أمين كعابنة (أبو محمد) - ،حين يتغير العرس ويتغير معه الجيل «ما بين غمضة عين وانتباهتها يغير الله من حال إلى حال»

حين يتغير العرس ويتغير معه الجيل

«ما بين غمضة عين وانتباهتها
يغير الله من حال إلى حال»

هكذا هي الدنيا، لا تبقى على حال، ولا تستأذن أحدا حين تتبدل. يتغير المكان، وتتغير اللغة واللهجة، وتتبدل العادات والتقاليد، وتتغير طرق التفكير، حتى نجد أنفسنا أمام جيل يرى الأشياء بعين مختلفة، وذاكرة تحمل صورة أخرى للحياة.

ولعل العرس في البادية من أجمل المشاهد التي يمكن أن نقرأ من خلالها هذا التحول. فالعرس قديما لم يكن مجرد مناسبة للفرح، بل كان حدثا تعرفه العائلة والعشيرة والجيران والأصدقاء. كان الناس يعرفون موعده قبل أسابيع، وربما قبل أشهر، ويستعدون له كما يستعدون لمناسبة تمس الجماعة كلها.

كان «القود» من صور النقوط والمساندة. يأتي القريب أو الجار أو الصديق، فيقود الغنم أو المعز أو الخرفان أو الجداء إلى بيت العريس. ولم يكن الأمر تجارة ولا حسابا باردا، وإنما كان «رد عطا» ووقفة رجل مع رجل. يفرح لفرحه، ويعينه في يوم يبدأ فيه بيت جديد وحياة جديدة.

وكان هناك «عشاء البيوت» قبل العرس بيوم، ثم يأتي اليوم الختامي بالغداء، فيكون العرس يومين عامرين بالناس والحركة. النار مشتعلة، والمناسف تطبخ، والقهوة تدور، واللحمة على النار، والبيوت مفتوحة، والناس تعرف بعضها بعضا.

ومن الأشياء التي بقيت في الذاكرة «بيت الشعر». كان يبنى للعرس ليستقبل الناس، فإذا لم يكن عند صاحب الفرح بيت يتسع للضيوف، استعان بجاره أو قريبه، فيعطيه بيت شعره دون مقابل. لم يكن أحد يسأل عن الإيجار أو التكلفة؛ كان بيت الجار للجار، وفرح الجار فرحا لجاره. وكان بيت الشعر يومها أكثر من خيمة؛ كان مجلسا وذاكرة ومجالا للضيافة، تحته تدور القهوة، وتعبر الأحاديث، ويجلس الكبير إلى جانب الصغير، ويأتي القريب والبعيد.

أما اليوم، فقد تغير المشهد. أصبحت الصوانات تؤجر، وتنصب الأقمشة الملونة، ويأتي بيت الفرح جاهزا، لكل شيء موعد وحساب. ولا أقول إن ذلك خطأ؛ فالزمن تغير، وكثرت الأعراس، وتغيرت حاجات الناس، وأصبح التنظيم أسهل وأسرع. لكن يبقى السؤال: ماذا تغير فينا حين انتقلنا من بيت الجار إلى بيت الإيجار؟

وكانت الدحية والرويحاني والأهازيج والسراة جزءا من فرح البادية. يأتي الرجال من أماكن بعيدة، وربما من عشائر وقبائل أخرى، يسمعون الدحية ويشاركون في الهزيج، ويكون للصوت امتداد في المكان. كان العرس يعرف من صوته قبل أن يعرف من صاحبه. وكان للنساء عالمهن أيضا؛ الغناء والزغاريد والفرح، فتكتمل المناسبة برجالها ونسائها، كل له دوره وكل له حضوره.

أما اليوم، فقد أصبح العرس في كثير من الأحيان أقصر، وربما انتهى في يوم أو ساعات. وأصبح النقوط غالبا مبلغا ماليا، بعدما كان القود صورة من صور المساعدة. وأصبح الحضور في كثير من المناسبات أضيق، واقتصرت الأعراس على العائلة والأقارب والأصدقاء المقربين.

حتى القهوة تغيرت. الفنجال الذي كان له مكانه وهيبته، صار في بعض الأعراس يستبدل بكأس من الكرتون. وقد ترى كبير السن لا يقبل أن يشرب قهوته إلا من الفنجال الذي عرفه. فهل المشكلة في الكرتون؟ أم أن كبير السن يرى في الفنجال عادة وذاكرة ووجها من وجوه الضيافة لا يريد أن تضيع؟

ومن هنا تبدأ الحكاية الأوسع. فالعرس لم يتغير وحده. تغيرت المجالس، وتغير الحديث، وتغيرت اللغة واللهجة، وتغيرت مصادر المعرفة، وتغيرت حتى طريقة الناس في الجلوس. كان المجلس قديما مدرسة من غير سبورة. يجلس الكبير، ويتحدث، ويصغي الشباب. حكاية وراء حكاية، ومثل وراء مثل، وتجربة يتعلم منها من لم يجرب بعد.

أما اليوم، فقد يجتمع عشرة في مجلس واحد، وكل واحد منهم في عالم آخر. هذا يتابع هاتفه، وذاك يقرأ خبرا، وثالث يتابع مقطعا، ورابع يرد على رسالة. كان الحديث قديما ينتقل من فم إلى فم، واليوم ينتقل من هاتف إلى هاتف.

وهنا تظهر الفجوة الثقافية بين الأجيال. فكبير السن لم يتشكل وعيه بالطريقة التي تشكل بها وعي الشاب اليوم. الكبير تربى على المكان والمجلس والتجربة والرواية الشفوية والعلاقات المباشرة، أما الشاب فقد فتح عينيه على مدرسة وجامعة وهاتف ووسائل تواصل وعالم لا تكاد حدوده تعرف.

