أمل الكردفاني - إكليل يسوع- قصة قصيرة

- جاء الأزرق...
منذ الصباح الباكر ينتظم الصبية التلاميذ في طابور المدرسة ؛ يتململون ويصخبون ؛ روحهم النشطة ولياقتهم البدنية العالية تجعلهم غير قادرين على الثبات والصمت ، فهذان أمران مستحيلان في مدرسة وسطى ؛ لكنهم فجأة يصمتون وينتظمون حين يرون دخول ذلك الاستاذ النحيل ذو الجمجمة الكبيرة المفلطحة من أعلى بحيث تميل وتبرز في جزئها الخلفي أكثر ، يهمس أحدهم: - وصل الأزرق... فينتقل الهمس في دفعة زمنية واحدة الى الجميع.
الأزرق رجل لا تستطيع تحديد سنه ، لا تعرف ان كان ثلاثينيا أم اربعينيا ؛ فهو قصير.. بشرته قمحية ووجه غير حليق او أن لحيته محلوقة بشكل عشوائي نسبة للدمامل والبثور المنتشرة على وجنتين جافتين عظميتين ؛ تنحدر لحيته الى رقبته في شكل نقاط فلفلية حتى تفاحة آدم الكبير والتي تبرز الى الامام عكس بروز جمجمته إلى الخلف فيعطيك المشهد شكل علامة الاستفهام ، شعره اسود خشن ومنكوش دائما ، قسماته صارمة وغاضبة ؛ عيناه دقيقتان جدا وحاجباه الكثان مقرونان في حموة غضب مزمنة. ملابسه رثة ؛ يمكن رؤية فنيلته الداخلية الممزقة من خلال قميصه الذي صار شفافا من القدم ، ولا يمكن معرفة لون القميص ان كان أبيضا متسخا أم رماديا باهتا ، ساقاه النحيلان يغوصان في بنطلون قماش اسود أو بني ؛ فلا يمكن أيضا تحديد اللون بدقة ، ينتعل شبشبا بلاستيكيا قديما تبرز امشاطه من مقدمته ، اصابع قدمين ذات سلامات نحيلة واطراف متورمة ، أصبع رجله الكبير ضخم جدا ومع ذلك فظفره قصير ومكرمش جراء اصابته بالفطريات.
الأزرق أو أبو غضب كان بطل مسلسل سوري ، كان ملكا جبارا انتقم منه ابناؤه الذين لم يكن يعرف أنهم ابناؤه في نهاية المسلسل. وقد اسبغ التلاميذ على الاستاذ هذا الاسم ؛ وعلى نحو ما انتشر الاسم ليبلغ حتى الناظر وباقي الاساتذة.
المدرسة الثانوية حكومية ، جمعت ابناء الطبقة الفقيرة والوسطى وقليلا من البرجوازية يعدون على أصابع اليد. صبية الطبقة الفقيرة تفوح منهم رائحة حطب محترق ، اسنانهم غالبا ما يغطيها الجير والأوساخ ، وشارات المدرسة المدبسة على جيوب قمصانهم بشكل عشوائي جدا ، تمزق دبابيسها القماش الرث. وهم حاقدون جدا وألفاظهم نابية ، ولديهم عنف جسدي ولفظي ضد ابناء الطبقة الأعلى ، وأكثر من يتعرض لتهديدهم هو من يحصل غالبا على المرتبة الأولى. هناك منهم أيضا طلاب أكبر سنا وبنية وهم المراهقون ، وغالبا ما يكونوا أقل اهتماما بالدروس بقدر اهتمامهم بلقاء الفتيات والهروب من المدرسة. وإذا حدث وأن بقوا في الحصة فإن مقاعدهم دائما تكون في الخلف حتى يتعاطوا السجائر والصعوط دون أن يلاحظهم أحد ، إنهم مراهقون مع صبية صغار ، ويبدو أن هذا يشعرهم بالحرج كثيرا.
- وصل الأزرق ..
يدلف الطلبة إلى الفصل الذي يحتوي قرابة سبعين تلميذا منهم. وحصة الأزرق التي يصمت فيها الجميع ليست مشوقة بالمرة ، فالأزرق رغم حجمه الضئيل لكن قلبه كان قلب أسد ، كان يصفع المراهقين بسبب وبغير سبب ، فيخشاه الصغار. غاضب دائما ، مكفهر الوجه ، بائسا بحيث يبدو كمن لا يملك شيئا يخشى عليه وهذا ما كان يخيف التلاميذ المراهقين منه. كان يبدو سكيرا صعلوكا أكثر منه استاذا. يدلف إلى الفصل ببطء ، يتحدث بكلمات متقطعة وبقرف ، كان يعلم أنهم لا يفهمون ما يقوله لأنه في الواقع لم يكن يقول شيئا يفهم... كان يؤدي عمله من أجل مرتب شهري لا يكفيه ثمن زجاجة العرق.
وبما أنه لا يملك منزلا فقد قبل بتوظيفه في هذه المدرسة لكي يسكن في ميس المعلمين. والميز ليس أكثر من صالة مستطيلة ضيقة تتوزع عليها اسرة حديدية قديمة مبرقعة بالصدأ ومراتب متسخة بماء الصعوط والأرض ترابية والسقف من الزنك الحار ، مع ذلك فهي أفضل من لا شيء. كان لا يتحدث مع باقي الاساتذة إلا لماما ، يرتمي بملابسه الرثة على السرير ، ثم يكور بأصابع يمناه قطعة الصعوط الكبيرة قبل أن يحشرها بقسوة ما بين شفته السفلي والأسنان. يفتح الراديو الترانزستور الذي يعمل بالبطاريات الايفر ريدي الحمراء ، على إذاعة البي بي سي المشوشة ، ثم يشبك ساعديه خلف رأسه ويغمض عينيه الغاضبتين دوما... وفمه مفتوح نصف فتحة حتى يمنح قطعة الصعوط بعض الهواء فلا يسيل لعابه.
ينام الأزرق نوما متقطعا ، ساعتين ثم يستيقظ ، يتف الصعوط ويشرب كوب ماء من الزير خارج الميس ، ثم يعود للرقود. إلى أن تشقشق عصافير الفجر المتفائلة دوما والمصابة بفرط النشاط.
لا يغسل الأزرق اسنانه بل ينهض ويدخل الى الفصل ويتكلم كلاما غامضا متقطعا ثم يعود لغرفة مكاتب المدرسين ، فيجلس الى كرسيه الحديدي المؤلم لإليته النحيلة ، وأمامه كراريس التلاميذ التي يصححها دون أن يقرأها ، فهو فقط يضع علامة خطأ بشكل سريع على الاجابات.
الأستاذ بدر الدين عكسه تماما ، كان فظا أيضا وغليظا ولكنه مهندم ومهتم بشكله ، ويكره الأزرق وإن كان يخفي كرهه هذا حينما تلتقي نظرات الرجلين. وهناك أستاذ آخر شفوق جدا ، وهذا ما كان يجعل الطلبة أكثر جرأة على الشغب في حصته ، فكان يطلب من بدر الدين جلد الطلبة المشاغبين ثم يخرج من الفصل حتى لا يراهم ويسمعهم وهم يتألمون ويصرخون. ونسبة لأنه كان طيبا بما لا يتناسب مع قصتنا فسنهمل اسمه ، فلا مكان هنا للطيبين.
في فجر يوم السبت سمع التلاميذ ضجة كبيرة وصوت صراخ وتحطم أشياء فهرعت جمهوعم إلى الميز ، الناظر كان رجلا طيبا وكان يحاول حجز الأزرق وبدر الدين ومنعهما من العراك ، تلقى الاستاذان ركلات ولكمات بعضهما باستبسال ، وامتلأ وجهاهما بالدماء ، كان أستاذ بدر الدين يصيح:
- يا شيوعي يا كافر...
فينقض عليه الازرق ويلكمه بعنف وهو يسب أمه وفرج أمه ، فيصيح بدر الدين:
- تسب أمي ... ثم ينقض عليه وينطرحا أرضا... الأستاذ الطيب الذي لم نعطه إسما هرب من الميس ، والناظر يصيح:
- عيب عليكما... انتما أستاذان .. ماذا سيقول الطلبة وهم يرونكما هكذا...
لكن العراك لم يتوقف... الأزرق كان يسب بدر الدين سبابا شديدا حتى حينما يخنقه الأخير فينجرح صوته ، ثم ينقلب الاثنان فوق التراب.
كان بعض التلاميذ صغار السن خائفين ، حتى جاء الرهيد ، وهو خمسيني ضخم الجثة يدير مطعم الفول في المدرسة ، لم يفعل شيئا سوى أنه حشر يده اليمني بين الرجلين ثم ابعدهما عن بعض. كانا متعبين والدماء والأتربة تغطي وجهيهما...صاح الرهيد:
- امشو غسلو وشوشكم...
فحمل كل من الرجلين ابريقا وغسلا وجهيهما وزادا على ذلك بأن شطفا ايديهما وارجلهما. وخلع الازرق قميصه ثم جلس على الكرسي.
أخذ الناظر بدر الدين معه الى مكتبه حتى يمنع تجدد العراك.
قال بدر الدين للناظر:
- الزول دة كافر... شيوعي ملحد...
كان بدر الدين - وبتصميم مسبق- قد طلب من الأزرق إما ايقاف المذياع او الاستماع الى قناة القرآن. فلم يجبه الأزرق بكلمة ، فقام بدر الدين باغلاق المذياع ، وهنا قفز الأزرق وسب الدين لبدر الدين ، وحدث بعدها ما حدث.
قال الناظر لبدر الدين:
- لا تدخل معه في مشاحنات .. ان كان شيوعيا فهذا شأنه...أنت ترى الآن البلد وقد امتلأت بالخمارات وبيوت الدعارة جراء ما يسمونه بالدموقراطية .. لو وصل ما حدث منك للوزارة فستتم اقالتك...
صمت بدر الدين وقد انتفخت اوداجه ، والسكسوكة التي تحيط بفمه كانت مضمخة ببعض الدم والتراب فمسحها وقال:
- ستنتهي هذه الفوضى خلال هذه الأيام...سنصل الى السلطة وحينها سيتذوق هذا الشيوعي التافه عاقبة كفره.
- حسنا.. اجلس الآن..واشرب كوب الماء هذا....ويفضل أن تعود الى منزلك اليوم مبكرا ولا تعد الا بعد اسبوع...
قال بغضب:
- ولماذا لا يذهب هو؟
- لأنه ليس لديه مكانا ليذهب إليه... انه كائن عدمي ولا معنى لوجوده يا أستاذ بدر ... صحيح أننا جميعا فقراء وهذا حال جميع المدرسين في هذا البلد لكننا لا نظهر هذا البؤس ... أنت مثلا متزوج وتسكن مع أهل زوجتك .. ترتدي ملابس نظيفة .. تعطي دروسا خصوصية فتغطي عجز ميزانيتك قليلا..لكن هذا البائس لا يفعل شيئا...طلبت منه أن يعطي دروسا خصوصية لكنه كاد أن يضربني .. حقيقة حدجني بتلك النظرة الغاضبة المحتقرة ... فغيرت الحديث بسرعة..
قال بدر الدين بحقد:
- ربما يدعي أنه اخلاقي .. لو كان كذلك فما عليك سوى أن تنحني تحت سريره لترى أكوام زجاجات العرق .
أنهى الناظر حديثه:
- على أي حال هو معين من الوزارة ولا استطيع فعل شيء ضده .. فرفض تشغيل اذاعة القرآن ليس مبررا كافيا لتقديم شكوى ضده... غادر الآن ونلتقي بعد اسبوع... سأوجه مدرسا آخر بتغطية حصصك.
ركب بدر الدين دراجته النارية وغادر المدرسة بسرعة ، وقد تعمد التلاميذ عدم النظر إليه وهم لا يعلمون سبب ذلك.
اغتسل الأزرق وارتدى ملابسه نفسها ثم ارتمى على السرير الحديدي ، وكور قطعة صعوطه وحشرها بين شفته السفلى واسنانه ، ثم أدار محطة البي بي سي... ونام بفم مفتوح نصف فتحة.
كان الناظر يتمنى أن تهدأ النفوس قليلا بعد اكتمال الاسبوع وعودة بدر الدين ، لكن قبل يوم واحد فقط من نهاية الأسبوع حصلت المفاجأة التي لم يكن يتوقعها أبدا ؛ وتذكر حينها حديث بدر الدين الذي أسر له فيه بغير وعي عن اقتراب وصولهم إلى السلطة.
اختفي بدر الدين بعد ذلك لثلاثة أشهر ، وظل الأزرق طوال هذه الفترة يمارس روتينه اليومي ، وحينما دخل الى المستراح ، أنزل بنطلونه وبدأ في التغوط وهو يدخن سجارة رخيصة ، ولم تمض برهة حتى تفاجأ برجال يدلفون الى المستراح الذي لم يكن له باب أساسا ، ويقيدوه بشدة ، ثم يغطوا رأسه بكيس قماشي.
رأى الطلبة والناظر وحتى الرهيد ما حدث ومنعهم الخوف من فعل شيء ، كان بنطال الازرق قد سقط تحت ساقيه وهم يجرونه إلى سيارتهم ، فظهر لباسه الداخلي الذي لم يكن أكثر نظافة من قميصه.
وداخل غرفة مظلمة تعرض الأزرق لصنوف التعذيب.. كان يسمع صوتا مألوفا يصيح:
- انحكوا دين الشيوعي الكافر...
لم يستطع الأزرق استجماع ذاكرته من جراء الضرب والصعق بالكهرباء والنفخ المؤلم ، لكنه لم يفقد وعيه ، لم تكن عشر زجاجات من العرق كافية لافقاده وعيه ، جمجمته البارزة إلى الخلف لم تكن مجرد تطور غير مفيد لجينات أسلافه...
وحينما غطسوا رأسه في الماء ليختنق شعر بقليل من النشوة ومضت دقائق أخرى حتى أخرجوا رأسه.... وسمع الصوت المألوف يقول وهو يوقد عود كبريت ويشعل به سجارة:
- ستجرب الآن طعم النار على جسدك يا كافر... وبعدها سأدق مسمارا على جمجمتك لترحل الى السماء فتعلم إن كان هناك إله أم أن الحياة مادة...
حدق الازرق في وجه الرجل على ضوء الكبريت ورآه يبتسم ابتسامة صفراء وهو يقول:
- نعم أيها الشيوعي الكلب... أنا من رفضتم حتى أن تمنحوني إسما في قصتكم التافهة...
ثم بدأ في دق مسمار على جمجمة الأزرق وهو يقهقه بوحشية.

(تمت)

هذا النص

ملف
أمل الكردفاني
المشاهدات
169
آخر تحديث

نصوص في : قصة قصيرة

أعلى