أمين كعابنة (أبو محمد) - ،حين يتغير العرس ويتغير معه الجيل «ما بين غمضة عين وانتباهتها يغير الله من حال إلى حال»

حين يتغير العرس ويتغير معه الجيل

«ما بين غمضة عين وانتباهتها
يغير الله من حال إلى حال»

هكذا هي الدنيا، لا تبقى على حال، ولا تستأذن أحدا حين تتبدل. يتغير المكان، وتتغير اللغة واللهجة، وتتبدل العادات والتقاليد، وتتغير طرق التفكير، حتى نجد أنفسنا أمام جيل يرى الأشياء بعين مختلفة، وذاكرة تحمل صورة أخرى للحياة.

ولعل العرس في البادية من أجمل المشاهد التي يمكن أن نقرأ من خلالها هذا التحول. فالعرس قديما لم يكن مجرد مناسبة للفرح، بل كان حدثا تعرفه العائلة والعشيرة والجيران والأصدقاء. كان الناس يعرفون موعده قبل أسابيع، وربما قبل أشهر، ويستعدون له كما يستعدون لمناسبة تمس الجماعة كلها.

كان «القود» من صور النقوط والمساندة. يأتي القريب أو الجار أو الصديق، فيقود الغنم أو المعز أو الخرفان أو الجداء إلى بيت العريس. ولم يكن الأمر تجارة ولا حسابا باردا، وإنما كان «رد عطا» ووقفة رجل مع رجل. يفرح لفرحه، ويعينه في يوم يبدأ فيه بيت جديد وحياة جديدة.

وكان هناك «عشاء البيوت» قبل العرس بيوم، ثم يأتي اليوم الختامي بالغداء، فيكون العرس يومين عامرين بالناس والحركة. النار مشتعلة، والمناسف تطبخ، والقهوة تدور، واللحمة على النار، والبيوت مفتوحة، والناس تعرف بعضها بعضا.

ومن الأشياء التي بقيت في الذاكرة «بيت الشعر». كان يبنى للعرس ليستقبل الناس، فإذا لم يكن عند صاحب الفرح بيت يتسع للضيوف، استعان بجاره أو قريبه، فيعطيه بيت شعره دون مقابل. لم يكن أحد يسأل عن الإيجار أو التكلفة؛ كان بيت الجار للجار، وفرح الجار فرحا لجاره. وكان بيت الشعر يومها أكثر من خيمة؛ كان مجلسا وذاكرة ومجالا للضيافة، تحته تدور القهوة، وتعبر الأحاديث، ويجلس الكبير إلى جانب الصغير، ويأتي القريب والبعيد.

أما اليوم، فقد تغير المشهد. أصبحت الصوانات تؤجر، وتنصب الأقمشة الملونة، ويأتي بيت الفرح جاهزا، لكل شيء موعد وحساب. ولا أقول إن ذلك خطأ؛ فالزمن تغير، وكثرت الأعراس، وتغيرت حاجات الناس، وأصبح التنظيم أسهل وأسرع. لكن يبقى السؤال: ماذا تغير فينا حين انتقلنا من بيت الجار إلى بيت الإيجار؟

وكانت الدحية والرويحاني والأهازيج والسراة جزءا من فرح البادية. يأتي الرجال من أماكن بعيدة، وربما من عشائر وقبائل أخرى، يسمعون الدحية ويشاركون في الهزيج، ويكون للصوت امتداد في المكان. كان العرس يعرف من صوته قبل أن يعرف من صاحبه. وكان للنساء عالمهن أيضا؛ الغناء والزغاريد والفرح، فتكتمل المناسبة برجالها ونسائها، كل له دوره وكل له حضوره.

أما اليوم، فقد أصبح العرس في كثير من الأحيان أقصر، وربما انتهى في يوم أو ساعات. وأصبح النقوط غالبا مبلغا ماليا، بعدما كان القود صورة من صور المساعدة. وأصبح الحضور في كثير من المناسبات أضيق، واقتصرت الأعراس على العائلة والأقارب والأصدقاء المقربين.

حتى القهوة تغيرت. الفنجال الذي كان له مكانه وهيبته، صار في بعض الأعراس يستبدل بكأس من الكرتون. وقد ترى كبير السن لا يقبل أن يشرب قهوته إلا من الفنجال الذي عرفه. فهل المشكلة في الكرتون؟ أم أن كبير السن يرى في الفنجال عادة وذاكرة ووجها من وجوه الضيافة لا يريد أن تضيع؟

ومن هنا تبدأ الحكاية الأوسع. فالعرس لم يتغير وحده. تغيرت المجالس، وتغير الحديث، وتغيرت اللغة واللهجة، وتغيرت مصادر المعرفة، وتغيرت حتى طريقة الناس في الجلوس. كان المجلس قديما مدرسة من غير سبورة. يجلس الكبير، ويتحدث، ويصغي الشباب. حكاية وراء حكاية، ومثل وراء مثل، وتجربة يتعلم منها من لم يجرب بعد.

أما اليوم، فقد يجتمع عشرة في مجلس واحد، وكل واحد منهم في عالم آخر. هذا يتابع هاتفه، وذاك يقرأ خبرا، وثالث يتابع مقطعا، ورابع يرد على رسالة. كان الحديث قديما ينتقل من فم إلى فم، واليوم ينتقل من هاتف إلى هاتف.

وهنا تظهر الفجوة الثقافية بين الأجيال. فكبير السن لم يتشكل وعيه بالطريقة التي تشكل بها وعي الشاب اليوم. الكبير تربى على المكان والمجلس والتجربة والرواية الشفوية والعلاقات المباشرة، أما الشاب فقد فتح عينيه على مدرسة وجامعة وهاتف ووسائل تواصل وعالم لا تكاد حدوده تعرف.

الكبير يحمل ثقافة الذاكرة والتجربة، والشاب يحمل ثقافة السرعة والانفتاح وتعدد المصادر. ولهذا تجد الكبير أحيانا لا يقتنع بكلام الشاب، ويرى أن كثيرا مما يقوله لا يشبه ما عرفه ولا ما تربى عليه. وفي المقابل، تجد الشاب لا يقتنع بكلام الكبير، ويرى أن بعض حديثه لا يناسب هذا الزمن.

فمن منهما على صواب؟ ربما كلاهما، كل من موقعه. فالكبير يتحدث من تجربة، والشاب يتحدث من واقع. الكبير معه سنوات عاشها ورأى فيها الناس والأحداث وتقلبات الحياة، والشاب معه قوة وحيوية وجرأة على التغيير، ويرى أشياء لم تكن متاحة لمن سبقه.

ولا يعني هذا أن الكبير دائما على حق، ولا أن الشباب دائما على صواب. لكن كثيرا ما يكون الكبير أقرب إلى الحكمة؛ لأنه لا يتحدث من فراغ، بل من عمر من التجارب. وفي الوقت نفسه لا يجوز أن نغفل قوة الشباب وفكرهم وقدرتهم على التعامل مع الجديد.

ولهذا فإن المسألة ليست معركة بين جيلين، إنها فجوة تحتاج إلى فهم. ونحن حين ننظر إليها بعين الباحث، لا نحكم قبل أن نفهم. نصف الظاهرة، ثم نفسرها، ثم نقارن، ثم نقابل وجهات النظر. ماذا يرى الكبير؟ وماذا يرى الشاب؟ ولماذا يرى كل واحد منهما الأشياء بهذه الصورة؟

فقد يرى الشاب في كلام الكبير تمسكا بالماضي، وقد يرى الكبير في كلام الشاب ابتعادا عن العادات. لكن هل كل جديد خطأ؟ وهل كل قديم صواب؟ أم أن لكل زمن منطقه، ولكل جيل ظروفه، ولكل عادة سياقها الذي ينبغي أن نفهمه قبل أن نحكم عليها؟

وهنا أتذكر نصيحة الأخت غانية: «لا تجعل البادية هي إطارك، اجعل البادية بوابتك إلى العالم».