الكبير يحمل ثقافة الذاكرة والتجربة، والشاب يحمل ثقافة السرعة والانفتاح وتعدد المصادر. ولهذا تجد الكبير أحيانا لا يقتنع بكلام الشاب، ويرى أن كثيرا مما يقوله لا يشبه ما عرفه ولا ما تربى عليه. وفي المقابل، تجد الشاب لا يقتنع بكلام الكبير، ويرى أن بعض حديثه لا يناسب هذا الزمن.

فمن منهما على صواب؟ ربما كلاهما، كل من موقعه. فالكبير يتحدث من تجربة، والشاب يتحدث من واقع. الكبير معه سنوات عاشها ورأى فيها الناس والأحداث وتقلبات الحياة، والشاب معه قوة وحيوية وجرأة على التغيير، ويرى أشياء لم تكن متاحة لمن سبقه.

ولا يعني هذا أن الكبير دائما على حق، ولا أن الشباب دائما على صواب. لكن كثيرا ما يكون الكبير أقرب إلى الحكمة؛ لأنه لا يتحدث من فراغ، بل من عمر من التجارب. وفي الوقت نفسه لا يجوز أن نغفل قوة الشباب وفكرهم وقدرتهم على التعامل مع الجديد.

ولهذا فإن المسألة ليست معركة بين جيلين، إنها فجوة تحتاج إلى فهم. ونحن حين ننظر إليها بعين الباحث، لا نحكم قبل أن نفهم. نصف الظاهرة، ثم نفسرها، ثم نقارن، ثم نقابل وجهات النظر. ماذا يرى الكبير؟ وماذا يرى الشاب؟ ولماذا يرى كل واحد منهما الأشياء بهذه الصورة؟

فقد يرى الشاب في كلام الكبير تمسكا بالماضي، وقد يرى الكبير في كلام الشاب ابتعادا عن العادات. لكن هل كل جديد خطأ؟ وهل كل قديم صواب؟ أم أن لكل زمن منطقه، ولكل جيل ظروفه، ولكل عادة سياقها الذي ينبغي أن نفهمه قبل أن نحكم عليها؟

وهنا أتذكر نصيحة الأخت غانية: «لا تجعل البادية هي إطارك، اجعل البادية بوابتك إلى العالم».

فأنا حين أتحدث عن عرس في البادية، لا أريد أن أحبس البادية في الماضي، ولا أن أقول إن الأمس كله جميل واليوم كله قبيح. أريد أن أرى من خلال البادية ما يحدث في المجتمعات كلها. فبيت الشعر الذي كان يعيره الجار لجاره، ثم أصبح اليوم يؤجر، ليس مجرد تغير في طريقة إقامة العرس؛ إنه صورة من صور انتقال المجتمع من التكافل المباشر إلى الخدمات المنظمة.
والقود الذي كان يساق إلى بيت العريس، ثم أصبح اليوم مبلغا في ظرف، ليس مجرد تغير في النقوط؛ إنه تغير في طريقة التعبير عن المساندة. والفنجال الذي كان يدور بين الرجال، ثم أصبح أحيانا كأسا من الكرتون، ليس مجرد تغير في أداة تقديم القهوة؛ إنه جزء من تغير الذائقة والعادات. والمجلس الذي كان يجمع الناس حول الحكاية، ثم أصبح يجمعهم حول الهواتف، ليس مجرد تغير في طريقة الجلوس؛ إنه تغير في طريقة التواصل نفسها.
وهنا يصبح السؤال أكبر من العرس: ماذا نريد أن نحتفظ به من ثقافتنا؟ وماذا نتركه يتغير؟ وكيف نميز بين عادة يمكن أن تتغير دون أن نخسر شيئا، وقيمة إذا ضاعت ضاع معها شيء من شخصيتنا؟
وهل نستطيع أن نفتح أبوابنا للعالم دون أن نترك أبواب الذاكرة مفتوحة للريح؟ وهل يستطيع الشاب أن يأخذ من الكبير حكمته دون أن يتخلى عن قوته، ويستطيع الكبير أن يأخذ من الشاب حيويته دون أن يشعر أن الزمن ينتزع منه مكانه؟
ربما ليست المشكلة في أن تختلف الأجيال. الاختلاف سنة من سنن الحياة. المشكلة حين يتحول الاختلاف إلى قطيعة، وحين يرى كل جيل أن ما عند الآخر لا قيمة له.
الكبار يقولون: لقد جربنا. والشباب يقولون: لقد تغير الزمن. وبين «لقد جربنا» و«لقد تغير الزمن» يمكن أن تولد حكمة جديدة، إذا جلس الطرفان إلى بعضهما بعضا لا ليثبت أحدهما خطأ الآخر، وإنما ليفهمه.
فالهوية الثقافية ليست أن نبقى كما كنا، وليست أن نتخلى عما كنا عليه. الهوية الحية هي أن تتغير دون أن تنقطع، وأن تنفتح دون أن تذوب، وأن تستقبل الجديد دون أن تنسى أصلها.
وهكذا ربما لا يكون السؤال: هل كانت أعراس البادية قديما أجمل؟ ولا: هل أعراس اليوم أفضل؟ السؤال الأهم: ماذا كان يحمل عرس الأمس من معان، وماذا يحمل عرس اليوم من معان؟ وماذا بقي منا ونحن ننتقل من القود إلى النقوط، ومن بيت الجار إلى الصوانة المؤجرة، ومن الفنجال إلى الكرتون، ومن مجلس الحكاية إلى شاشة الهاتف؟
فهل تغير العرس فقط؟ أم أننا نحن الذين تغيرنا معه؟

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى