نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

أنوار رزوق - السيد قاف.. قصة قصيرة

نشر: أنوار رزوق · ‏14/9/18 ·
  1. أي.. صعقني الكهرباء مرة أخرى..
    إحساس داهمني بينما كنت واقفا في صحن الجامع لإقامة الصلاة، رغم أن شفتي ظلتا مزمومتين، و لم تتركا لألمي الحاد فرصة للانفلات، فلم أزد في التعبير عنه بأكثر من نظرة مخطوفة ألقيتها عليه معتقدا أن التيار الذي صعقني جاءني منه، و إنني لم أفصله، على ما أذكر، عن المصدر قبل الشروع في النبش في الألياف.. أي ألياف و أي نبش؟ المفروض أنني في صحن الجامع لأقيم صلاة العصر.
    - الشيطان يا أخي.. الشيطان..
    قال لي و أمعن في إيلامي و هو يبعج منكبي بمنكبه الحاد، يساعده في ذلك قامته القصيرة عن قامتي. لحيته نابتة لكن مشذبة. شعر ناصيته المصفف إلى الأمام مفرق لينم عن علامة داكنة كالوحم. يفوح طيب قوي من ثيابه الأنيقة المكوية. رأيت أصابع يده المرخية جنبه تأهبا للتكبير طويلة ملساء و أظافره مقلمة، ربما كيلا يوفر للشيطان (ترانزات) وثير يتهالك عليه في تسكعه.
    خلال تجربتي المهنية الماضية عندما اشتغلت تريسيانا لسنوات، جرت العادة إن صعقني التيار أن يشار بأصابع الاتهام إلي لأني أهملت فصله عن المصدر. لذلك وجدتني أكظم مشاعر الحنق التي تلبستني و أنا واقف في صحن الجامع تأهبا للصلاة بدل التنفيس عنها. و اكتفيت بشعور ذليل بقلة الحيلة انقلب استحياء من الذنب و عشرات النظرات مسلطة علي بريب، لأن الناس حين يضبطونك متيبسا ترتجف من وقع الصعقة ينظرون إليك بامتعاض، و يعلقون بهزء و شماتة: تريسيان و ضربو الضو.. زوينة هاذي.
    هكذا لم أكن أعول على استنكار أحد من حولنا من الحركة العنيفة التي لم تغب عن انتباههم، و كاد فيها أن يخلع ذراعي من مفصلها و هو يسحبني نحوه بدعوى أني تركت طريقا عريضا كي يمر فيه الشيطان بيننا. ألسنا هنا لنكون صفوفا مؤلفة، و طرقا مقطوعة في وجه كل شيطان يتشيطن علينا منفقا وقته في التسكع في الطرقات و الشوارع التي نتركها لقلة ورعنا مشرعة في وجهه؟
    شدت انتباهي سيارة أركنت عن كثب مني بينما كنت أجالس عقا التريسيان. كانت ترافقه فتاة ذات ضفيرتين طويلتين مجدولتين فوق صدرها النابت. قطعا الشارع إلى الجهة المقابلة و اندسا في مدخل عمارة حديثة. عند التقاء سيارة نظيفة و شقة مودرن في رجل واحد يعسر على الألسنة، و لساني من بينها على سبيل المثال لا الحصر، البقاء على حياد. قليل من يملك سيارة نظيفة في حي لا تزال معظم شوارعه مبلطة بالتوفنة. المراهقة في عمر ابنته. حسناء إن تناسينا نحافتها و سقوط عجيزتها المبكر كثمرة شبعت نضجا. ثمة شيء في ملامحه يؤكد لي سابق معرفتي به. هرشت رأسي مفكرا. سألت عقا التريسيان عن ثمن كراء شقة من شقق العمارة الجديدة. رفع رأسه عن اللفيف الذي ينفتل بين أصابعه و دلاه لي فوق المصطبة الجاثمة في مدخل دكانه و سألني أي عمارة؟ عقا يتغابى، كأن البيوت التي لا يتعدى طوابق أطولها الثلاثة، النابتة كالقريص يمكن أن ترقى إلى التسمية عمارة. أشرت إليها مع ذلك.
    - ثلاثة آلاف و خمسمئة بواجهة و خمسة آلاف بواجهتين..
    سرت في جماع بدني رعشة كأنني استعدت ذكرى صعقة قديمة.
    تطاولت عيناي فوق بنيان العمارة الضخم التي التهمت مخازن الحبوب القديمة التي كانت مرتعا لنا عندما كنا أطفالا. لا أحد يعرف كيف نبتت و استطالت من طوب و إسمنت حتى أصبحت تتسيد الفضاء و تعكس سحابة من ظل كثيف تخيم فوق البيوت المقابلة لها. أعدت له اللفيف و عدت إلى فرجتي. رأيته يخرج من باب العمارة وحيدا و يعود إلى سيارته. سألت عقا إن كان يعرفه، رماه بنظرة و قال: قاطن جديد بالعمارة و لم يشح عنه، إذ يبدو أني أصبته بعدوى فضولي. فاجأنا و هو يفتح باب السيارة بنظرة و تحية. حييناه بأحسن منها و ابتسامة واسعة تطوح بين زاويتي فمنا إلى أقصى بعد ممكن. لم تكد السيارة تبتعد حتى جاءني صوت جاري ناعما يقول: ليس هناك أحلى من سيارته إلا زوجته.. و تلمظ.
    في كثير من الأحيان أقرع نفسي و أحثها على نبذ هذه العادة السيئة التي تشدني إلى الجلوس ساعات طوال أمام دكان عقا التريسيان، كأنما تلصق عجيزتي بالصمغ على كرسي الخوص الذي يمده لي، فتجعلني أبدو، في أحسن الأحوال، رجلا لا يحسن صنيعا سوى الغيبة. ثم إنني لا أطيق رائحة الدجاج النيء التي تفوح من دكانه بعدما قرر أن يحد من نشاطه مصلحا للأدوات المنزلية الكهربائية. لا يمنعني عنه إلا دكاني حين يكون شغالا، حيث أضطر للبقاء أحيانا إلى حدود منتصف الليل، لا أملك من وقتي فيه حتى فسحة صغيرة لسيجارة تهفو إليها نفسي لأفكر في دكان عقا. لو انتحيت جانبا لشربها لشربت تهكم شريكي أولا: ييه يا ولدي.. أنت اللي عطاتك الأيام. أشمن أيام أشمن زفت. مع ذلك لا يمكنني أن أبطر بنعمة العمل حين يدهمنا لأنه خير لي من إنفاق الوقت قابعا في الدكان أنش الذباب، و أشك فيما كنا سنفي بدفع أجرة الكراء للفاسي صاحب الدكان، و هو عجوز أبرص جلف، أول الشهر أم سنلجأ آنئذ إلى لعبة الإقفال بدعوى سفر طارئ لا يتجاوز زوايا و أقبية المقاهي. الواقع، ما يرجح في نفسي كفة دكان عقا أو ركني الأثير بمقهى باريز ليس الغيبة و هذر الوقت كما يبدو، بل ما قصدتهما إلا ليقصدني فيهما زبائني الذين يستعينون بخدماتي مثبتا للصحون على الأسطح، هكذا أجني بعض المال دون أن يكون لشريكي بدكان تصليح أجهزة الاستقبال الفضائية فيه نصيب.
    إن لم يكن المحل شغالا لا أعدم زبونا يدعوني إلى بيته. مئة درهم بالجيب و أنت مسترخ على كرسي في المقهى تجعلك تنظر إلى الأشياء من حولك بشكل مختلف. لذلك تعددت جوانب الرضا في حياتي وانتفى السخط الذي يحاول عقا أن يقاسمني إياه بلا جدوى، لكني لا أستطيع رفض مقاسمته الجوان حين يفرغ من لفه خلف الدكة الحجرية التي يضع فوقها الميزان و يمرره لي.
    في ركني بسطيحة المقهى لا تخطأ لحاظي لفيف من الكواعب الناهدات، فيهن السمر و البيض و القصار و الطوال و هن يتهادين صوب ثانوية علال الفاسي أو يدبرن عنها و عواء جرسها يرن في أذني. كان الحديث يسر عن وجود طالبة بينهن يمكنها أن تسعى لخطب ود الطالبات نيابة عنك مقابل بعض الدراهم، و أنك قد تفاجئ بالكاتالوغ الذي تضعه بين يديك. من مثلي؟
    أحيانا تتقاذفني الرغبات. فبينما أجلس إلى دكان عقا أجد إنه أئمن لي الظفر ببنت من بنات الليسي أدفع ثمن علاقتي العابرة بها نقدا مقدما مجنبا نفسي دفع ثمن فادح لاحقا كالدخول إلى السجن إن نمى إليه تجاسري على ابنته خصوصا أن اثنان لا يختلفان في كونه ضلع نافذ في المخزن. و في مقهى باريز أضيق ذرعا بصلفهن و تمنعهن، خصوصا حينما أكون مفلسا و يتناسى الزبائن وجودي.
    يقطع حبل خواطري قدوم السيارة و توقفها في ركنها المعهود كأنه نذر لها. ينزل و يفتح صندوقها. يخرج كيسا يضيق بمشترياته. لا يتبضع إلا من سوبرماركت يبعد مسافة كيلومترات عن المدينة و لا يكاد يقصد دكاكين الحي الصغيرة. دزينة صفائح جعة، أنواع مختلفة من قناني الشمبوان و مراهم الحمام، كأنهم في بيته لا شغل لهم سوى الاستحمام. لفائف ورق مرحاض في وقت تهتري فيه مخارج سكان الحي من ورق الجرائد القديمة و الدفاتر المهملة، زجاجة مايونيز الذي لن يضعوا لك منه فوق سندويتشك إن لم تكن لك حظوة عند صاحب السناك، و كروكيت قطة ابنته بينما قطط الحي ترنو على مبعدة إلى دكان عقا عل زبائنه يلقون إليها برؤوس دجاج بعد يأسها من عقا الذي دفع به جشعه إلى جعل الخدمة مدفوعة الأجر.
    لا أخفيكم أنه في بعض الأحيان تهفو نفسي الأمارة بالسوء إلى امتلاك سيارة. لو امتلكت سيارة لامتلكت كثير من الأشياء معها. لا يهم نوعها و حجمها، حسبي أن تكون نظيفة، أقصد بلا كدمات بارزة و أو عيوب في المحرك. سيارته مثلا. بل هي مطلبي لا أقل و لا أكثر. في قعدتي الطويلة كثيرا ما أتصورني أصل مقهى باريز على متنها. أحرص على إقفالها و أخف إلى المقهى مبرزا المفتاح في يدي كسبابة المتشهد في صلاة. حتى المكان المناسب لإركانها تخيرته جيدا بعيدا عن عبث المشاغبين. أو يكفيني أن أظل جالسا خلف المقود متظاهرا بعدم رؤية الكواعب اللواتي يختلسن النظر إلي و هن يمررن حذائي بدل أن أختلسه إليهن. لا أشك لحظة في إن انتظاري لن يطول قبل أن أقلع مخلفا الغبار فيما جارتي تحاول مداراة زهوها بإشاحة وجهها عن زجاج النافذة الذي تخترقه نظرات صويحباتها غبطة. في انتظار السيارة و كواعبها أكتفي باستراق النظر و أوطن نفسي على الانتظار. لكل امرئ دوره في هذه الحياة و دوري آت بلا ريب.
