عبد الواحد كفيح - الوحـش

انزعجت القرية وانشغلت بالذي يحدث. سيطر الخوف على العقول واستبد بالأفئدة. شجعان القرية لاذوا مذعورين بجحورهم. انقضى عهد العنجهية المفرطة في الأنانية والتسيب. أقصى ما عرفه أهل القرية ما جاء على لسان معلم القرية، مذ رأى في ظلام دامس عينين حمراوين كالجمر، مدلاة من على مستوى سطح الأرض، بمقدار قامة مديدة لشخص بالغ. ومع مرور الوقت بدأ شبح الوحش يلتف على الأعناق ويكتم الأنفاس، وباتت تكبر في عقولهم وتنمو، قصة الوحش الليلي وتعشش.. هاجس السكان الإطاحة بسطوة الوحش المروع الذي قيل، يظهر ليلاً ويختفي نهاراً. لم ير أحد قط خلقته، وقيل هناك من رآه- يتسكع في القرية- نهاراً جهاراً حتى ومن شدة الخوف والفزع لم يتذكر هيئته ولا شاكلته، وهناك من ادعى انه رأى آثار أقدامه العملاقة .هكذا غدا طيفاً بلا ملامح ،لا أحد يعرف كنهه، أهو إنسان؟ امرأة أو رجل عملاق؟ أو حيوان خرافي؟ من فئة الكواسر أم من فصيلة القطط والأرانب؟ أهو الغول أم العنقاء؟ أو الفقر الذي يخنق الأنفاس منذ زمن الجفاف الأول،.فتناسلت القصص والحكايا أهو قدر أم غمة وستفرج، أو لعنة أصابت أهل الدوار أم ..شيء آخر؟ .

أجزم الكل بوجود الوحش. صدقوني ولا أنا رأيت الوحش ولا عرفت هيئته وخلقته وماهيته .. وحش- في كل مكان ولا مكان- والسلام.

طارت رؤوس ونفذت مهام رجال المخزن، المقدم والشيخ وكل ذوي الجاه لم يحركوا ساكنا. قر رأي الجماعة على أن تتم المراقبة ليلاً، حتى يتم التأكد مما حدث للقرية التي غدت فجأة مضطربة مرعوبة بعدما كانت في أمن وأمان، واضطروا للمشي جماعات والتبضع من السوق جماعات، ويقصدون حقولهم جماعات .يقضون حوائجهم باكراً حتى إذا أفل النهار عادوا متأبطين بعضهم البعض لا يتحاورون إلا همساً، خوفاً من أن يجهز عليهم الوحش الغريب فيبتلعهم، أو يجرهم إلى مهاوي سحيقة في المغاور والكهوف والوديان التي تسيج القرية من كل جانب.

ساءت أحوال القرية وضاقت بما وسعت، وكسدت السلع وما عادت البضائع تغزو الأسواق كما قبل. ما عاد الناس يؤمون السوق الأسبوعي للتبضع والثرثرة، بقدر ما يقصدونه للاطلاع على مستجدات أخبار الوحش المزعج المتربص بالغلابة، وهل من رآه، أو رأى من رآه ،وهلم إشاعات وجدال وحوارات حذرة. حانوت القرية الوحيد، ضاعف الأقفال أضعافاً مقفلة.ما عاد أهل القرية يطيلون السمر ويستطيبونه أمام الحانوت كما سلف. معلم القرية اتخذها ذريعة لا يشق لها غبار، ليختفي عن الأنظار في الوقت الذي كان فيه سيد حلقات السمر الليلي، يملأ فضاء الدكان زعيقاً وضحكاً وضجيجاً مستنكراً، بالصياح والولولة، الغش الذي يطاله من حسن في كثير من المرات في أثناء جولات لعبة الورق أو الدامة. المدرسة التي كانت بوابتها إلى حين صاخبة تتدفق حركة وحيويةغدت خرساء كئيبة موحشة.اشتاق التلاميذ للمعلم واشتاقوا للعب، وما بين يوم وليلة أضحى الخروج لصلاة المغرب، جماعة ،من رابع المستحيلات،أما العشاء والصبح فمن قبيل حكايات وطقوس الأجداد التي ولت إلى غير رجعة، لأن المؤذن هو نفسه- من شدة الخوف- طفق يقصر الآذان أحياناً، ويعدله تارة أخرى، ويلغيه بالمرة في كثير من الأحايين، وتعتريه رغبة في الصراخ والبكاء في مكبر الصوت بلا سبب . فهو بالمناسبة، لم يعد يصعد صومعة الجامع على قصرها، وهو الذي كانت لا تفوته أوقات الآذان، وقيل إنه، وهو في طريقه إلى الجامع، أدركه، مرة ، وقت الآذان فأدى الفرض من على صهوة أتانه الوحشية راكباً واقفا. ما عاد شيوخ القرية ينشرون رفاتهم للشمس عصراً، ملتصقين، كالحرادين، بجدار المسجد العتيق، يسفكون دم الوقت بثرثراتهم التي لاتنتهي. إمامه فقيه الدوار لم يجد للداء-الذي سرى في أوصاله كالسم- دواء. ما عاد أحد يجادله أو يستفتيه في أمور الدين ويهتم لتمائمه ورقياه ورجاحة عقله كما كان ، بل جدال حول الوحش، ومن رأى الوحش، ومتى يظهر الوحش، فراح يمشي مكبّا على وجهه خاسئاً وهو حسير ،يرهف السمع لوحوش هائلة تزمجر بدواخله، حتى نسي مواقيت الصلاة، وما عاد يؤدي فرض ربه إلا لماما، فبات إغلاق المسجد ضرورة حتمية وأمراً مفعولاً، ولا راد لقضاء الله. الرجال الصناديد العتاة ،الذين خبروا القنص بالليل والنهار، انفضح جبنهم وهم الذين حفلت حياتهم بهزات عنيفة في لحظات ضعف متفاوتة فما وهنوا ولا استكانوا، لكن ضعفهم اليوم موغل في الوهن والهشاشة. انهارت رباطة الجأش وغدوا جراء، اعتكفوا يلوكون الصمت في المنازل خوفاً من ظلالهم وأضحوا ماهم بالرجال ولا ربات الحجال. ماعاد العشاق ينسلون كالعادة ليلاً لاختلاس أويقات اللقيا للنجوى والسمر على مشارف المقبرة. عطار القرية هو الآخر، وفي ظروف غامضة، «حزق أوطار مابان ليه أثر». والأغرب من ذلك أن الأبله، أبله الدوار، الذي لا يفرق بين قبضة يده وأرنبة أنفه، هو أيضا أصابه الهلع وسكنته وحوش ضارية ما انفكت تزمجر بدواخله ليل نهار، فتأجج حمقه بما سمع ولم ير،وقع فريسة في براثن كابوس الوحش الرهيب، بعدما تمكن من محاصرته وتشديد الخناق عليه، فراح يذرع الطرقات والمسارب ينهش أسماله، دون كلل ولا ملل ، مردداً نشيده اليومي « هاك الغول فين الغول؟ هاك الغول فين الغول؟..».كلاب القرية باتت تسهر الليالي، يسمع لها نباح في شكل عويل مسعور،لامثيل له، يجرح السكون فيزيد القرية رهبة عندما يتردد صداه في بهمة الليل.

