي ككل، أو احتكار تمثيله بصورة كلية ومستقرة.
ج. وجود علاقات أفقية وتفاعلية بين الحوامل:
تشكّل العلاقات عبر التنسيق أو التوازي أو التنافس، دون خضوعها لسلسلة قيادة هرمية واحدة.
د. إنتاج تماسك غير مركزي:
ألا ينتهي التعدد إلى تفكك كامل، بل ينتج حداً أدنى من الانتظام العام يتشكل من تفاعل الحوامل المختلفة.
وبهذا المعنى، يختلف المعمار السياسي عن “التنظيم” الذي يفترض وحدة قرار وهرمية قيادة، كما يختلف عن “الشبكة” التي تركز على الترابط بين الفاعلين دون تحليل مستويات إنتاج الفعل.

ثالثا: ديناميات المعمار السياسي: كيف ينتج الانتظام دون مركز؟
إذا كان التنظيم السياسي التقليدي ينتج تماسكه عبر مركز يحتكر القرار والتمثيل والتوجيه، فإن المعمار السياسي يعمل وفق منطق مختلف. فهو لا يفترض وجود سلطة مركزية قادرة على دمج جميع الحوامل داخل بنية واحدة، بل يقوم على تفاعل مستمر بين حوامل متعددة للفعل السياسي تحتفظ باستقلاليتها النسبية، وتنتج من خلال هذا التفاعل قدرا من الانتظام العام.
وفي هذا السياق، لا ينشأ التماسك السياسي بوصفه نتيجة لقرار صادر عن مركز أعلى، بل بوصفه تماسكا ناشئا يتولد من تراكم التفاعلات المتبادلة بين الحوامل المختلفة.
فالفعل الميداني، والإنتاج المعرفي، والتعبئة الرقمية، والعمل القانوني، والحضور الشتاتي، لا تتحرك بالضرورة وفق خطة مركزية واحدة، لكنها تؤثر في بعضها بعضا بصورة مستمرة، بما يؤدي إلى إنتاج اتجاهات عامة مشتركة، رغم غياب القيادة المركزية.
كما لا يفترض المعمار السياسي وحدة تنظيمية كاملة بين هذه الحوامل، بل يقوم على الترابط الوظيفي بينها. فالعلاقة لا تُبنى على الاندماج داخل مؤسسة واحدة، وإنما على قدرة الحوامل المختلفة على التأثير المتبادل وتبادل الموارد والخبرات والمعاني السياسية.
وبذلك يصبح معيار التماسك هو قابلية التفاعل والاستجابة المتبادلة، وليس وحدة البنية التنظيمية، أو خضوع الجميع لسلسلة قيادة واحدة.
غير أن غياب المركز لا يعني غياب المرجعية. فالمعمار السياسي لا ينتظم حول مركز احتكاري، لكنه يحتاج إلى ما يمكن تسميته بالعُقد المرجعية المشتركة، أي مجموعة من المبادئ، أو الغايات، أو القضايا المؤسسة التي تشكل أفقا عاما للفعل السياسي. ولا تعمل هذه العقد بوصفها سلطة فوقية تفرض الانضباط، بل بوصفها نقاط ارتكاز تسمح للحوامل المختلفة بالحفاظ على قدر من التوافق الاستراتيجي رغم اختلاف مواقعها وأدواتها وأولوياتها.
وفي الحالة الفلسطينية يمكن أن تتمثل هذه العقد في مرجعيات كبرى مثل التحرر الوطني، وإنهاء الاستعمار، وحق العودة، وتقرير المصير.
وبهذا المعنى، لا ينتج المعمار السياسي وحدته عبر إلغاء التعدد أو احتوائه داخل مركز واحد، بل عبر تنظيم العلاقة بين التعدد والوحدة نفسها. فكلما ازدادت قدرة الحوامل المختلفة على التفاعل حول عقد مرجعية مشتركة، ازداد تماسك المعمار السياسي وقدرته على الاستمرار.
أما عندما تنقطع هذه الروابط أو تفقد المرجعيات المشتركة قدرتها على الجمع بين الحوامل المختلفة، فإن المعمار يتحول إلى مجرد تشظ لا ينتج انتظاما سياسيا مستقرا.
ومن هنا فإن السؤال المركزي في المعمار السياسي لا يصبح: من يقود؟ بل: كيف يُنتَج التماسك؟
ولا يعود جوهر السياسة هو احتكار القرار داخل مركز واحد، بل القدرة على بناء أنماط مستدامة من التنسيق والتفاعل بين حوامل متعددة للفعل السياسي داخل الفضاء المشترك.

رابعا: أنماط المعمار السياسي
رغم أن مفهوم “المعمار السياسي” يُقدَّم بوصفه إطارا عاما لانتظام الفعل السياسي في سياقات ما بعد المركز، إلا أن هذا الانتظام لا يأخذ شكلا واحدا متجانسا، بل يتجسد عبر أنماط مختلفة من “المعمار” تختلف وفق درجة تماسك الحوامل، وطبيعة العلاقات بينها، ومستوى استقرار المرجعيات المشتركة. ويمكن تمييز ثلاثة أنماط تحليلية رئيسية:
أ. المعمار المتماسك التفاعلي
وفيه تكون الحوامل السياسية متعددة، لكنها تمتلك درجة عالية من التوافق حول مرجعيات مشتركة واضحة، بما يسمح بإنتاج تماسك مستقر نسبيا رغم غياب المركز. في هذا النمط، يعمل التعدد كقوة تنظيمية لا كعامل تفكك، وتكون العلاقات بين الحوامل أقرب إلى التكامل الوظيفي منها إلى التنافس البنيوي.
ب. المعمار المتنازع
وفيه تتعدد الحوامل مع وجود تقاطع جزئي في المرجعيات، لكن مع مستويات مرتفعة من التنافس على التمثيل والشرعية وتحديد الاتجاه العام للفعل السياسي. هنا لا يغيب التماسك بالكامل، لكنه يصبح متوترا ومفتوحا على إعادة التشكل المستمر، حيث تتعايش آليات التنسيق مع آليات الصراع داخل نفس الفضاء السياسي.
ج. المعمار المتشظي
وفيه تنهار أو تضعف بشكل كبير المرجعيات المشتركة، وتفقد الحوامل قدرتها على إنتاج علاقات مستدامة من التفاعل، ما يؤدي إلى انقطاع الروابط البينية وتحول الفضاء السياسي إلى تعدد غير منتظم لا ينتج تماسكا قابلا للاستمرار.
ولا تمثل هذه الأنماط مراحل تطورية خطية بالضرورة، ولا تتحرك من نموذج “متقدم” إلى “متأخر”، بل هي أشكال تحليلية يمكن أن تتعايش أو تتناوب داخل السياق الواحد، وفق تغير توازنات الفعل السياسي وتبدل أوزان الحوامل داخله، بما يعيد تشكيل درجة التماسك أو التفكك في لحظة تاريخية

خامسا: التقاطعات النظرية
لا ينطلق مفهوم “المعمار السياسي” من فراغ نظري، بل يتقاطع مع عدد من المقاربات التي سعت إلى فهم تحولات السياسة خارج النموذج المركزي التقليدي، مثل نظريات الشبكات، والحوكمة متعددة المستويات، والمجال العمومي العابر للحدود، والمجتمعات الشبكية. غير أن هذه المقاربات ركزت غالبا على جوانب محددة من الظاهرة؛ فبعضها اهتم بأنماط الترابط بين الفاعلين، وبعضها ركز على توزيع السلطة بين مستويات مختلفة من الحكم، فيما انشغل بعضها الآخر بتحولات الاتصال والمجال العام.
ولا يهدف مفهوم “المعمار السياسي” إلى استبدال هذه المقاربات، بل إلى معالجة سؤال مختلف عنها. فبينما تفسر نظريات الشبكات أنماط الاتصال والترابط بين الفاعلين، وتركز الحوكمة متعددة المستويات على توزيع السلطة داخل أنظمة سياسية قائمة، وتنشغل نظريات الحقول بالصراع على المواقع والشرعية داخل مجالات اجتماعية محددة، يركز المعمار السياسي على تفسير الكيفية التي يُنتَج بها التماسك السياسي ذاته في سياقات يتعذر فيها افتراض وجود مركز يحتكر التمثيل أو التنظيم أو إنتاج المعنى السياسي. ومن ثم فإن موضوعه ليس العلاقات بين الفاعلين فحسب، ولا توزيع السلطة بينهم، بل شروط انتظام الفعل السياسي واستمراره عندما يصبح التعدد هو القاعدة والمركز هو الاستثناء.
أما مفهوم “المعمار السياسي” فيسعى إلى تناول هذه العناصر ضمن إطار واحد، ليس بوصفها شبكات اتصال أو ترتيبات حكم فحسب، بل بوصفها نمطا لانتظام الفعل السياسي نفسه عندما يفقد المركز قدرته على احتكار التمثيل والتنظيم وإنتاج المعنى.
ومن المهم التأكيد أن المعمار السياسي لا يفترض تعددا في الغايات السياسية النهائية، إذ تبقى الغاية الوطنية الجامعة (التحرير والعودة وتقرير المصير) إطارا مرجعيا مشتركا، وإنما يتعلق التعدد هنا بمستوى أدوات الفعل ومواقع إنتاجه

سادساً: من الحالة الفلسطينية إلى حدود السياسة الحديثة
لا تُقرأ فلسطين هنا بوصفها نموذجا مصغرا للعالم، ولا بوصفها حالة يمكن تعميم شروطها التاريخية على سياقات أخرى. فالتشظي الفلسطيني يرتبط ببنية استعمارية استيطانية أعادت تشكيل المجال السياسي الفلسطيني عبر التفكيك والإقصاء والتجزئة الجغرافية والديموغرافية والقانونية، وهي شروط لا يمكن اختزالها في التحولات التي تشهدها المراكز السياسية المعاصرة.
لذلك لا تقوم العلاقة بين الحالة الفلسطينية والتحولات العالمية على منطق القياس المباشر أو التشابه السببي، بل على ما يمكن تسميته بالتشابه البنيوي غير المتجانس.
فكل حالة تنشأ من شروط تاريخية مختلفة، وتتحرك ضمن سياقات سياسية واجتماعية متباينة، إلا أنها تكشف بدرجات مختلفة حدود افتراض نظري واحد ظل حاكما لفهم السياسة الحديثة، وهو افتراض أن المجال السياسي لا ينتظم إلا عبر مركز قادر على احتواء التعدد وتمثيله وتوجيهه.
ومن هذه الزاوية تكتسب الحالة الفلسطينية أهميتها النظرية، فالقيمة التفسيرية لفلسطين تكمن في كونها حالة كاشفة لحدود الفرضية المؤسسة للسياسة الحديثة. أي افتراض أن الانتظام السياسي لا يتحقق إلا عبر مركز قادر على الاحتواء والتمثيل.
فما يظهر في فلسطين هو تشكّل فعل سياسي مستمر داخل فضاء مفكك ومجزأ، ما يجعلها تكشف بصورة مكثفة حدود هذا الافتراض أكثر مما تعيد إنتاجه.
وعليه، لا يتعلق السؤال بمدى تشابه العالم مع فلسطين، بل بمدى استمرار صلاحية النموذج الذي اشترط المركز بوصفه شرطا وحيدا للانتظام السياسي.

سابعاً: تحولات المركز وإعادة تشكيل الانتظام السياسي
لا يمكن فهم تفكك المركزيات المعاصرة بوصفه مسارا خطيا أو متجانسا، إذ تتباين أشكال التحول باختلاف طبيعة الأنظمة وسياقاتها التاريخية.
غير أن ما يميز اللحظة الراهنة هو اهتزاز الفرضية المؤسسة للحداثة السياسية، القائلة بإمكانية الفصل بين الداخل السياسي والخارج الإمبراطوري، وهو فصل لم تعد الحروب والعولمة والصراعات المعاصرة تسمح باستمراره، كما كشفت عنه بوضوح حرب الإبادة في غزة.
وعلى هذا الأساس، يمكن رصد هذا التحول على مستويين مترابطين:
المستوى الدولي، حيث تتراجع الأحادية القطبية لصالح تعددية نسبية في مراكز القوة،
والمستوى الإقليمي، حيث تتزايد أدوار القوى الإقليمية والفاعلين غير الدولتيين في إنتاج الوقائع السياسية والأمنية.
لكن الأهم ليس تعدد المراكز بحد ذاته، بل تراجع قدرة أي مركز منفرد على احتكار إنتاج النظام السياسي.
ولا تقتصر أهمية هذه التحولات على إعادة توزيع القوة بين فاعلين متعددين، بل تمتد إلى المستوى النظري الذي تُفهم من خلاله السياسة ذاتها. فإذا كان التصور الحديث للسياسة قد افترض أن الانتظام السياسي لا يتحقق إلا عبر مركز قادر على احتواء التعدد وتمثيله وتوجيهه، فإن بروز أنماط من التماسك السياسي تعمل خارج هذا الشرط يضع هذا الافتراض موضع مساءلة. فالمسألة لم تعد تتعلق بتراجع مركز وصعود مراكز أخرى، بل بإمكانية إنتاج الانتظام السياسي نفسه عبر تفاعلات متعددة لا تختزل في مركز واحد.

ثامناً: من التنظيم إلى المعمار: إعادة تعريف الفكرة والسياسة
في ظل هذا المشهد المركب - فلسطينيا وإقليميا ودوليا - يتجاوز مفهوم "المعمار السياسي" كونه مجرد أداة وصفية، ليصبح استجابة نظرية لعالم لم يعد يحتمل النموذج الهرمي الأوحد.
إن "المعمار" ليس بنية مغلقة، بل هو هندسة علاقات مرنة وظيفيتها الأساسية: تنظيم التعدد دون سحقه، وإنتاج وحدة سياسية غير مركزية تدير التناقضات بدل حلها بالقوة.
بناءً على هذا المنظور، يقودنا الانتقال من منطق "المسار" إلى منطق "المعمار" إلى إعادة تعريف جذريّة لثلاثة عناصر تأسيسية في الفعل السياسي:
• الفكرة السياسية: لا تعود برنامجا أيديولوجيا مغلقا يُصاغ في الغرف المغلقة لينفذه تنظيم ما، ولا خطابا سابقا على التجربة، بل تتشكل بالتزامن مع الفعل، وتولد ديناميكيا من رحم الحقل السياسي وتفاعلاته الميدانية والرقمية والمعرفية.
• التنظيم: يتخلى عن شكله الكلاسيكي كجسم هرمي صلب يحتكر القرار، ليتحول إلى "منظومة حوامل متعددة" (ميدان، شتات، فضاء رقمي، إنتاج معرفي) تتكامل أفقيا وتتبادل الموارد والخبرات دون حاجة لسلسلة قيادة موحدة.
• المرجعيات العظمى: (كالدولة داخل المجتمع، أو الحزب داخل الحركة، أو المؤسسات الدولية داخل النظام العالمي). هذه البنى لا تختفي كليا من المشهد، لكنها تفقد احتكارها المطلق لتمثيل الفاعلين وصناعة المعنى السياسي، لتصبح مجرد عُقد داخل شبكة أوسع.
لذلك، فإن السؤال الاستراتيجي الذي يفرضه هذا التحول لم يعد: "كيف نستعيد المركز المفقود؟" أو "كيف نستبدله بمركز جديد؟"، بل: "كيف نُنتج أشكالا من الفعل السياسي قادرة على العمل والـتأثير في فضاء متعدد المستويات لا يمتلك مرجعية احتكارية؟" وهنا تحديدا، لا يقدم المعمار السياسي بديلا عن التنظيم، بل يقدم بديلا عن الافتراض الذي جعل المركز شرطا ضروريا للانتظام السياسي.
تاسعاً: السياسة كفضاء لا كخط
تكشف الحالة الفلسطينية حدود النموذج الخطي في فهم السياسة، القائم على افتراض مسار ينتهي إلى مركز يحتكر التمثيل والتنظيم.
في المقابل، يقترح مفهوم “المعمار السياسي” تصورا بديلا يرى السياسة كفضاء متعدد المستويات، يُنتج تماسكه عبر تفاعل حوامل مختلفة داخل بنية غير مركزية.
وتشير التحولات الإقليمية والدولية إلى أن هذا التحول لم يعد خاصا بالحالة الفلسطينية، بل بات يعكس اتجاها أوسع يعيد تعريف العلاقة بين المركز والتعدد. ومن هذا المنظور، تتلخص أطروحة المقال في ثلاث نقاط:
• تراجع صلاحية النموذج الخطي للسياسة،
• فقدان المركز لاحتكار إنتاج الانتظام،
• بروز التماسك بوصفه نتيجة تفاعلية داخل الفضاء المشترك لا قرارا مركزيا.
وتنشأ الأسئلة التي تتجاوز حدود هذا المقال: كيف يُنتَج الانتظام في عالم متعدد الحوامل دون مركز احتكاري؟ وماذا يعني المعمار السياسي فلسطينيا؟

تعليقات

د. عبد المجيد سويلم

لا شك أن هذا الإسهام من الزاوية الفكرية هو احتياج ملح لأسباب عملية، اضافة الى الاعتبارات النظرية التي تتعلق بالتطورات الموضوعية التي شهدتها مسارات التطور في البنى السياسية،وفيإعادة تموضعها واشتباكها بمفهوم المنظمات الاجتماعية.
في الحالة الفلسطينية تبرز مسالة الشرعية كأحد التحديات التي تحتاج برأيي الى هندسة سياسية مبتكرة
كل التقدير والاحترام
د. عبد المجيد سويلم
2/6/2026



==============


غانية ملحيس

الصديق العزيز د. عبد المجيد سويلم
أشكركعلى قراءتك العميقة وتدقيقك في هذا الاجتهاد النظري، والاهتمام بمقاربته من زاوية تجمع بين الإلحاح العملي والاعتبار المعرفي. فالمقال يكتسب قيمته الحقيقية حين يمر بمختبر القراءة النقدية الجادة.
لقد فتح تعليقك المكثف نافذة مهمة جدا للتطوير، وتحديدا حين أشرت بدقة إلى أن معضلة "الشرعية" في الحالة الفلسطينية باتت تتطلب "هندسة سياسية مبتكرة".
هذا التعبير يضعنا أمام التحدي الأكبر لـ "المعمار السياسي". فإذا كان المعمار يقوم على فكرة التعدد واللامركزية، فكيف يمكن لهذا الفضاء المتشابك والموزع أن يكتسب ويمنح "شرعية" تمثيلية ونضالية معترفا بها دون وجود مركز احتكاري؟ وهو تساؤل بنيوي يأخذ الأطروحة من سياقها الوصفي إلى سياق "الهندسة" والبناء.
كما أن إشارتك الثاقبة إلى ضرورة إعادة تموضع السياسة واشتباكها بـ "مفهوم المنظمات الاجتماعية" تمثل مدخلا لا غنى عنه، كونه يخرج بالفعل السياسي من الأطر الحزبية التقليدية الصلبة، ليذيبه في ديناميات المجتمع وحوامل الفعل الحية في الميدان والمعرفة والفضاء الرقمي.
كل التقدير لعينك الفاحصة التي تلتقط جوهر المأزق وتدفع بالأفكار نحو آفاق أكثر شبكا بالواقع وتعقيداته.
مودتي واحترامي الكبير
غانية ملحيس
2/6/2026
 
يحيى بركات

العزيزة د. غانية،
وأنا أقرأ مقالك الأخير، لم أشعر أنني أمام مقال جديد بقدر ما شعرت أنني أتابع فصلاً جديداً من حوار طويل لم يبدأ اليوم.
حوار بدأ، كما أذكر، من أسئلة بدت في ظاهرها مرتبطة بمؤتمر فتح، ثم ما لبث أن غادر أسوار المؤتمر، وغادر معه الأشخاص والأسماء واللوائح والانتخابات، ليذهب إلى مكان أكثر عمقاً وأشد وعورة؛ إلى السؤال نفسه الذي ينتج السياسة قبل أن ينتج التنظيم، وينتج المجال السياسي قبل أن ينتج السلطة.
لهذا قرأت "المعمار السياسي" لا بوصفه مصطلحاً جديداً فحسب، بل بوصفه محاولة للبحث عن لغة جديدة لوصف واقع لم تعد اللغة القديمة قادرة على احتوائه.
فنحن ما زلنا، في كثير من الأحيان، نفكر بأدوات صُممت لعالم آخر.نتحدث عن مركز...بينما الواقع يتوزع أمامنا في أكثر من اتجاه.
نتحدث عن حامل سياسي واحد...بينما الفلسطيني اليوم يتحرك في الميدان، وفي المحكمة، وفي الجامعة، وفي المنصة الرقمية، وفي المخيم، وفي المنفى، وفي الذاكرة أيضاً.
نتحدث عن مسار...بينما ما نراه أقرب إلى فضاء واسع تتقاطع داخله طرق كثيرة، بعضها يلتقي، وبعضها يتباعد، وبعضها لا يعرف أصحابه أنهم يسيرون نحو الغاية ذاتها.
هنا تحديداً تكمن، في رأيي، قوة المقال.فهو لا يكتفي بوصف الأزمة، بل يحاول أن يغير زاوية النظر إليها.
وكأننا ننتقل من سؤال: لماذا تعطل المسار؟إلى سؤال أكثر جرأة:
هل ما زلنا ننظر إلى السياسة من نافذة لم تعد موجودة أصلاً؟
وأعترف أنني وجدت بين سطور المقال أصداء واضحة لذلك النقاش الذي دار بيننا، ومع العزيز خالد عطية، حول أزمة التمثيل، وحدود النموذج التنظيمي التقليدي، وما سميناه في لحظة سابقة "الفخ المركب".
فالفخ لم يكن تنظيماً بعينه، ولا سلطة بعينها، ولا مؤسسة بعينها.
كان طريقة كاملة في التفكير.
طريقة تجعلنا نبحث دائماً عن مركز جديد كلما انهار مركز قديم.
ونتخيل أن الخلل في الأشخاص، بينما يكون الخلل أحياناً في الخريطة نفسها.
لكن هنا أيضاً أجد نفسي أتوقف أمام السؤال الذي ظل يرافقني حتى بعد انتهاء المقال.إذا كان المركز لم يعد قادراً على احتكار الفعل السياسي...وإذا كانت الحوامل السياسية تتكاثر وتتشعب وتنتج أشكالاً جديدة من التأثير والفعل...فمن الذي يحفظ وحدة الحكاية؟
أقول الحكاية، لأن فلسطين بالنسبة لي لم تكن يوماً مجرد بنية سياسية.كانت دائماً رواية كبرى لشعب واحد، مهما تعددت أمكنته وأدواته وأصواته.
ولهذا ألتقي مع المقال في نقد مركزية الماضي، وفي التشكيك بقدرة النموذج التقليدي على تفسير ما يجري أمامنا.لكنني ما زلت أطرح على نفسي سؤال المرجعية الوطنية الجامعة.
ليس بوصفها سلطة فوق الجميع.ولا بوصفها مركزاً يحتكر الحقيقة.بل بوصفها الخيط الذي يمنع القماش من التحول إلى قصاصات منفصلة.
فالنسيج لا يصبح أكثر جمالاً لأنه يملك خيطاً واحداً، ولا يبقى نسيجاً إذا انقطعت الخيوط التي تربط أجزاءه ببعضها.وربما هنا بالتحديد تستمر أهمية هذا الحوار.لأن المقال، في تقديري، لا يقدم أجوبة نهائية.بل يفتح باباً واسعاً أمام أسئلة أكبر.أسئلة تتجاوز مؤتمر فتح، وتتجاوز السلطة، وتتجاوز الفصائل، وربما تتجاوز فلسطين نفسها.
أسئلة تتعلق بكيفية تشكل السياسة في عالم يتراجع فيه المركز، وتتقدم فيه الشبكات، وتتعدد فيه الحوامل، وتبحث فيه الشعوب عن أشكال جديدة للتماسك دون أن تفقد ذاكرتها أو بوصلتها.
لهذا لا أقرأ مقالك بوصفه نهاية نقاش بدأ قبل أشهر.بل أراه بداية فصل جديد منه.فقد بدأنا بالسؤال:من يمثل الفلسطينيين؟
ثم انتقلنا إلى سؤال:كيف تُنتج السياسة الفلسطينية؟
أما اليوم، فأشعر أننا نقف أمام السؤال الأكثر عمقاً:كيف تبقى فلسطين واحدة...حين تصبح طرق الوصول إليها متعددة؟
يحيى بركات
2/6/2026


=================


غانية ملحيس

العزيز يحيى
قراءة تعليقك لم تكن مجرد مراجعة لمقال كُتب، بل كانت، كما وصفتَ بدقة، استئنافا حيا لحوار طويل وممتد. أود أولا أن أقول إنك والعزيز خالد عطية لم تغيبا يوما عن سطور مقالاتي، فأنتما شريكان حاضران في الفكر، وفي القلق، وفي السؤال. وما هذا المقال، في جوهره، إلا انعكاس وصدى لذلك الاشتباك الفكري المستمر بيننا، والذي يملك دائما تلك القدرة الفريدة على تحفيز التفكير ودق جدران الخزان حتى أقصى مداه.
أشكرك عميقا على هذه القراءة المتأنية والعميقة، وأثمن عالياإضاءتكوالتقاطك الملفت للمناطق التي توقف المقال عند عتباتها دون توغل، وتحديدا في القضايا الثلاث التي أشرتَ إليها ببراعة: معضلة حماية "وحدة الحكاية" أمام تشتت البنى،
وفخ تحول النسيج إلى "قصاصات منفصلة" عند غياب المركز،
وسؤالك الجوهري والمقلق: كيف تبقى فلسطين واحدة حين تصبح طرق الوصول إليها متعددة؟
وهي الأسئلة الأكثر إلحاحا، والتي تشكل تحديا حقيقيالأطروحة "المعمار السياسي"، وتفتح الباب على مصراعيه لتطويرها.
ختاما، لا يسعني إلا أن أبديمرةأخرىتقديري وإعجابي الكبير بتوليفة المفكرفيك، ذلك الذي يملك عينا تلتقط المشهد بزاوية "المخرج" البارع، ويصوغه بلغة "الأديب" الساحرة. هذه اللمسة الخاصة هي ما يضخ الحياة والحيوية في مقالاتيالتي قد تبدو أحيانا جافة وباردة بصرامتها النظرية، فتعيد إليهادفء القضية الإنسانية الأولى.
الحوار لم ينته يا يحيى، بل هو يشرع أبوابه الآن لفصل أكثر وعورة وعمقا.
محبتي واعتزازي الدائم.
غانية ملحيس
2/6/2026
 
المتوكل طه نزال

ما يميّز كتابات الأخت الدكتورة غانية الموقرة، أنها كتابات "جديدة" من حيث اللغة السياسية، ومن باب توليد أفكار غير مسبوقة، ما يجعلها لافتة، وترهص باستراتيجية أو "نظرية" سياسية، تزاحم ركام ما ورثناه من أرسطو، مرورا بالهرثمي وميكافيلي والكواكبي وصن زو.. وصولا إلى لوبون ودوبريه..
ما يجعلني أعتقد أن د. غانية قمينة بمزاحمة هؤلاء وغيرهم، دون إحساس بالتواضع السلبيّ، لأنني أمام تفتّح حداثيّ وقراءة عميقة واستشراف، وإنْ نظريا، يهجس بتخليق رؤية متماسكة قادرة على الاقتراح، للتجاوز.. وإن اختلفنا جزئيا، هنا أو هناك.
ولو قرأنا ما أنجزته حتى اللحظة، لرأينا ما يشفع لرأينا، دون مبالغة.. ولهذا تمنّينا، قبل أسابيع؛ إن ما يُطرح هنا يشكّل شبكة إنقاذ، ينبغي أن تمتد لتؤسس لجدل وحِراك وتبادل فكري سياسيّ، ينأى بنا عن هذه البقايا الضحلة التي نخوض في وحولها.. كمخرج من حالة الموات والذبول والانكسار.
أما ما يتعلّق بالمقالة الأخيرة ، فقد تبيّن للجميع أن الشعب الفلسطيني، الموزّع في غير مكان، لم يعد شعبا واحدا، إذ أصبح للاجئين في الشتات أولوية تتمثّل بالعودة، وصار للضفة والقطاع مطلباً هو إقامة الدولة، قبل أن يصبح لغزة أولوية العمران والبقاء! وأضحى لأهلنا في ال 48 غايةً هي المساواة. ولم يعد الشعب يقف على خطّ ثقافي وفكري واجتماعي واحد، ما يهدد الهويّة الفلسطينية الواحدة بالتشقّق وتناسل هويّات فرعية. ما يعني أيضا أن م.ت.ف. فشلت بإعادة توحيد شعبها سياسيا وثقافيا ووطنيا! وأرى أن السبب الرئيس لهذا التشقّق أو التناقض الجزئي يعود بسبب تهشيم
"المُتَحَكّم"، جرّاء اتفاقيات أوسلو! إذ كان لكلّ شعبنا "مرجعية وطنية سياسية" تتمتّع بقداسة الإجماع، تنادي بالتحرير،والعودة،والدولة، والقدس.. لكن أوسلو مزّعت وهمّشت وحطّمت هذه المرجعية، فصار لكلّ منّا مرجعيته وذرائعه ومرافعاته الخائبة. وثمّة عوامل أخرى عمّقت التشققات فينا، وأوّلها الانقسام، واللغة السياسية النهائية، وعدم إنهاض عوامل توحيد الشعب في الداخل والخارج، ثقافيا..
أما على المستوى الدولي؛ فما زلنا نعاني من ارتدادات انهيار الاتحاد السوفييتي، وتحكّم قطب دولي واحد في الكوكب. ولاحظنا ولادة مخاض عسير لخارطة عالمية جديدة.. طالت، ولم يتشكل المولود حتى الآن. وما زالت الأطراف في العالم تعاني من هيمنة القطب الأمريكي الواحد واستطالاته واشتراطاته المُجحفة. عداك عن أنَّ العالَم اكتشف ضعفَه أمام ما يحدث من جرائم، واكتشف أنه هشّ عاجز، وغير قادر على تطبيق القانون والشرائع الدولية، التي تصون الحياة وتحفظ الحقوق.
والحروبُ، عادةً، تطيح بقوى كبرى، فكيف بقوى المقاومة التي لا تتمتّع بقواعد آمنة! بمعنى أنها أدخلت قوى المقاومة في غزّة، إلى حدّ كبير، وفي لبنان، إلى حدّ ما، إلى عبور مرحلة أزمة الوجود، فيما أدخلت السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير وحركة فتح، إلى أزمة وجود، لكنها لم تعبربها إلى حمأة الأزمة والتفكك والغياب.. على رغم أن حرب غزة أدخلتنا إلى مرحلة ما بعد الفصائل. ويبدو لي أن المنطقة، بعد الحرب العدوانية، ستُظهِر نتوءات متطرّفة جداً، في غير مكانٍ، حولنا وفينا.. وبالموازاة سيظهر تيار مستسلم، كما سيظهر تيار ثالث وسطي. من هنا؛ ننادي بأهميّة إعادة صياغة رؤية، واجبة الوجود، من هذا العصف الفكري، بعد انفراط النخب ومعظم القوى والفصائل الفلسطينية، وعلى أن تكون الصياغة جديدة حداثية ووطنية.. كما نرى لدى الأعزاء غانية وخالد ويحيى.
المتوكل طه نزال
2/6/2026


==================


غانية ملحيس

الصديق العزيز والكاتب والمبدعالمتوكل طه
أقف بكثير من الامتنان والتقدير أمام قراءتك الكريمة، والتي لا أرى في سخاء ثنائها، ووضعك أطروحة "المعمار السياسي " في سياق معرفي يمتد من كلاسيكيات الفكر السياسي إلى الحداثة المعاصرة، إلا دافعا ومسؤولية كبرى تفتح أمام هذا الاجتهاد النظري آفاقا أرحب للنقاش والتطوير.
لقد وضعت الإصبع تماما على الجرح التاريخي الذي أنتج هذا "التفكك"؛ فبينما ذهب المقال نحو توصيف البنية التفاعلية للمعمار، جئتَ أنت- من موقع الاشتباك المباشر مع التجربة - لتُعيد ربط الفكرةبجذورها السياسية، وتحديدا لحظة تهشيم "المُتَحكّم" والمرجعية الجامعة بفعل استحقاقات أوسلو وتداعيات الانقسام، والتيحوّلت أولويات شعبنا الواحد إلى استراتيجيات بقاء مجزأة ومتنافرة جغرافيا (بين عودة، ودولة، وعمران، ومساواة). هذا التشخيص البليغ يعزز الحاجة للبحث عن مفهوم "المعمار السياسي" كأداة تفسيرية، وكأفق لصياغة "شبكة إنقاذ" تنتشلنا من وحل الموات، دون إعادة إنتاج أدوات الماضي التي استُنفدت.
كما أن استشرافك الدقيق لملامح مرحلة "ما بعد الفصائل" والتنبؤ بالنتوءات القادمةوسط المخاض الدولي العسير، يضع فكرة "المعمار السياسي " أمام أسئلتها الصعبة: كيف يمكن لهذا الفضاء المتعدد المستويات أن يصمد ويؤثر ويحمي الهوية الوطنية في وجه موجات التطرف أو الاستسلام؟
أعتز جدا بإشارتك إلى الحوار الممتد بيني وبين العزيزين يحيى بركات وخالد عطية، وأضم صوتي لصوتك في ضرورة تحويل هذا العصف الفكري المشترك إلى مساحة جماعية تسهم في إعادة بناء وعينا السياسي بلغة ترتقي الى مستوى تضحيات شعبنا العظيم.
شكرا لعينك الفاحصة، وفكرك الثائر، ولغتك الراقية
مودتي واحترامي الكبير
غانية ملحيس
2/6/2026
 
خالد عطية

شكراً د. غانية على هذا الجهد الفكري الواضح، وأعتقد أن القيمة الأساسية للمقال لا تكمن فقط في المصطلح الذي تقترحينه، بل في محاولته التقاط تحول حقيقي في الواقع الفلسطيني: وهو أن الفعل السياسي لم يعد محصورا داخل المؤسسات التقليدية أو الأطر التنظيمية التي عرفناها تاريخيا، بل أصبح موزعا بين مستويات متعددة، ميدانية ورقمية وحقوقية ومعرفية وشتاتية، بحيث لم يعد بالإمكان تفسير كل ما يجري من خلال عدسة التنظيم المركزي وحده.
وأظن أن هذه الملاحظة تكتسب أهمية خاصة فلسطينيا، لأننا خلال العقود الأخيرة شهدنا اتساع المسافة بين المجتمع والسياسة المنظمة.
ففي الوقت الذي تراجعت فيه قدرة المؤسسات التقليدية على المبادرة والتجديد، استمرت أشكال أخرى من الفعل الفلسطيني في الظهور: من هبة القدس عام 2021، إلى الحضور الفلسطيني العالمي بعد حرب غزة، إلى النشاط الحقوقي والقانوني والإعلامي الذي بات ينتج أثرا سياسيا خارج القنوات التقليدية.
لكن أثناء قراءتي للمقال، ظل سؤال يرافقني من البداية إلى النهاية.
هل تكشف الحالة الفلسطينية حقا نهاية الحاجة إلى المركز السياسي؟ أم أنها تكشف أزمة شكل معين من المركز؟
هنا أعتقد أن خصوصية الحالة الفلسطينية تفرض علينا قدرا من الحذر النظري.
فنحن لا نناقش أزمة إدارة عامة داخل دولة مستقرة، ولا نتحدث عن مجتمع ما بعد الدولة أو ما بعد السيادة، بل عن شعب ما زال يخوض صراعا مفتوحا مع بنية استعمارية استيطانية إحلالية تمتلك أعلى درجات المركزية والتنظيم والقوة.
إسرائيل ليست مجرد مجموعة فاعلين متجاورين داخل فضاء مفتوح، بل مشروع استعماري يمتلك حكومة وجيشا ومؤسسات أمنية واقتصادية وقانونية واستراتيجية طويلة المدى، ويحظى بدعم غربي واسع ومؤثر. وبالتالي فإن السؤال الفلسطيني لا يتعلق فقط بكيفية تنظيم التعدد داخل المجتمع، بل أيضا بكيفية تحويل هذا التعدد إلى قوة قادرة على مواجهة بنية استعمارية منظمة ومتماسكة.
لذلك أجد نفسي متفقا مع نقد المركز التقليدي، لكنني متردد أمام الاستنتاج الذي قد يُفهم أحيانا من المقال، وهو أن التعدد يمكن أن يغني عن الحاجة إلى مركز جامع.
فالمشكلة الفلسطينية تاريخيا لم تكن في وجود مركز وطني جامع، بل في تحوله تدريجيا إلى مركز مغلق احتكر التمثيل والقرار وأضعف المجتمع بدل أن يستمد قوته منه.
ولهذا أرى أن التحدي ربما لا يكمن في تجاوز فكرة المركز، بل في إعادة تعريفها. أي الانتقال من مركز يحتكر السياسة إلى مركز ينتجها.
من مركز يتحدث باسم الناس إلى مركز ينبع منهم.
من مركز يقوم على التفويض المفتوح إلى مركز يقوم على المساءلة والمشاركة والتجديد.
لأن السؤال العملي الذي يفرض نفسه فلسطينياً يبقى قائماً: إذا تعددت الحوامل السياسية كما يصف المقال، فمن الذي يحولها إلى قوة تاريخية متراكمة؟
من يربط بين غزة والضفة،والقدس،والداخل، والشتات؟
من يحول التضامن العالمي إلى مكسب سياسي؟
من يحدد الأولويات الوطنية عندما تتزاحم المبادرات والاتجاهات؟
من يصوغ الاستراتيجية العامة؟
ومن يمتلك الشرعية للحديث باسم الشعب الفلسطيني في اللحظات المصيرية؟
أعتقد أن هذه الأسئلة لا تنتقص من أهمية مفهوم “المعمار السياسي”، بل ربما تشكل الاختبار الحقيقي له.
فالقضية ليست فقط كيف نفهم التعدد الفلسطيني القائم، وإنما كيف نمنع هذا التعدد من التحول إلى تشظ دائم يخدم، من حيث لا يقصد، استراتيجية الاحتلال القائمة أصلا على التجزئة والعزل والتفكيك.
ولذلك خرجت من المقال وأنا أفكر أن النقاش الفلسطيني ربما لم يعد بين “المركز” و”اللامركز”، بل بين شكلين مختلفين من الوحدة:
وحدة تقوم على الاحتكار والإغلاق وإعادة إنتاج النخب.
ووحدة أخرى تقوم على التنسيق والتفاعل والتمثيل المفتوح.
وربما تكون المهمة الفلسطينية القادمة ليست البحث عن مركز جديد، ولا الاحتفاء بغياب المركز، بل بناء صيغة وطنية قادرة على الجمع بين الأمرين: حيوية التعدد من جهة، والقدرة على إنتاج قرار وطني جامع من جهة أخرى.
هنا تحديدا أرى أن النقاش يصبح شديد الأهمية، لأنه ينتقل من سؤال: كيف نصف الواقع الفلسطيني؟ إلى سؤال أكثر إلحاحا: كيف نحول هذا الواقع إلى قدرة سياسية قادرة على الصمود والمبادرة في مواجهة مشروع استعماري لا يزال يعرف تماما ماذا يريد، وكيف يعمل، وإلى أين يتجه.
خالد عطية
2/6/2026



=================


غانية ملحيس

خالد العزيز
قراءة تعليقك تعيدني فوراإلى جذور هذا القلق المشترك، فالمقال في جوهره هو استمرار للاشتباك الفكري الذي يجمعنا مع العزيز يحيى بركات. ولأنكماتمسكان دائما بالخيط الناظم للحوار، جاءت تساؤلاتكما وحذركما النظري في مكانهما تماما،
قراءتك العميقة للمقال جاءت لتفتح الباب أمام تفكيك الفرضيات الكبرى التي انطلق منها مفهوم "المعمار السياسي" ولم يتجاوزها.
أتفق معك تماما في كل ما ذكرته بشأن مركزية المشروع الاستعماري الصهيوني، سواء في بعده الاستيطانيالإحلالياليهودي أو الإمبريالي الغربي.
لكن مفهوم "المعمار" انطلق بالأساس من هذه الحقيقة، ولم يتغافل عنها، بل حاول الإجابة على سؤال: كيف يشتبك فضاء ممزق مع عدو شديد المركزية؟
وهنا دعني أشاركك مفارقة تاريخية بالغة الأهمية في فهم الكيفية التي تُبنى بها البنى السياسية، فالحركة الصهيونية التي نراها اليوم كتلة صلبة شديدة المركزية والتنظيم، لم تبدأ هكذا أبدا. في بداية نشأتها، واجهت الصهيونية معارضة شرسة وعنيفة من غالبية اليهود في العالم، والذين كانوا من أشد أعدائها. لكنها تمكنت - بفعل التواطؤ العضوي مع الغرب الاستعماري العنصري - من تأسيس "معمار سياسي" ذكي، نجح في ربط المصالح المادية، الحياتية، والفردية لليهود في مختلف أماكن تواجدهمبالمشروعالاستعماري الصهيوني الكلي. هذا الترابط الطردي بين نمو وقوة الكيان الصهيوني والازدهار الفردي لليهوديحول العالم، هو ما حوّل تلك المعارضة الشاملة عبر الزمن إلى تأييد مطلق، وصنعهذه "المركزية" التي نراها اليوم.
في المقابل، ارتكبت حركتنا الوطنيةالفلسطينية المعاصرة مفارقة عكسية. فإذا ما راجعنا تاريخ منظمة التحرير الفلسطينية، سنجد أن هذا الإطار المركزي قد نجح في حماية "الوحدة الرمزية"، لكنه أخفق تماما في الحماية المادية، لأنه أغفل وأهمل تباين الخصوصيات والاحتياجات اليومية للمكونات الفلسطينية في مختلف أماكن تواجدها نتيجة النكبة المستمرة منذ ثمانية وسبعين عاما.
هذا التشظي التاريخي فرض تفاوتا حادا في الأولويات الحياتية والمطلبية للتجمعات الفلسطينية (بين عودة، ودولة، وعمران، ومساواة)، وما وحّدها تاريخيا هو المعاناة المشتركة من سياسات المحو. سواء المحو المادي بالإبادة والبتركما تفعل إسرائيل، أو المحو الرمزي للهوية في مواطن اللجوء ومخيماتها،التي عومل فيها الفلسطيني كفائض بشري وخطر وجودي تتقاطع في محاصرته الأنظمة والترتيبات الإقليمية التي نشأت في سياق هندسة "سايكس بيكو".
لكن مأزق الإطار المركزي الفلسطيني أنه قادنا إلى فصل حاد بين الانتماء الوطني والمصلحة الفردية، بل وربط الإثراء الفردي بالإفقار الوطني أحيانا، فبقيت حواملنا رمزية بلا جذور مادية منيعة تحمي صمود الناس وتراكم قوتهم.
فكرة "المعمار السياسي" لا تحتفي باللامركزية كبديل مجاني للمركز، بل هي محاولة لتجاوز هذا المأزق بالذات، عبر هندسة فضاء تفاعلي مرن يملك حوامل مادية منيعة في مختلف أماكن التواجد الفلسطيني، قادرة على ربط المصلحة اليومية والتعددية المطلبية بالتوافق الاستراتيجي الأكبر حول "العقد المرجعية الكبرى" (التحرير والعودة وتقرير المصير)، وبما يحول هذا التعدد إلى "قوة تاريخية متراكمة" في مواجهة مركزية الاستعمار، دون السقوط مجددا في فخ المركزية الإقصائية المعطلة للمجتمع.
ممتنة جداً لهذا الاشتباك الفكري الذي عهدته فيكما دائما، وللوعي الوازن الذي يدفع بالأطروحة نحو مناطق أكثر نضجا وصلابة.

غانية ملحيس
2/6/2026
 
أعلى