    كان يحج أيضا إلى مقهى باريز و يقاسمني الجلوس على سطيحتها. يثرثر في وسط من صحبه دون أن يرفع عينيه المثبتتين في شاشة هاتفه الذكي الموضوع على الطاولة، قبل أن يسحبه بغتة مودعا و يلوذ بسيارته. أفكر في الصنعة التي تمكن الإنسان من امتلاك سيارة لأنني لا أظنه يتسلق الأسطح ليثبت للناس صحونهم المقعرة. أين رأيته و متى؟ يا للمنخل الذي أحمله في جمجمتي بدل الذاكرة!
    يشاع أنه مدير وكالة بنكية كبيرة، و يدعي آخرون أنه مرشد سياحي تابع لفندق فخم، فيما لم يخفي عني أحمد البقال و هو يخفظ صوته و شفتيه تقتنصان أذني أنه يعمل لحساب DST.
    لا كاد يدع أياما تمر دون أن يوشمها بحفل من حفلاته الباذخة. كنت أقفل الدكان عند العشي لأقصد عقا. تكاد ضلف نوافذ شقته تخلع من فرط الدق و العزف و الغناء. أمام باب العمارة المشرع تتحلق زمرة من الطفيليين. الناس يدخلون أو يخرجون. نقترب. عقا جاره و أنا جار عقا. عار الجار على جاره كما لا تتعب أمي من الترديد. نندس مع الداخلين فيستوقفنا شخص على الباب بغلظة ليسألني حاجتي.
    - هنا ساكن الحاج بالمفضل؟
    يتأملني بضجر قبل أن يصرفني مدعيا أنه لم يسمع به قط.
    في اليوم التالي أقبل على دكان عقا. أجد شيخا يرتفق دكته و يجاذبه أطراف الحديث. يبدو غاضبا و هو يشير إلى العمارة في حديثه. حينما ينصرف أسأل عقا عنه فيقول لي إنه جاره في العمارة التي طير النوم عن عيون سكانها ليلة أمس بحفله و أنه يعتزم شكواه.
    انتظر دوري في مكتب البريد لصرف حوالة أرسلها شقيقي الأكبر الذي يعمل في أحد الفنادق الفخمة بدبي. الطابور طويل و موظف واحد محتقن الوجه خلف طاولة مكتب يصرف غضبه في خبط ختمه على أوراق ينشرها أمامه. قدامي شخصان يثرثران.
    - هل ابنته تزوجت؟
    - أليست هي من تزوج الأسبوع الفارط ؟
    - الأمر يتعلق بابنة ثانية إذن.. هنيئا لمن زوج بناته قبل بنينه.
    - أي بنت و أي زواج؟ يميل عليهما رجل آخر يسبقهما في الطابور ظل يسترق السمع مثلي مردفا: الرجل يضجر فيتسلى قليلا. ألا تضجران أنتما من عيشة الطوابير التي تبدأ و لا ندري متى تنتهي؟
    لم أر أحدا في الحي يذخر جهدا في التودد إليه و خدمته. جامعوا القمامة الذين يلمون النصف و يتركون النصف ينسون تقاعسهم عندما يجمعون أكياسه الملقية صباح حفل باذخ إلى آخر صفيحة جعة. باعمر حارس المرأب الليلي الذي يغلبه النوم قاعدا فوق كرسيه البلاستيك المبطن بفروة خروف، كما وثقت لذلك صور الهواتف التي التقطت له خلسة بينما كان يشخر، يصبح يقظا أرقا حالما يتعلق الأمر بحراسة سيارته. دون الإشارة إلى أن الطوابير لم تخلق لأمثاله. إذ يكفي أن يدلف إلى وكالة الكهرباء مثلا و يحيي الموظف الجالس خلف مكتبه في أقصى الحجرة حتى يحتفي به هذا الأخير و يفرد له كرسيا بجانبه، و قبل أن يحين دور التالي في الطابور يكون قد دس في جيبه وصل فاتورة الكهرباء و خرج على صوت الموظف مشيعا بألا ينسى تبيلغ تحاياه إلى زوجته و أبناءه. زوجته؟ حين رأيتها أمنت على رأي عقا بها و نزهته عن هلوسة الحشاشين كما كنت أعتقد. بدت لي ابنتها مقابلها مجرد مراهقة عاطلة عن أي غواية، الأحرى بها أن تتخلص من النمش الذي يغطي وجهها أولا. أحيانا كان سريري لا يضيق عنهما سويا. لم لا؟ لم يكن يعوزني الخيال بمجلسي عند عقا و لا بسطيحة مقهى باريز. طالما التهمت مشاهد )التريو( على الأقراص التي يؤجرها لنا الزروالي مقابل أربعة دراهم للقرص. يحلفنا أن نعيدها إليه بعد أسبوع، قبل أن يمدها لنا بنفس الثقة التي كتب بها عليها الشاب ميمون أو قصيدة الأطلال أو الدقة السوسية.
    كنت جالسا في ركني المفضل من سطيحة مقهى باريز عندما سمعت غضيفة الخطابة تنادي علي بصوتها الذي لا تملك حين يصلك إلا أن تغبط الأصم. أقول خطابة حتى لو انتهى سعيها بين طرفي الخطبة في غرفة موصدة، فتجيئها العروس صباحا كي تخبرها أنها تفضل البقاء مفلسة على أن تظل مشبوحة الساقين طوال الليل بلا نوم إرضاء لرغبات خطابها الجلف الشحاح. كانت غضيفة مارة بالمقهى حين لمحتني أو أنها ما مرت بها إلا لتبحث عني. كانت متطفلة لكعاء، من النوع الذي إن أراد أن يخبرك بشيء يفعل ذلك توا، بلا تحرج، كأنها تتخلص من جمرة على لسانها، حتى لو كان لا يزال يفصلك عنها عشرات الأمتار. قالت لي أن زبونا يطلب خدماتي. تظاهرت بالاهتمام بها مستعجلا في نفسي صرفها من أمامي، مستنكفا من زبائن يأتون من وساطتها. تلبثت أمام المقهى التي تعج برجالها تستحثني القيام مما أتاح لهم فرصة للفرجة، فأخذوا يرددون نظراتهم بيننا كألا شيء يشغلهم في الدنيا اللحظة سوى معرفة مآل سعيها.
    - واخا هانا جاي دابا دابا.. قلت مهادنا.
    لكنها أبت التحرك إلا عندما رأتني أنهي كوبي بحنق و أدفع ثمنه للنادل. و قبل أن تغرب عن وجهي رمتني بنظرة طويلة و هي تردد: و نوض شوف شغلك..
    لم يغب عني تلميحها كما أظنه لم يغب عن جيراني بالمقهى. نكاد نعرف عن بعضنا أكثر مما نتظاهر به من جهل. لكن ما أحنقني هو حدتها المبطنة بإلحاحها. كأنها توبخني على السعي لربط علاقات لا تباركها. ماذا تظن نفسها؟ الوكيل الحصري لشغل القوادة بالمدينة؟
    كان المساء قد حل. كنت أنوي المشي قليلا ريثما أتأكد من ابتعادها عن المقهى قبل العودة إليها. قطعت طريقا كيفما اتفق يلوب من زقاق ها هنا و زقاق ها هناك حتى بلغت الجامع. وجدتني أعطف على زقاق مررت فيه بفرن عمومي، و في أقصاه يقع صالون الكوافيرة. لن أزهد في زبون حتى لو أتى عن طريق غضيفة مادمت بلغت بيته. قالت لي السي.. حذاء زهور الكوافيرة. يخيل لي الآن أنها ذكرت اسما مثل السي الدعقالي أو البقالي؟ فكرت في سؤال الكوافيرة لكن حساسية شغلها جعلتني أصرف النظر. دنوت من بقالة قريبة. سألت صاحبها الذي يكاد وجهه يختفي خلف أقراص الخبز المتراصفة فوق منضدة تسد المدخل إن كان على علم بجار يحتاج إلى مصلح للبارابول.
    مرقت من باب العمارة و اتجهت قدما إلى المصعد حتى لو لم يكن هناك طائل من استخدامه. اكتشفت إني لم استقل مصعدا واحدا في حياتي بعد فأغوتني التجربة. الطابق الأول، ثاني باب عن يمين. قرعت الجرس. انفتح الباب. خفق قلبي و انخطفت ملامحي و وجه ابنته المراهقة يطالعني مقطب الجبين استفسارا.
    - مول البارابول
    أشاحت بوجهها عني صلفا و نادت: بابا.. قاليك مول البارابول. و اختفت في الطرقة دون أن تنظر إلي. رغم خشونتها لم أمنع نفسي من النظر إلى عجيزتها الساقطة نكاية. رأيته يطل علي من باب صالة مفتوح في أقصى الطرقة. يلبس بذلة رياضية و يدس قدميه في خف مخملي. انزلق تجاهي و هو لا يكاد يرفع قدميه عن البلاط المصقول. فغمتني من فمه رائحة يانسون قوية بينما كان يحدثني عن الرياح القوية التي حركت صحنه و جعلته يفقد إشارة التقاط البث الفضائي. أحسست بنظرات تتطلع إلي. حول طاولة مستديرة في صدر الصالة المفتوحة تجلس زوجته و ابنه و بين أيديهما ورق لعب. على الطاولة زجاجة باستيس شبه فارغة، كأسين مملوءين و طبق مازة صغير.
    شعرت بغضاضة بصدري لأنني سأظل مشبوحا في السطح بعيدا عن دفء الشقة التي لم أرى الداعي من الاستعانة بزجاجة باستيس لتدفئتها في وقت يكفل وجود امرأتان تفيضان أنوثة بذلك. لكني لم أعدم مسوغا للتردد عليها لألقي نظرة على شاشة تلفازها.
    فرغت من عملي على السطح في وقت متأخر لأني كنت وحيدا. رغبت عن ترك دفئ الشقة فتثاقلت أمام التلفاز. سألني إن انتهيت فادعيت له إنني بحاجة إلى قياس قوة الإشارة و توليف الباقات وفقها. اندس في لعبه و لم يلتفت إلي مرة أخرى. كنت أنظر إلى زوجته التي يبدو لي عارضها أكثر من الشاشة. مفرق نهديها الغائر يؤشر على كبرهما و تصلبهما داخل قميص يشف عن حزام سوتيانها. تساءلت إن كانا طبيعيين أم خضعا لجراحة تجميل، و أيهما أمتع بالفرك؟ الهدوء يخيم على الشقة إلا من صوت داهم من قناة أضبط التيليكوماند عليها فجأة أو زعيق ابنته المتسلل من غرفتها حيث كانت تدردش على الإنترنت على ما يبدو. أفقت من استيهاماتي على رنين محموله فجأة. طوح ذراعه الطويلة و التقطه من فوق خوان مجاور.
    -ـ آلو؟
    ..
    -ـ نعم أنا هو
    ..
    -ـ شكون عطاك النمرة؟
    ..
    -نظر إلى ساعة معصمه بضيق و قال:
    -ـ أنت تمزح.. الوقت تأخر
    ..
    -ـ طيب، طيب، سأتدبر أمري.. قلت لي هم في حاجة إلى ثلاث؟ ثم أغلق الخط. التفتا إليه. هز عينيه دون أن يقول شيئا و أطرق ساهما في التفكير. في لحظة تناول مفكرة من فوق حاشية جدار نصفي يحد الصالة، قرب مزهرية مزيفة الورود، و ركب رقما منها على هاتفه المحمول. ألقى بضع كلمات فيه و أقفل الخط. ركب رقما جديدا من المفكرة. الكلمات نفسها تقريبا ثم أقفل الخط. رقم جديد، الكلمات نفسها.. ربما ركب الرقم الرابع أو الخامس قبل أن أفيق من شرودي على صوته المرتفع موحيا جرسه بثقة لا حدود لها:
    -ـ طيب، طيب لا تتأخري علي يا بنتي، نعول عليك.
    ثبت نظراته في عيني زوجته دون أن يقول شيئا ثم التفت إلى ابنه الذي كانت نظراته معلقة بالمحمول في قبضة أبيه. فوجئ به يقول: هل أنادي على سلمى يا بابا؟
    كأن الصبي لم يكن ينتظر سوى إيماءة أبيه ليخف إلى غرفة أخته الكبرى و يندس فيها. لم يلبث إلا قليلا حتى عاد إلى أبيه يقول: بابا.. قاليك راها نعست..
    -ـ سر فيقها.. واش وقت النعاس هذا؟ سلمى.. يا سلمى..
    قال بحدة حتى تناثر زبده من بين شفتين متيبستين من فرط التدخين، و نفر عرق في جبينه. اهتز صدري بأحاسيس متباينة. قامت زوجته عن الطاولة باستكانة و دلفت إلى زاوية لتجلس خلف منضدة تعلوها مرآة مثبتة في الحائط. فتحت درجا و انهمكت في تزويق وجهها. خرجت سلمى تدعك أهدابها المحمرة. جرت كرسيا بعنف من المنضدة المستديرة التي ظلت أوراق اللعب مبعثرة على سطحها دون أن تكترث بسخرية أبيها مؤنبا: إكسريه أحسن. وضعته جنب والدتها و تهالكت عليه. تناولت من فوق المنضدة مشطا بدأت تصفف به شعرها بعصبية متحينة فراغ والدتها من زينتها لتأخذ مكانها.
    تناولت مخلاة أدواتي التي جاد بها والدي علي مستغربا احتفاظي بها رغم رثاثتها و رقعها المفككة. نزلت الأدراج و أنا لا أكاد أشعر بقدمي فوقها. ذرعت الردهة التي تفصلني عن باب العمارة. لما فتحته فوجئت بشبح يميل برأسه على أزرار أجراس الشقق المتراصفة على حاشية في إطار الباب. من خلال الضوء المتسرب من مصابيح الردهة ذات الإضاءة الأتوماتيكية رأيت امرأة قانية الشفتين لا تني عن حكهما ببعضهما البعض معممة لون الطلاء عليهما تحدق في. كل شيء فيها يعكس ضيق وقتها و استعجال فراغها مما هي بصدد فعله، من أحمر الشفاه الذي مررته على شفتيها إلى الجلباب التقليدي الذي ألقته على بدنها. لزوقه بها يجعلني أشك في وجود حائل بين قماشه و بين اللحم. ربما لم تشذ عن هذه القاعدة حتى لحظة الطلق التي مكنت والدتها من التخلص من الجنين الذي كانته. رمتني بابتسامة متقصعة كما ترمي أول شخص يمر بالرصيف المظلل بأشجار حديقة مهملة يفاجأ بتربصها.
    -ـ لو سمحت.. هل هنا يسكن رجل يدعى.. السي.. أووه يا لي من نساءة! ربما يكون أقصر قامة منك، شعره أملس، يمشطه إلى الأمام حتى يغطي ناصيته.. يملك سيارة من نوع..
    -ـ تقصدين السي.. السي قاف؟ الطابق الأول، ثان شقة عن يمينك.
    خيل إلي إني أعرفها. أردت تذكر أين رأيتها من قبل لكن ضوء الردهة انطفأ فجأة لتصبح شبحا بلا ملامح وثب فجأة إلى الردهة تاركا عطره النفاذ كدليلي الوحيد في غياهب الذاكرة، لكني هززت منكبي باستهانة مطلقة و أوليت ظهري للعمارة.

    بروكسيل 30 مارس 2016


    كاتب و مترجم مغربي مقيم في بروكسيل
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..