في ليلة من ليالي زمن الوحش، أحس البعض بما يشبه زنجرة الجرارات، أو هدير الزلزال أو ما شابه ذلك من الأصوات. في الصباح- وكأنهم اتفقوا على ذلك- تنكروا للأصوات التي أكيد أنهم سمعوها قبل النوم، الذي هجر المآقي .حتى أن البعض منهم كان يسمع وابلاً من الحجارة تسّاقط على مسكنه ولا يملك الشجاعة الكافية على البوح صباحاً بما وقع ليلاً. فكان لزاماً على حملة العلم وعقلاء القرية، أن يجدوا حلاً استعجالياً لدرء خطر الوحش ، فاقترح فقيه الدوار أن يُنحر، فيما بين منتصف العصر والمغرب، عجل أسود على الرابية قرباناً للوحش عله يرعوي، ويُـترك لحمه هبة للعقبان والضواري والغربان ، ويطعم الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيرا .إلا أن مطلب الفدية كان أكبر جرماً من الوحش وأظلم مطلبا. وفي حمأة القيل والقال وتضارب الشائعات وتسارع الأحداث قرّ رأي الجماعة على توقيف شرط الفقيه وفسخ عقدته ،إذ كان خبر ضبطه وهو يتبول واقفاً سبباً كافيا لإقالته، وبهذا يكون الفقيه قد دفع ضريبة حالة التأهب والاستنفار القصوى، ودق آخر مسمار في إسفين ولايته.

بيوت القرية، تجمع سكاني جد متقارب، محكم متراص. بيوت متلاصقة ببعضها البعض في جو حميمي دافئ، متجاورة كما لو كانت بيتاً واحداً ،إلا أن شبح الوحش حفر بمخالبه عميقاً في العقول وزرع البعاد والفرقة والخوف، وجعل ما بين البيوت وما بداخل البيوت والقلوب مسافات وقارات من صقيع الريبة والتوجس ، فانقطعت حبال اللقيا وساد الترقب والجفاء والتوتر، فتجهمت الوجوه وتكور الصمت في الحلق وتحاشت الأعين الأعين وقست الأفئدة، وتأجلت الأعراس والأفراح وكل المواعيد.أما أولئك الذين لا تشدهم لهذه الأرض السعيدة سوى لقمة العيش اليومية، فقد حزموا أمرهم ولبوا نداء الخوف الطالع من الأعماق، وهاجروا خفية إلى أماكن قصية تبعدهم من كابوس الوحش الذي بات ينهش عقولهم وينغل في دمائهم .

تشاءم سكان البلدة من الحلم المشؤوم الذي رواه حسن،صاحب الدكان، عن إحدى جدات جداته التي زارته في المنام وهي تنتحب راجية منه، متوسلة أن يثأر لها ممن اغتصبوها منذ زمن سحيق. يُحكى أن قصتها أدمت القلوب آنذاك، و هي التي زرعت في القرية سحراً وما هو بالسحر ولكن مثل السحر. هي عجوز لا ينصاع المطر لصوتها، وينهمر مدرارا، كما هي الواقعية السحرية في الغابات الاستوائية، ولكن عجوزنا،تصدر أنيناً حزيناً حاداً وزفرات كسيرة عندما يدافعها البول، و يسمع لشرشرتها ضجيج غريب، هو بمثابة نذير شؤم، يحسب له سكان القرية ألف حساب، فيعدون له العدة،ويتهيؤون لأفظع مصائب الدنيا والآخرة على مضض، كما ينزل الوبال مدراراً على القرية لما تتميز من الغيظ .فأضحى لا أحد يغيظها. وهكذا بفعل توالي المصائب، ارتأى نظر كتيبة من الأشقياء- بل وجدوا أنفسهم، على نحو آخر، مجبرين- للقضاء على القوى الشريرة- إلى اعتراض عجوز النحس واغتصابها جماعيا حتى الموت .خيمت قصة عجوز الشؤم وحلم ما تبقى من سلالة حفدتها على القرية، ورأوا في ظهور الدابّة أو الوحش فأل شؤم، من شأنه أن يعيد مصائب وكوارث الزمن الماضي، لتفتح صفحة جديدة من آلام القرية.


.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى