نرحب بالكتاب الراغبين في الانضمام إلى الأنطولوجيا

التسجيل

نورة محمد فرج - في رفقة الشموع

نشر: نقوس المهدي · ‏13/1/18 ·
  1. لم أرغب في ان أضيء مصباح »الأباجورة« كعادتي كل ليلة، شعرت بنفور منه، وكذلك سئمت الثريا فوقي مضاءة. كان قلبي يهفو هناك، صوب درجي. نهضت اليه، وفتحته. أخرجت احدى تلك الشموع المعطرة، لم تكن مميزة الهيئة ولا ملفتة كبقية الشموع عندي، لكنني وددتها هي في تلك اللحظة. لم أفعل ذلك من قبل، اشتريت شموعاً كثيرة وكدسّتها في هذا الدرج، لم أوقد أي واحدة، أما الآن، فأنا أحتاج الى إشعال هذه.
    أخرجت الصحن الصغير الشفاف. أوقدت الشمعة وثبتها فوقه، وأطفأت الثريا.
    وقفت أمام الشمعة احدق في ضوئها الخافت الضعيف، كم تبدو الخيالات غريبة وهي تتراقص حولي. كانت الشمعة طويلة بعض الشيء وذات لون وردي حالم، شعرت ببؤس كبير، وندمت. ليتني لم أوقدها هي، فقد كانت جميلة جداً على بساطتها، وفكرت لو أسرعت الى اطفائها، فما تزال في أولها وبإمكاني الإبقاء على شكلها الأصلي، لكنني لم أفعل، وتركتها تشتعل.
    تسرب إلى أنفي عبق الشمعة الخفيف. احببته، وجدتني أُقرب وجهي اليها وأتعمد ان استنشقه بقوة اكبر. لكن ذلك العبق لم يمنحني الإحساس الآسر حينها، كان يتمنع عليّ، فكففت عن تعمد استنشاقه، وتركت له حرية التسرب الى أنفي كيف يشاء.
    تركت شفتي تنشدان بصوت هامس. في البداية لم أدرك ذاك الذي كنت أنشده، قد جرى على لساني في غفلة من عقلي، وبقيت أنشده حتى تبينته. كان نشيداً من عهد الطفولة، سمعته وحفظته من دون وعي، وبقي هناك حيث ترسّخ. ما زال الى اليوم يجري بين شفتي في غفلة العقل وغلبة الأحاسيس.
    جلست على ركبتي امام السرير وأنا باقية على انشادي الخفيض. أرخيت ذراعي فوق الفراش وتوسدتهما. أخذت أداعب بأصابعي ثنيات نسيج اللحاف. وقد خفت انشادي جداً، حتى توقف. شعرت بدمعة تتحدر. لم أشأ أن أمنعها، ولم أشأ ان ابحث عن سبب لها.
    أحسست بحركة خفيفة فوق السرير من خلف رأسي، لكنني لم استدر. انني اعرف هذا الذي ينتهز الفرص حين لا يكون الباب مغلقاً جيداً، فيمد يده لتتسلل من فتحة الباب، ثم يدفع الباب برأسه، ليدخل كله. الآن اشعر الحركات العابثة في شعري، والأنفاس الرقيقة على رقبتي، واللمسات الخفيفة المدغدغة، فتندفع الى شفتي الابتسامة.
    أراها تقفز من فوق كتفي وتقف لتحدق في وجهي، فأبادلها النظر، أمد يدي لأمسح على رأسها، متلذذة بملمس فروها الناعم. في هذا الوقت هي قطة مستسلمة، لا تطلب سوى هذه اللمسات. ولكن حين النهار فإنها لا تكف عن أعمال »الشيطنة«، أي لمسة من هذه اللمسات كفيلة بأن تجعلها تتعلق بمعصمي لتتظاهر بعض أصابعي وأنا أضحك. حتى وأنا أسير وأقدامي تتبادل الخطى، هذا المنظر يثيرها فتقفز على قدمي متعلقة بها. ذات مرة وددت ان اجعلها تبدو أنيقة، فحاولت أن أربط شريطاً أحمر في عنقها، لكنها فكت بأظافرها (الفيونكة) وأتلفت الشريط وأخذت تلعب به. شعرت بالغيظ منها فأخذته ورفعته الى الأعلى، وهي تحاول أن تطاله لكنني ارفعه أعلى وأعلى، وهي تمد نفسها أعلى كي تمسك به، ضحكت عليها كثيراً عندما استندت الى قائمتيها الخلفيتين فقط. ابتسمت وأنا أتذكر هذا وأمسح على رأسها وعنقها، كانت تغمض عينيها باسترخاء وكسل.
    أردت أن أغمض عيني مثلها.
    رفعت كفي عنها، ففتحت عينيها متسائلة، دسست جسدي تحت الغطاء ونظرت الى الشمعة، أأطفئها؟
    لقد تعودت على اطفاء مصباح الأباجورة، فهل أطفىء الشمعة؟ أجلتُ عيني فيما حولها، لم يكن هناك شيء قريب، كما أنها مثبتة جيداً وليس من الممكن ان تسقط، شعرت بالاطمئنان، فلا خوف من أن تسبب حريقاً. استرخى جسدي، وشعرت بالقطة تضم نفسها وهي تلتصق بساقي البارزة من تحت الغطاء، كانت تحب ذلك دوماً، لعله يمنحها الدفء.اجتاحني إحساس بالرضا، أغمضت عيني، واستسلمت لعبق الشمعة.
  1. تساعدنا ملفات تعريف الارتباط على تحسين خدماتنا. بمواصلة تصفح الموقع، فإنك توافق على ‏استخدامنا لهذه الملفات..