نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

محمود عبدالوهاب - الأشياء التى فهمتها.. قصة قصيرة

  1. فى الماضى البعيد لم أكن أفهم سبب بكائها، حيث كنت بمجرد فتحى لباب الشقة تسيل دموعها ثم تبكى بصوت مسموع وتبلل وجهى بدموعها، وتحتضننى، وكنت أتحسب لهذه اللحظة كثيرا وأتمنى ألا تحدث، كنت أتمنى مثلا أن تحيينى وهى مبتسمة، أو أن نتبادل الوعد باللقاء اللاحق دون انفعالات قاسية، لكن هذا لم يحدث أبدا على مدار العمر.
    كنت صغيرا عندما كنا نحضر إلى القاهرة فنقيم فى بيت جدتى، وبسبب ظروفى الأسرية كنت أنا الطفل المدلل، البكرى، وكان البيت بيتى بالفعل والكل يتسابق لتدليلى، أما جدتى فقد كنت أول نسلها من بناتها، والذكر الوحيد وسط بناتها، خالاتى، بعدما توفى خالى وهو فى السابعة والأربعين دون زواج.
    أظل أقول لها أننا سنتقابل ثانية فى العيد الكبير مثلا، أو فى إجازة الصيف، كنوع من التسرية عنها، وأن المسألة لن تطول عن شهور، ثلاثة أو أربعة أشهر على الأكثر، لكنها لن تطول عن هذا، لكنى ما أن افتح باب الشقة حتى تأخذنى فى حضنها وتبكى.
    كنت فى الواقع أحزن لمغادرتى بيت جدتى هذا العامر بالحنان، ففى الإسكندرية بيت أبى المشهور بصرامته وبعدم ميله للتدليل، خاصة أننا ثلاثة أبناء ذكور، وهو كبير فى السن نسبيا عن أمى، ويخشى إذا حان الأجل أن "البيت حيتخرب" وأنا لا أفهم كيف؟ ما الذى سينخرب حقيقة؟ سنكمل تعليمنا وستسير الحياة بنا كما تسير مع الآخرين، لكن ما فهمته لاحقا أن أمى لم تكن ستقوى على ثلاثة أبناء ذكور بشخصيتها الوديعة المسالمة، وهذا ما كان يخشاه وكان –فى الغالب- على حق.

    فهمت أشياء كثيرة بتقدمى فى العمر، منها أن الإنسان يكون أكثر رهافة وميلا إلى البكاء، ببساطة لأنه قد صار عنده ما يشتاق إليه، ما يفتقده، كالأهل الذين غادروا، وكالصحة التى تتراجع تدريجيا ولو بأقل قدر، وبالمسارات التى سار فيها وفضلها عن غيرها، والآن يتمنى لو عاد الزمن فيغير من اختياراته، كاختيار المهنة، أو شريك الحياة، أو أن يتراجع عن التورط فى صراعات عائدها صفرى، وتحمّل فقدان بعض الأصدقاء والمعارف كنتيجة طبيعية لبعض المواقف الحادة.
    كثيرة هى أسباب البكاء –إذن- أو الشجن، ولكن كيف يفهمها من لم يختبر شيئا بعد من الحياة، وكيف يرى الألوان غير المبصر؟
    مرت أعوام كثيرة منذ وفاة جدتى، ولا أزال أذكر المرة الأخيرة التى ودعتها فيها على باب البيت، لم تبك، سألتنى خالتى الواقفة بجوارها:
    - جاى إمتى؟
    كنت فى التاسعة عشر، وأصبح حضورى للقاهرة شأن خاص لا دخل للعائلة به، أجىء وقتما أشاء، وأرحل متى أشاء، ردت عليها جدتى ردا لم تتفوه به من قبل:
    - سيبيه براحته، هو لما يحب ييجى حييجى
    فى نفس العام ماتت.


    كنت قد تعديت الخمسين لما ماتت أمى، وبصرف النظر عن توجسى الدائم من يوم وفاتها المرتقب، على أساس حالتها الصحية وتعديها الثمانين، وقلبها الذى ضعف، وشعورها شبه الدائم بالبرد نتيجة ضعف الدورة الدموية، أقول أنه بصرف النظر عن كل ذلك، إلا أن ماحدث بعد ذلك كان هو اكتشافى المدهش بالنسبة لى.
    فبعد انقضاء اليوم الأول وعودة شقيقىّ كل إلى بيته سكن كل شىء لعدة أيام، ثم جاءتنى مكالمة من أخى للاطمئنان وتبادل الأخبار، كانت أول مرة أسمع فيها صوته من بعد وفاة أمى، وتخيلت للحظة مرت كبرق، أن ما من شىء أجبره على الاتصال بى، وأن الرابط الذى كان بيننا قد انقطع، وأن علاقتنا المستقبلية أصبحت رهينة إرادتنا فقط، ليس هناك من يرعاها، ولا نحن نقيمها ارضاء لأحد، وأننا أصبحنا كبارا، على الأقل أنا، أصبحت الأكبر، فبكيت بعد المكالمة، وكانت أول اختبار لعلاقتنا بعد وفاة الأم.
    وإلى الآن نتبادل الزيارات، ويدهشنى فى كل مرة العمر الذى انقضى منذ أن كنا أطفالا بالأمس، لا أتذكر كيف مر، ولا فيم قضيته، نسيت كل التفاصيل وأصبحت حياتى مقسمة إلى جزأين: صباى، واليوم.
    منذ أسبوع أيضا زارنى أخى الأصغر، كانت معه زوجته وابنه الجميل، مكثا معى ساعتين وقوفا حيث كنت أجرى تجديدات كبيرة فى بيتى، شملت كل شىء تقريبا، المطبخ والحمام وأعمال الدهانات، كان همى أن أمحى اللون القديم الذى اعتدت عليه والذى عاصره الأهل، محوت كل شىء قديم للتخفيف من غلواء الذكريات.
    استأذنوا فى الانصراف حيث كانوا مسافرين إلى الإسكندرية، خرجت معهم إلى حيث المصعد أديره لهم بالمفتاح، ألحوا على فى القدوم للإسكندرية، وأن أحاول أن أعد نفسى، ثم جاء المصعد فركبوا بعد أن قبلت ابن أخى واحتضنته، وبعد أن غادروا طفرت الدموع من عينى.
    خبرت من حياتى أيضا أن الذى يضحك كثيرا يبكى كثيرا وسريعا، وأبى كان رجلا ضحوكا مبتكرا للنكات خاصة عند اجتماع العائلة، يحكى فى وجود خالتى وزوجها، أو فى وجود خالاتى وأمهن، حماته وجدتى، عن ذكرياته بلا انقطاع، عن ذكرياته فى سهرات نادى الترسانة ونوادر لاعبى الكرة، أو عن صديقه الذى كان يسهر يوميا حتى الفجر ثم يعود الى البيت فى الحى الشعبى فيصعد السلم الخشبى المؤدى إلى باب الشقة ويفتحه، فإذا استيقظ أحد أبويه الكبيرين فإنه يسأله عما إذا كان سهرانا بالخارج كل هذه الفترة فيجيب بلا، وأنه عاد مبكرا فنام، ثم استيقظ لصلاة الفجر فنزل يصلى وعاد.
    يقوم أبى فى تلك السهرات بالتمثيل الجسدى لحركة فلان أو علان فى المشى، ويقلد نبرات صوته فيسعد الجالسين ولا يكتفى، بل يبحث عن موضوعات أخرى كمادة للضحك، والنتيجة سعادة للجميع.

    ثم فى جلسة جمعتنى به فى أحد شهور الصيف، وكنا وحدنا فى المنزل، بدأ يحكى لى عن أمه، جدتى التى ماتت وأنا فى عمر أربعة شهور، فأدركتنى ولم أدركها.
    استرسل أبى فى الحكى لعدة دقائق، شرح لى فيها كيف كانت أمه تدنيه بقربها على الكنبة فى حنان وتحتضنه قائلة له:
    ـ تعال اقعد جنبى يا عبده


    سالت دموع أبى فجأة وتحشرج صوته، وأنا –ابن الحادية عشر- مذهول مرتجف فى داخلى، وسؤالان يطحنان عقلى، الأول هو أين هذا الضعف يختفى؟ والآخر كيف لا يزال يبكى أمه بعد مرور أكثر من عشر سنوات؟
    مسح دموعه وتدارك نفسه أمام إبنه الأكبر ثم سألنى:
    -انت أخدت بالك إن أنا عيطت؟
    وأنا أجبته –متحرجا- بالإيجاب، والآن فقط أعلم بوضوح إجابة السؤالين، أولا: يختفى الضعف وراء الضحكات، وثانيا: لا توجد سنوات تكفى لنسيان الأحباء.
    ثم كنت فى الخامسة عشر حينما رأيته يبكى للمرة الثانية، كانت أمى مسافرة لمحاولة إيجاد عمل فى "أبو ظبى" بعيدا عن عملها الحكومى، مدفوعة برغبتها فى توفير لقمة العيش لأسرتها، خاصة بعد خروجه إلى المعاش من وظيفته الحكومية، وعدم توفيقه فى البحث عن عمل، وازدياد مطالب ثلاثة صبيان. عارض أبى سفرها لفترة ثم رضخ تحت تأثير الواقع ونمو قيم الانفتاح، وفى يوم السفر كنا فى القاهرة، وأمام باب العمارة فى بيت جدتى أنزلتُ حقيبتها ثم دخلت إلى حيث يقفان. فرأيت أبى يقف أمام أمى وجها لوجه، ثم ينهار فجأة باكيا على صدرها، وأجرى أنا مهرولا إلى فوق متجنبا المشهد برمته.
    الآن فقط أدرك أنه لم يكن قويا كما كنا نتصور نحن أولاده، كان قاسيا نعم، معاقبا بالضرب أحيانا وقت الواجبات المدرسية، لكن دافعه لم يكن القسوة، بل الرهافة، وعلى كل حال، فقد نسيت نفورى الشديد منه وقت صباى، وحل التفهم الكامل، والتسامح، والحب، والإحساس بالصداقة، محل ذلك الشعور البغيض، وكلما أتقدم فى العمر تحل المسامحة محل أى شعور آخر، ليس تجاه أبى فقط، وإنما تجاه نفسى أيضا، أعلم أنى ضعيف وأسامح نفسى، وأعلم أن الآخرين ضعفاء فأسامحهم، وليس لى من حاجة حقيقية فى هذه الحياة سوى أن يسامحنى الناس على أى أذى عساى أكون ألحقته بأحدهم.



    عن:
    بوابة الحضارات | قصة قصيرة.. الأشياء التى فهمتها
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..