فأنا حين أتحدث عن عرس في البادية، لا أريد أن أحبس البادية في الماضي، ولا أن أقول إن الأمس كله جميل واليوم كله قبيح. أريد أن أرى من خلال البادية ما يحدث في المجتمعات كلها. فبيت الشعر الذي كان يعيره الجار لجاره، ثم أصبح اليوم يؤجر، ليس مجرد تغير في طريقة إقامة العرس؛ إنه صورة من صور انتقال المجتمع من التكافل المباشر إلى الخدمات المنظمة.
والقود الذي كان يساق إلى بيت العريس، ثم أصبح اليوم مبلغا في ظرف، ليس مجرد تغير في النقوط؛ إنه تغير في طريقة التعبير عن المساندة. والفنجال الذي كان يدور بين الرجال، ثم أصبح أحيانا كأسا من الكرتون، ليس مجرد تغير في أداة تقديم القهوة؛ إنه جزء من تغير الذائقة والعادات. والمجلس الذي كان يجمع الناس حول الحكاية، ثم أصبح يجمعهم حول الهواتف، ليس مجرد تغير في طريقة الجلوس؛ إنه تغير في طريقة التواصل نفسها.
وهنا يصبح السؤال أكبر من العرس: ماذا نريد أن نحتفظ به من ثقافتنا؟ وماذا نتركه يتغير؟ وكيف نميز بين عادة يمكن أن تتغير دون أن نخسر شيئا، وقيمة إذا ضاعت ضاع معها شيء من شخصيتنا؟
وهل نستطيع أن نفتح أبوابنا للعالم دون أن نترك أبواب الذاكرة مفتوحة للريح؟ وهل يستطيع الشاب أن يأخذ من الكبير حكمته دون أن يتخلى عن قوته، ويستطيع الكبير أن يأخذ من الشاب حيويته دون أن يشعر أن الزمن ينتزع منه مكانه؟
ربما ليست المشكلة في أن تختلف الأجيال. الاختلاف سنة من سنن الحياة. المشكلة حين يتحول الاختلاف إلى قطيعة، وحين يرى كل جيل أن ما عند الآخر لا قيمة له.
الكبار يقولون: لقد جربنا. والشباب يقولون: لقد تغير الزمن. وبين «لقد جربنا» و«لقد تغير الزمن» يمكن أن تولد حكمة جديدة، إذا جلس الطرفان إلى بعضهما بعضا لا ليثبت أحدهما خطأ الآخر، وإنما ليفهمه.
فالهوية الثقافية ليست أن نبقى كما كنا، وليست أن نتخلى عما كنا عليه. الهوية الحية هي أن تتغير دون أن تنقطع، وأن تنفتح دون أن تذوب، وأن تستقبل الجديد دون أن تنسى أصلها.
وهكذا ربما لا يكون السؤال: هل كانت أعراس البادية قديما أجمل؟ ولا: هل أعراس اليوم أفضل؟ السؤال الأهم: ماذا كان يحمل عرس الأمس من معان، وماذا يحمل عرس اليوم من معان؟ وماذا بقي منا ونحن ننتقل من القود إلى النقوط، ومن بيت الجار إلى الصوانة المؤجرة، ومن الفنجال إلى الكرتون، ومن مجلس الحكاية إلى شاشة الهاتف؟
فهل تغير العرس فقط؟ أم أننا نحن الذين تغيرنا معه؟

تعليقات

غانية ملحيس


أمين العزيز

قرأت مقالك أكثر من مرة، وشعرت أن العرس لم يكن موضوع المقال بقدر ما كان عتبة دخلت منها إلى موضوع أكبر: كيف تتغير المجتمعات حين تتغير معاني الأشياء، لا أشكالها فقط.
بدأت من تفاصيل يعرفها ابن البادية: القود، وبيت الشعر، وعشاء البيوت، والدحية، والفنجال، ثم أخذت القارئ بهدوء إلى أسئلة أكبر: ماذا حدث للتكافل حين انتقلنا من بيت الجار إلى الصوانة المؤجرة؟ ماذا حدث للمشاركة حين تحول القود إلى نقوط؟ وماذا حدث للمجلس حين انتقلت الحكاية من فم إلى فم، إلى هاتف من يد إلى يد؟
أعجبني في المقال أنك لم تقع في الحنين السهل إلى الماضي، ولم تجعل كل جديد موضع إدانة. اعترفت بأن بعض التحولات فرضتها ضرورات الحياة، لكنك بحثت عما هو أعمق من شكل العادة: عن القيمة التي كانت تسكنها، وعن المعنى الذي ربما تغير معها.
ومن هنا خرج المقال من العرس إلى الجيل، ومن الجيل إلى سؤال الهوية: كيف نتغير دون أن ننقطع؟ وكيف يأخذ الجديد مكانه من دون أن يمحو ما كان يمنح الجماعة تماسكها؟
وأظن أن تعليق الدكتور عواد أبو زينة كان أجمل شهادة على أن المقال تجاوز صاحبه. فقد دفعه إلى استحضار تجربته مع ابنه، فتحول الحديث عن «فجوة الأجيال» من فكرة في المقال إلى تجربة حية بين أب وابنه. وهذه إحدى علامات الكتابة الجيدة: أن تجعل القارئ يرى شيئا من حياته فيما يقرأه.
واللافت أيضا في ردك عليه أنك لم تتعامل مع تجربته بوصفها مجرد مديح لمقالك، بل التقطت منها ما يعيدك إلى جوهر سؤالك: كيف تنتقل القيم بين الأجيال حين تتغير الوسائل والظروف؟
هنا تحديدا أرى أن صوتك ككاتب بدأ يأخذ ملامحه الخاصة.
أنت لا تكتب عن البادية باعتبارها ماضيا ينبغي استعادته، وإنما تستطيع أن تجعلها مكانا نقرأ من خلاله التحول الذي أصاب الإنسان والمجتمع والعلاقات. وهذا أفق أوسع بكثير من مجرد تسجيل الذاكرة الشعبية، وأظن أن لديك فيه مادة غنية تستحق المزيد من الحفر.
ما يعجبني في تجربتك حتى الآن أنك تأخذ شيئا يبدو بسيطا في الحياة اليومية، ثم تسأل عن الشيء الكبير المختبئ وراءه. وهذا المقال فعل ذلك بوضوح.
فالسؤال في آخره ليس فقط: هل تغير العرس؟ بل: حين تتغير الطريقة التي نفرح بها، ونحزن بها، ونتعاون بها، ونجلس معا، ونربي أبناءنا… ماذا يبقى من المعنى الذي كان يجمعنا؟
سؤال مفتوح، ولذلك أعتقد أن المقال لا ينتهي عند آخر سطر فيه. بل يبدأ منه.
 
عواد ابو زينة

صباح الخير اخي ابا محمد . لقد استمتعت جدا بقراءة مقالك الجميل والمثير للشيب والشباب وانا من المجموعة الاولى وقد اميل اليهم وقد لا اكون متوازنا كما انت في طرحك. اتفق معك تماما بان المجتمعات خضعت في السنوات القليلة الماضية الى عوامل تغيير لم تتعرض لها عبر قرون مضت وذلك بسبب التقدم التكنولوجي وانفتاح العالم على الإنترنت والفضائيات ووسائل التواصل والتعليم والاسفار. ولذلك ما كان يحتاج الى قرون ليحدث التغيير اصبح لا يحتاج إلى اشهر قليلة، وانظر الى ما يفعله الذكاء الاصطناعي خلال سنوات قليلة ونحن ما زلنا في بداية الطريق. ان ما ذكرته عن الاعراس وعاداتها هي صورة صغيرة جدا مما يجتاح مجتمعاتنا بخاصة من تغيرات ذاتية ومن تغييرات مخطط لها كما ازعم، هذا تغيبر يعمل على تغيير القيم والمعنى الكامن وراء الاشياء والعادات والثقافة.
بعض التغيرات خاصعة للواقع فبيوت الشعر ما عادت موجودة والقود لا ضرورة له فلم يعد اهل العرس يقيمون المسالخ ويملئون القدور كما كان آباؤهم واجدادهم، فمن ناحية عملية اصبح النقوط فعلا او عادة معقولة ومقبولة ومنطقبة.
التغير او التغيير صار في القيمة والمعنى، اذ ان الاقارب وحتى الجيران والاباعد كانوا يعلمون بموعد العرس ويتهيئون له مسبقا وقد يسافرون ويقضون الايام إلى جانب اهل العريس. ولتلك قيم ومعاني كثيرة؛ تقديم الدعم المادي والمعنوي والمشاركة الجماعية في الفرح ويعم الفرح ابتداء من الاطفال وحتى النساء والشيوخ، اما اليوم فحفلة العرس محجوز لها في صالة لمدة ساعتين او ثلاث، وفرقة للطبل والزمر لمدة ١٠ دقائق ثم يقوم المسجل الآلي ببفية المهمة. الفرح ألكتروني والتعاون الاجتماعي والتضامن والترابط اصبح بارسال ممثل او مندوب عن الاسرة او العائلة وغالبا ما يكون من الشباب والهدف إثبات الحضور وتسليم النقوط.
لو طلبت منك ان تحصي عدد القيم والمعاني التي اختلفت في هذه المناسبة لقدمت لي قائمة طويلة تمتد من جبال السلط الى جبال الخليل. ومثل تلك القائمة في الوفيات والفقد والجنازات ونجاح الولد والبنت وعودة مسافر او مغترب وفي بناء بيت... الخ. المقاول اليوم يقوم بالمهمة في حين كان اهل البلد او القرية يجتمعون لبناء بيتي او بيتك. اليوم بسلامة المستثمر والشركة العقارية والمروج والسمسار. الفرح اليوم وفي كل المناسبات صار محصورا في العائلة النووية المحدودة، ولم يعد للعشيرة او القبيلة او اهل البلد. في البادية كانت النسوة تتعاون غي الغزل وفي النسج. بيوتنا كانت مصنوعة بايدي نسائنا، وفراشنا منسوج ومزين بايدي نسائنا، واغطيتنا مفصلة بايدي نسائنا. وكما تعودن نسخ الاغطية والافرشة تعودن نسج شؤون الحياة ابتداء من السلم والحرب والانتقال إلى اختيار الشاب منكس عقاله ليكون شريك حياتها.
ليس كل شيء حديث مستنكر. العقل زينة، والحكمة تيجان الرؤوس. آصغر اولادي شاب لم يصل الى العشرين بعد، وكثيرا ما اراه بعيدا عني في افكاره. يناقش ويطرح اسئلته بجرأة وثقة بالنفس وقناعة احيانا ان اراه مصيبا وفي بعض الاحيان يخالفني وقد اراه مصيبا تماما او اعدل في اندفاعه. امس كنت اقرأ كتابا في شرفة بيتي ليلا فجاء مندفعا من الداخل لسبب ما. وقف بجانبي وقبل راسي. وقال: الحمد لله انا لي ابا، فبعض من هم في جيلي ليس لهم آباء. فسألته ان كان فد نفد بنزين سيارته
فقال لي لا. تنك السيارة الى النصف ومعي فلوس في محفظتي. فقلت له: هل لك حاجة؟ فقال ان ترضى علي، أريد ان انام باكرا فغدا عندي امتحانين نهائيين. فرضيت عليه وتمنيت له نوما هادئا هانيا وتوفيقا في امتحاناته.
انصرف عني وتركت الكتاب قليلا بعيدا عن المسلسلات التركية التي تتحدث عنها الرواية التي اقرؤ فيها واخذت افكر. ولدي هذا من الجيل الاحدث بالنسبة لي، ومع ذلك اكتسب قيما عتيقة في عرف البعض. ولكن رجعت الى التاريخ. كنت اصطحبه معي منذ كان طفلا يسالني عن القمر، ونحن خارج المدينة في العراء، كيف يمشي ولماذا هو بشكل واحيانا بشكل آخر، وبقيت هذه العادة معي، اصطحبه كلما كان الظرف مناسبا. الى حفلة عرس او إلى بيت عزاء او في زبارة مريض او حتى لشراء مستلزمات البيت. احتجت امه يوم ارسلته لمدرسة تدريب السياقة حين بلغ الثامنة عشرة خافت عليه، فهذا ولد مندفع. افهم مشاعر الام. اصررت على ان يتدرب وان يحصل على رخصة سيافه، وأن يقود سيارتي وحده وعليه ان يتحمل المسؤولية. امه تغضب مني وتحذرني لأنني لا ارافقه. اتحجج انني مشغول او.... او... ولكن لي هدفا آخر. في البداية رفضت ان تذهب معه سائقا. افهم كل ذلك واسبابه. حتى إذا مرضت فصارت مجبرة أن يسوق ويأتي بها الى المستشفى
الواقع فرض ما فرض. اصبح واثقا من نفسه ووثقت هي به لا لاني مرضت بل لان افق الفهم صار اوسع.

عودة الى الموضوع هل يجعل الاباء والامهات من انفسهم اصدقاء ومستشارين لاولادهم وبناتهم امام هذه السيول الجارفة من عوامل التغيير ايجابية او سلبية؟
نعم افهم أن الاباء والامهات مشغولون ومشغولات احيانا في توفير الاساسيات، ولكن تثقيف الابناء والبنات وتوعيتهم اكثر الاساسيات اهمية. لاعبوهم، وادبوهم، وصاحبوهم.
ادام الله افراحكم وجنبكم كل مكروه

********

رد ايمن كعابنة على عواد ابو زينة

عواد ابو زينة

صباحك خير ومحبة. قرأت تعليقك بمتعة، وشعرت انك لم تعلق على المقال بقدر ما فتحت بابا اوسع للحديث عن التغيير الذي اجتاح حياتنا. وقد اصبت حين فرقت بين تغير الشكل وتغير المعنى. فالقود وبيت الشعر وغيرهما لم تكن مجرد عادات، بل كانت وراءها قيم من التكافل والمشاركة وصلة الرحم، وكان العرس عرس الجماعة كلها، لا عرس بيت واحد.

واليوم تغيرت الوسائل، وربما كان في بعضها ضرورة ومنطق، لكن السؤال الذي يبقى: ماذا كسبنا من السرعة والسهولة، وماذا خسرنا من دفء الجماعة ومعانيها؟

اما حكايتك مع ابنك فهي عندي اجمل ما في التعليق. فالاب الذي يصطحب ابنه منذ الصغر الى العرس والعزاء وزيارة المريض وقضاء حاجات البيت لا يربيه بالكلام وحده، بل يربيه بالمشاهدة والمرافقة. وحين يكبر الابن ويأتي ليطلب رضا ابيه قبل امتحانه، ندرك ان بعض القيم لا تموت، حتى لو تغير الزمان.

نحن لا نستطيع ان نوقف سيل التغيير، ولا ينبغي لنا ذلك، لكن نستطيع ان نعطي ابناءنا جذورا ثابتة وعقلا يميز بين ما يؤخذ وما يترك. ليس كل قديم صالحا، وليس كل جديد مرفوضا. العقل زينة، والحكمة تاج، والابناء يحتاجون منا ان نكون لهم اباء واصدقاء ومستشارين في آن واحد.

وكما قلت انت: لاعبوهم، وادبوهم، وصاحبوهم. فالولد الذي يجد اباه قريبا منه، يصعب على الغريب ان يسرق منه قلبه وعقله.

شكرا لك يا عواد، فقد جعلت من تعليقك مقالا اخر يستحق القراءة.

ادام الله افراحكم، وحفظ لكم ابناءكم وبناتكم، وجنبكم كل مكروه...



*****


نعليق غانية ملحيس على تعليق عواد ابو زينة


الصديق العزيز عواد أبو زينة

استمتعت بتعليقك على مقال أمين بقدر ما استمتعت بالمقال نفسه، وربما لأنك لم تكتف بقراءة ما كتبه، بل التقطت الخيط الذي كان ممتدا خلف تفاصيل العرس إلى التحول الأوسع الذي أصاب حياتنا: ليس تغير العادات وحدها، وإنما تغير القيم والمعاني التي كانت تمنح تلك العادات روحها.
وأظن أن أجمل ما في تعليقك أنك فرّقت بوضوح بين تغير الشكل وتغير المعنى. فليس في انتقال «القود» إلى النقوط، أو من بيت الشعر إلى الصالة، ما يدعو في ذاته إلى الأسف؛ الحياة تتغير، والحاجات تتغير، وبعض ما كان ضروريا بالأمس لم يعد كذلك اليوم. لكن السؤال الحقيقي يبدأ حين نسأل: ماذا يحدث للقيمة التي كانت وراء الشكل حين يختفي الشكل؟
وهنا يصبح حديثك عن العرس حديثا عن المجتمع كله: عن البناء، والوفاة، والزيارة، والغزل والنسيج، وعن أشكال التعاون التي كانت تجعل الجماعة حاضرة في تفاصيل حياة الفرد، لا متفرجة عليها من بعيد.
لكنني وجدت أن أجمل ما في تعليقك لم يكن في هذا التحليل، وإنما في الحكاية الصغيرة التي رويتها عن ابنك.
ففي تلك اللحظة انتقل الكلام عن «الأجيال» من مستوى الفكرة إلى مستوى الحياة. الابن الذي يأتي ليطلب رضا أبيه قبل امتحانه، والأب الذي يصطحب ابنه منذ طفولته إلى العرس والعزاء وزيارة المريض وقضاء حاجات البيت، يقدمان جوابا عمليا عن السؤال الذي طرحه المقال: كيف تنتقل القيم حين تتغير الأزمنة؟
لفتتني خصوصا فكرتك الضمنية بأن التربية لا تحدث بالكلام وحده. بعض القيم تُورث بالمرافقة، وبالمشاهدة، وبأن يعيش الأب والابن الحياة معا. وربما لهذا بقيت بعض «القيم العتيقة» حية في ابن من الجيل الجديد، لأنها لم تقدم له بوصفها مواعظ، بل عاشها في تفاصيل يومه.
ومن هنا أجد أن عبارتك الأخيرة: «لاعِبوهم، وأدبوهم، وصاحبوهم» تختصر شيئا كثيرا مما دار حوله المقال والحوار. فالأبوة والصداقة هنا ليستا نقيضين، بل ربما تكون الصداقة إحدى وسائل الأبوة في زمن أصبحت فيه مصادر التأثير على الأبناء أكبر من البيت والمدرسة معا.
والجميل أن الحوار بينكما لم ينته إلى حكم من نوع: الماضي أفضل أو الحاضر أفضل. بل انتهى إلى شيء أكثر نضجا: أن التغيير لا يمكن إيقافه، لكن يمكن أن نمنح أبناءنا جذورا وعقلا يستطيع أن يميز. وهذا، في رأيي، هو الجانب الأهم في الحوار كله.
أمين كتب عن تغير العرس، وأنت أخذت السؤال إلى تغير المجتمع، ثم أخذتك تجربتك مع ابنك إلى سؤال أعمق: كيف نحافظ على المعنى حين تتغير الوسائل؟
هكذا يصبح التعليق على المقال نصا آخر يفتح المقال ولا يغلقه.
شكرا لك على هذه الإضافة التي لم تكتف بأن تقرأ المقال، وإنما دخلت معه في حوار، وأعادت إليه سؤالا جديدا.
غانية ملحيس
 
أعلى