محبوبة خليفة - التكرة - الدنقة.. (1) - قصة قصيرة

كنت أتأمل المكان وأعجب كيف يسكنونَه. كنت أراه بعين طفلة، كلما وقفتُ في تلك البياتسا الصغيرة (الميدان) أتوجه بوجهي مباشرة لهذا الجبل المرتفع المأهول يسمونه (باطن بو منصور)، تسكن في بعض مناطقه المنخفضة عائلات من المدينة وبينهم بعض مدرساتٍ لنا ولاعب كرة شهير وبعض أفراد فرقة موسيقية من الرجال، التي تشارك في الأعراس وتحييها بلا مشاكل ولا فتاوى تحرّم أو تحلل،وفيها يسكن محبي المناطق المرتفع وهوائها العليل.

أما إذا عرجت على يسار ذلك المرتفع وفي الجزء الأعلى منه فسترى تجمع كبير من العائلات القادمة من جنوب السودان من منطقة دارفور* يتجمعون هناك ويكوّنون تجمعاً فيما يشبه الجيتو لكنه ليس مغلقاً في وجه جيرانهم في باقي الجبل أو (الباطن) كما هو معروف بدرنة.ربما وصل هؤلاء إلى درنة في أعقاب مجاعة ضربت منطقتهم عقب الحرب الأهلية التي اندلعت هناك في نهاية القرن الثامن عشر أو بعد ذلك بزمن طويل.يبدو أن معاناة دارفور وأهلها قديمة وليست إبنة اليوم.

كنّا صغاراً وكانت البراءة تجمعنا نترك بيوتنا بعد المدرسة، ونلتقي لساعة، نلعب ونضحك، ونتأمل الكبار مجتمعين أمام محلاتهم، يلعب بعضهم الورق وبعضهم يلعب (السيزا) وهذه اللعبة تحتاج لرسم مربعات على الأرض، ورمي الأحجار الملونة والتقاطها وفق قواعد يعرفها اللاعبون. كل رفاقي يتابعون هذه الألعاب إلّا أنا كان قلبي معلقاً بهم يريد أن يعرف من هم؟ ومن أين جاءوا؟ ولما يتجمعون ويسكنون هناك وحدهم؟. إلى أن كان يوماً سمعنا أن حفلاً سيقام عندهم وأن الكل مدعو ليوم (التِكْرَه) أو (الدنقة). أردتُ الذهاب وقوبلت بالرفض فجاءت عمتي فاطمة على بالي وهي التي تحبني ولا تردّ لي طلباً فأخبرتها وتوددتُ إليها وتوسّلتُ أن تتوسط لدى أمي فقبلَتْ وأخذتْ يدي في يدها وصعدنا إلى هناك.

كان المكان مليئاً بالناس بالإضافة إلى قاطنيه، كانوا في حالة بهجة شديدة وهياج وفرح، وكان الفتيةيدقون الطبول، وترقص النساء، وتطلق العنان لغناءٍ مبهج ،ينشر إيقاعه الفرح، والحبور، فيسري بين الحشود فيشاركون - هؤلاء الأغراب اللاجئون إلى درنة - الفرح بالتصفيق وحتى بالحركات الراقصة. تمسكتُ بيد عمتي أطلب الأمان فالحشد كبير ولم آلف مثله من قبل وسرى الخوفُ إلي قلبي ورجوتها أن نعود لكن سيدة سمراء جميلة الملامح تقدمت من عمتي طالبةً منها البقاء لحضور توزيع (التكرة) فوافقَتْ وبقينا إلى أن خفتت الأصوات وهدأت الطبول فخرجت شابات من أحد البيوت يحملن أطباقاً من السعف الملون، في بعضها تتكدس قطع الدجاج وفي الأخرى شيئاً يشبه الأرز وليس بالأرز ، يقدمنه الفتيات بالأيدي على شكل كرات صغيرة ونأخذه في أيدينا يدٌ فيها هذا الشيء واليدُ الأخرى قطعة دجاج مسلوقة ذات طعم طيب. أما الشيء الأبيض فكان (التكرة) وهو ما يسمون يوم إحتفالهم على اسمها.

لا أحد يعرف مصدر التسمية ربما كانت أسم هذه الوجبة، والتي تعتمد مكوناتها على طحين الأرز وطحين القصب والسكر وماء الزهر أو الورد*.ما يثير في النفس الحيرة أن تلك المنطقة هي تجمع لأسر فقيرة لا تملك قوت يومها ونسائهم يعملن في بيوت المدينة فكيف يجتمع كل هؤلاء الناس لديهم ويتمكنون من تقديم الطعام على بساطته!! لكل هذه الحشود.

لازالت عمتي تقبض على يدي خوفاً علي من هذا التجمع الكبير ، لكن نظرتها إلي وكأنها تناديني لتريني شيئاً ما جعلني أسحب يدي من يد عمتي وأنطلق إلى حيث تقف.صغيرة سمراء جميلة التقاطيع عربيتها غير مفهومة تماماً لكن طفولتنا أسرعت لتلظلمَ خيطاً من الحب بين قلبينا ففهمتها وفهمتني.أخذتني من يدي وأدخلتني إلى ماوصفته بأنه بيتهم وهو عبارة عن حوش كبير مفتوح وبلا سقف تصطف فيه بشكل دائري غرف عديدة. يبدو أن لكل عائلة غرفة أو هكذا بدالي.
أدخلتني غرفة بلا أثاث إلا من قطع كليم وبعض النطوعة* وملابس مكدّسة هنا وهناك ولا مكان للعبة أو تسلية، فزعلتُ لصديقتي الجديدة كيف تعيش بلا لعبة ليتها تعرف أمي لصنعت لها عروسة كما تصنع لي ولشقيقاتي كانت أمي تخيط جسم (البامبولا)* ثم تحشوها صوفاً وترسم على الوجه العيون والحواجب والأنف والفم وتطرز كل ذلك بالوان مناسبة وتلبسها ثياباً تشبه ثيابنا وأحياناً مثلها، وعَدْتُ صديقتي أن أعطها واحدة من عرائسي.وبينما نحن نحكي إشارةً تتبعها بعض كلمات سمعت صوتها تنادي!! ياإلهي عمتي.خرجت مترددةً ومشفقةً على نفسي مما سألقاه.رأيتها جزعةً ومتوعدة ونالني مانالني منها ومع ذلك إلتفتُّ لصديقتي التي لا أعرف إسمها وأشرتُ لها بأنني سأعود بالعروسة.

لم أَعُدْ ولا أهديتها إحدى عرائسي! أخلفتُ بوعدي بلا عذرٍ إلّا من غياب عمتي التي رحلت دونما إستئذان من محبيها فغلّف القلبُ الصغير حزنٌ لم يألفه، حزنٌ لغياب القلب الكبير وحزن لأنني لن أفي بوعدٍ لصديقةٍ صاحبتها ذات إحتفالٍ في باطن بومنصور.

…. يتبع

محبوبة خليفة

* قصة قصيرة من جزئين. نشر منها هذا الجزء (الأول) منذ عام بصحيفة ميادين.

ـــــــــــــ
هوامش:

* الدنقة إسم آخر ليوم التكرة وهي كلمة تعني دق الطبول والإبتهاج
* باطن بومنصور مرتفع جبلي يقع في أهم احياء مدينة درنة
* المعلومات الواردة بخصوص سكان هذا المرتفع من أهل دارفور ومكونات (التكرة)حصلت عليها من الأستاذ الجامعي والباحث الأستاذ عبدالله بودرباله وأوجه لحضرته جزيل الشكر والشكر موصول لزوجته الصديقة العزيزة سليمة ارحيّم.
* النطوعة جلود الخراف بصوفها تستخدم للجلوس عليها.
* البامبولا: مصدرها إيطالي وعادة يطلقها الإيطاليون على الطفلة الحلوة. لكن في ليبيا نطلقها على العرائس التي تلعب بها الفتيات.

هذا النص

ملف
محبوبة عطية خليفة
المشاهدات
103
آخر تحديث

نصوص في : قصة قصيرة

أعلى