عباس علي عبود - المشهد

«الـقشَّاش»، صاحت امرأةٌ مبهورة الأنفاس، مشيرةً بسبابتها إلى عرض النهر. انداحت الحروف مع الموج الهيِّن، وانطلقت الدهشة من بؤرة الترقّب وسط أهالي البلدة المنتشرين على الضفاف. فهل ظهر القشَّاش حقيقةً أم لعلها أوهام الانتظارِ والشمس تدنو للمغيب.

القشَّاش: قدمان حافيتان وغبار ترحالٍ عنيد. يجوب الصحارى والدروب. وحيداً يواصلُ مسيرته الفذَّة مِن أقاصي الشمال إلى الجنوب. يغزلُ الخيوطَ من لحاء أشجار المهوقني والهشاب. بلا كللٍ يغزلُ الخيوطَ وينسج.

عند الضحى كانت رائحةُ البنِّ عابقةً حول نساءٍ اجتمعن لاحتساء القهوة. إحدى القادمات لتوِّها قالت لهنَّ «المكتوب على الجبين». تملْملَتْ عند جلوسها وهي تُحرِّر ثوبها المنسدل على كتفيها. وحين دارت فناجين القهوة وتناسلت الأخبار دبَّ القلق في صدرها لكنها واصلت صمتها. وحينما فَتَرَت حميمية الجلسة وبدا أنَّ النسوة سينصرفن الواحدة تلو الأخرى؛ فاضت الكلمات من صدرها وتدفقت. قالت إنَّ طيوراً حلَّقت ثم دارت فوق المشهد. ظلَّت الطيورُ تدور في الأعالي ثم هبطت في مسارٍ لولبيٍ حتى كادت تُلامس التراب. بعضها حطَّ قريباً من فتىً ظلَّ واقفاً مترقباً ينبضُ بصدرهِ نداء الهروب. وبينما الطيورُ تحلِّقُ وتدور، نظر إليه القشَّاش بعينين دامعتين؛ فانبلج حزنٌ ساطعٌ، انتاش خيال الفتى؛ فاقشعرَّ بَدَنهُ فأدركَ قبساً من قَدَرٍ مكتوب.

لم يصدق أحد، وربَّما لن يصدق أحد، أنَّ القشَّاش يمكن أنْ يتوقَّف عن المسير. لا أحد يدري متى بدأ مسيرته الفذَّة. يمشي على الدوام كأنَّه على صراط الحنين! قيل إنَّهُ خرج من مغارةٍ في جبل البركل بعدما اعتكف بداخلها لسنوات. ومنذ خروجه لم يتوقَّف عن المسير وربَّما لن يتوقَّف! غاصت قدماه في مستنقعات المجاهل الاستوائية، لكنه بلا كللٍ واصل المسير. وفي الصحراء الكبرى، غير بعيد عن مجرى النيل، ضربت قدماه في متاهة الرمال الشاسعة. وشُوهِد مرةً على قمة جبل مرَّة، ثم انحدر إلى المراعي الخصيبة. فمتى عَبَرَ أمام البلدة الوادعة على النيل الأبيض؟ وهل جاءها على قدرٍ أم أنها المصادفة. يسير شرقاً وغرباً شمالاً وجنوباً. قريباً من الضفاف ومتوغلاً في كبد الصحارى وأعماق الغابات، يمشِّط التلال والوديان؛ لينسج وطناً فريداً، وقِبلةً للناس أجمعين.

القشَّاش تصدَّر حديث المجالس في البوادي والمدن. وعندما احتدمت عتمة الأيام، وهوَّم فوقهم ليلُ المسغبة البهيم، قال بعضهم «إنَّه سيكمل ترحاله العنيد بعد أنْ يغزل من مياه النهر خيوطاً فضيةً؛ ليطرز بها نسيجه الفريد. وعلى الضفاف، تداول الفتيان حكاية الفاتنة التي أغوته، أو كادت، حين رقَّ قلبه إليها، وربَّما اجتاحته رغبةٌ عارمةٌ ليلامس جسدها الناهض فوق صخرة الغواية.. وقالوا إنَّ الفاتنة حاولت مراراً. حدسٌ ما ظلَّ يقود خطاها إلى الخلاء شرقي البلدة. وفي المرة الأخيرة استطاعت أن تدركه. فهل انصاع لغوايتها؟ ولماذا القشَّاش؟ هل تبحثُ عن بعلٍ خارقٍ لتحبل منه؟ أم لعلها تتحدى نفسها بعدما أغوت الجميع من حولها ولم يعد يثير اهتمامها إلا هذا الرجل الذي لا يتوقَّف عن المسير! وقيل إنَّ الفتى كان عشيقها الأخير. وإنَّ رفيقه راودها فصدته فأضمر الشر. فهل لمع النصلُ تحت ضوء النجيمات البعيدة؟

ظلَّ الفتى ورفيقه يتسامران على رصيف النهر حتى انتصف الليل، ثم انحدرا إلى زورقٍ يرسو على الضفة المنبسطة. تحت أستار الظلام ركبا الزورق. فهل دفعهما حب المغامرة للخروج في نزهةٍ ليلية وهل كانت المرة الأولى؟ لربَّما تبرعمت الفكرة ثم تفتَّقت في ذهن الرفيق فأخفى تحت ثيابه الخنجر؛ الذي سال منه الدم في عرض النهر، بينما النجومُ تلمعُ في عتمةِ ليلٍ بهيم! وقيل إنَّ سمَّاكاً أنقذ الرفيق بعدما انقلب الزورق. جذبه من كفه التي كانت بارزة فوق سطح الماء قبيل أن تلتهمه الأعماق. فهل كانت على جسده أو ملابسه، بقعٌ من دم الضحية، أمْ أنَّ مياه النهر غسلتها، بينما غاص الخنجر إلى الأعماق. أم لعله انغرز في صدر الفتى، الذي عاش لحظاتٍ كانت تبدو هانئة في أحضان الفاتنة التي ترصَّدت خطاه. في أحد الأزقة بادرته بالسلام، ثمَّ طلبت منه أن يشتري لها ملحاً من الدكان. وحين عاد لم يجدها ولما طال انتظاره طرق باب بيتها وانتظر؛ ثم دفع الباب الموارب ومشى داخل الحوش مصفقاً بيديه. حيرةٌ مباغتةٌ شكَّتْ صدره. وقبل أنْ يفيق من حيرته تقدمت إليه في ثوبٍ منزلي شفاف فاستحالت حيرته إلى خوفٍ مبهم. ارتبكت خطواته حين دعته إلى حجرتها. تردَّد وتحت جلده دبيب التوجُّس. انغمس الفتى في صدر الفاتنة لكنها هجرته بعد حين وصمَّمت أنْ تنال من القشَّاش؛ كتتويجٍ لمسيرتها في الغواية. فهل انصاع لها وتوقَّف عن المسير؟

صَمَتَ القشَّاش ونطقت عيناه والبلاد التي دوَّختها الدماءُ والأشلاء؛ تتفكَّك. يجوبها المحاربون وقطَّاع الطرق وميليشيات الحكومة. ثمَّة رجاء، وعلى الضفافِ عويلٌ متقطع. عند الظهيرة انحدروا إلى النهر، تهوّم فوقهم أشباح الحيرة وترنو عيونهم إلى أفقٍ مجهول. ظلَّت أقدامهم تمشِّط الضفاف وزوارقهم تشقُّ الأمواج بينما الأسئلةُ حبلى بالظنون، كيف ومتى، وهل غَرِقَ الفتى؟

«القشَّاش»، صاحت المرأة للمرة الثانية؛ فالتفتت بعضهم ناحية الصوت. تراكضت الأقدام، واشرأبت الأعناق: أين هو، هل ظهر ثم اختفى، أم لعلها صرخةٌ كاذبة؟ سرت الحيرة بين الجموع، وانتاش صدورهم ملل الانتظار، بينما المرأة تغالب الدموع، تتواتر بخيالها الأشباح والأطياف. وعند أقاصي الهذيان رأت شمساً باهرةً تغمرُ سطح النهر. رويداً ثابت إلى وعيها فعادت إلى التجول وسط الجموع المنتشرة على الضفة، في انتظار ظهور جثة الغريق، من أعماق المياه، بعد يومين وليلتين من الغياب. وعندما دنت شمس الأصيل من أفق المغيب خُيِّلَ إليها أنَّ رجلاً يمشي فوق الماء. زرَّت عينيها ثم أغمضتهما. وحين فتحتهما كان الرجل يواصل سيره فوق سطح الماء. مبهورة الأنفاس صاحت «انظروا إنَّه يمشي فوق الماء». التفت بعضهم إليها بينما مدَّ آخرون أبصارهم إلى أفقٍ بعيد.

- إنَّه يمشي فوق الماء.

- وكيف هذا؟

- ألا تبصرون؟ إنَّه يمشي فوق الماء.

- مَن هو؟

تردَّدت المرأة. تهدَّج صدرها فتسارعت أنفاسها ونطقت «القشَّاش».



عباس علي عبود
كاتب من السودان

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى