انتصار بوراوى - المشوار الأخير.. قصة قصيرة

أسهب كثيراً في الحديث عن طفولته في أزقة الصابري التى تناثرت فيها ألعابه وعلى مدارج شوارعه التى انطلقت فيها ضحكاته وعن رمال شاطىء جليانة الذى كان يلعب ويسبح في بحره
سرح بنظراته بعيدا وهو يستذكر طفولته ،رأت في عينيه شارع دكاكين حميد ومحل والدها ،وضحكة عمتها ياسمينة وحكايات ذاكرتها المتوقدة عن مشاغبات تلميذاتها في مدرسة الاميرة ، وحكايات ذاكرة عمتها حليمة المزدحمة بروائح الماضى عن التدريس في زمنه الجميل والخوجة حميدة وتلميذاتها الهادئات المهذبات الأنيقات على مقاس فتيات عقد الزمن الجميل .
تقافزت من عينيه النجلاوين صور شوارع الصابري وشارع العقيب وشارع قصر حمد وقفزات مراهقته في البركة ومدرسة طارق بن زياد ، ومسيرة عمله التى كانت ترتطم دائماً بروحه الوثابة التى لاتعرف المهادنة،فتنسحب بعزة نفس من كل طريق لا تروقه ، ولا تلائم ما يعج في رأسه العنيد الصلب من مثاليات تتساقط على صخرة الواقع
تملت في وجهه القمحى الأسمر وهو يشير بيده الى منطقة تو كرة المستلقية بجسمها الفاتن الجميل بين الجبل والبحر، وجهه الرقيق كنسمة صيف ،الوديع في وطن الذئاب ، قال لها بهدوء:احببت تو كرة اكثر من دريانة انظرى لطريقة حياتهم هنا ظرى لطريقة حياتهم هنا ...هادئة وبسيطة جدا وسط كل هذه الطبيعة الخلابة
نظرت الى وجهه ولم تجبه صمتت مستغربة من تغير رأيه بعد عام فقط من نقاشهما حول عرضها عليه شراء بيت جديد في الجبل بعيدا عن صخب وضجيج مدينة بنغازى ،ولكنها ابتسمت سعيدة لانه اخيراً عدل عن رأيه دل عن القديم
أوقف سيارته بجانب استراحة "الحيطة" و قال لها سننزل في هذه الاستراحة قليلا للأكل قبل مواصلة الطريق ،لم يكن هناك إلا القليل من الزبائن في المطعم الذى يرتاده كل من يمر بالطريق الساحلي ، سألها هل تريدين طبق غذاء ام سندويتش؟أجابته :أريد همبورغر
نظر إليها بتمعن ثم ابتسم قائلا :كالعادة لا تملين من الهمبورغر أبدا
ساد الصمت في طريق عودتهما، فيما كان صوت احمد فكرون يصدح بأغنية (النورس) والتلال والجبال يحفان طريقهم والبحر يغازل باقدامه سفح الجبل الأشم اخرجت هاتفها النقال وفتحت كاميرا الفيديو لتسجل مناظر الطبيعة الخلابة المتسارعة على إيقاع قيادة السيارة، فيما كان هو صامت مستغرق في تأملاته و لم يتكلم كى لا يقطع انسجامها بالتصوير
عادا للبيت بعد مشوارهما الطويل بالسيارة إلى مدن الشرق ، وكانت تشعر بالنعاس والتعب فلم تنتبه إلى خروجه من البيت مرة أخرى ، وحين سألتها أمها عنه أجابتها بأنه موجود بغرفته وجلست بجانبها تحدثها عن مشوارهما إلى قطعة الأرض التى أشتراها في مدينة توكرة
في عتمة الساعة الحادية عشرة ليلا سمعت أصوات بكاء ونحيب ، لم تفقه مالذى يحدث إلا حين دخلت زوجة أخيها وبناتها لغرفتها باكيات، واخبرنها بأن سيارة أخيها بشير اصطدمت باحد جسور المدينة، وتوفى في لحظتها ، صرخت في وجوههن بأن يصمتن فذلك خبرغير حقيقى ولكن بكاؤهن الهستيرى جعلها تتأكد بأن الخبر حقيقى ، وانطبق العالم في ناظريها بلون السواد فوق سواد الليل البهيم وصرخت منادية باسمه في عتمة الليل ،غير مصدقة الأصوات المتعالية لاحاديث رجال العائلة الذين تجمعوا خارج البيت للتحضير للجنازة في الصباح
كان رأسها يلف ويدور ومخها توقف عن الفهم، قضت الليلة وهي تنادى أسمه في عتمة الليل فيما صوت نواح النساء يتعالى مع صوت ترديد مناداتها لأسمه الذى شق سكون الليل البهيم.
لا الأرض ولا السماء أتسعت لأحلامه، التى ضاقت بها المدينة، فأرد ته علي ارضها غارقا في دماءه في حادث مفجع وصادم ،وقضت باقى الأيام وهى صامتة مذهولة تحدق في أسراب النساء المعزيات، دون ان تنطق بكلمة ، فيما كانت أمها تحدق مثلها في الفراغ بعيون زجاجية مذهولة في السديم غير مصدقة بأن بشير أختفى بغتة من الوجود والكون ولن تراه مرة أخرى أبدا
بعد ثلاث أسابيع وفي مثل نفس اليوم والساعة التى حدث فيها الحادث ،ذهبت تحوم حول المكان الذي شهد قدر النهاية، رياح الشتاء الباردة تلفح وجهها والحياة تضج بضحكات المارة وضجيج السيارات، والعيون المشاغبة وأضواء المحلات والأغاني الصادحة من المقاهي والمطاعم، وكأنها ترى سيارته "الكيا" الزرقاء تنهب الارض مسرعة، رأت طيفه يحوطها في المكان يخترق الضجيج ،يلامس روحها ، هو الان نائم تحت تراب الارض فيما تلفح وجهها رياح الشتاء الباردة ،ويتهاطل المطر بغزارة ،فترى قبره وهو يرتوى بمياه الأمطار ،أتراه يرتعش تحت تراب الارض من اثر الرياح الباردة والأمطار الغزيرة أصابتها القشعريرة وهى تتخيل الأمطار تهطل على قبره ، وحيدا تحت تراب الموت بعيدا عن غرفته الدافئة التى غدت معتمة، مجللة بالصمت والهدوء، وحيدا تحت تراب الارض .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى