قمر كيلاني - الصورة العارية.. قصة قصيرة

السماء لوحة سوداء لامعة.. تعطي ذخائر غامضة، في قلبي إيمان بمعجزة ما، هذه النجوم التي ترقص دون أذرع تشدها، كم ألفت منظرها في طفولتي الموزعة وأنا أسير مرفوعة الرأس في أزقة (دمشق) القديمة. كانت هذه النجوم في صغري تعابثني.. تغمزني.. ثم تهرب مني وراء الجدران المهترئة والمآذن الضارعة.‏

الآن عدت من أوروبا إلى الجو الذي كان يكثف وجودي ويعطيه مذاقاً حاداً. لم يصدق أحد أنني وأنا الرسامة التي قضيت سنين طويلة في روما.. سأعيش في هذا الحي البسيط.‏

أصبحت رسامة لأنني أحبت الفن منذ أمد لا أذكره. اهتمامات طفولتي كانت عدوانية تجاه زوجة أبي. كنت أرسمها على جدران بيتنا العتيق بألف وضع ممسوخ.. وكان كل من يرى رسومي يضحك لأنها تشبهها ولو كانت على شكل بقرة أو كلب، وقال لي أستاذ علم النفس فيما بعد إنني كنت أفرغ في الرسم آلامي إلا أنني كنت أعرف تماماً أن آلامي لم تفرغ وإن في لا شعوري أشباحاً سوداء، وكان يخيل لي دائماً أن العالم من حولي جدران فارغة أريد أن أرسم فوقها وأن أحول كل شيء إلى كاريكاتير عابث ساخر..‏

منذ أمد طويل نبذت معاني الحياة الشفافة الحزينة وحطمت قيم الروح. لم أندم على ذلك. روما جرفتني حيث كنت أدرس الفنون الجميلة إلى أن لا أقدس شيئاً كما أقدس العري والرغبة الحمقاء والهزء..‏

في الشارع الآن أسير مثل عجل تائه. شعور مبهم يتسلط علي من رأسي إلى أخمص قدمي هو أني أساق إلى الذبح. أشعر بخيبة ما تتسلل مع الهواء الذي أستنشقه بعسر.. الناس من حولي يعيشون عالماً منفصلاً عني. كيف لي أن أحيا بينهم؟ يخيل إلي أنني لا أفهم ما يقولون إنهم يمضون ويتركونني وحيدة مع خيبتي.. والسماء ذات اللون الأسود والرسوم التي تنبع من حولي مثل جنيات أسطورية كانت محبوسة في بئر..‏

عما قليل سينصهر عالم من هذا الصمت. عالم سوف أخلقه أنا.. وسوف يلتهمني. ليتني أستطيع ذلك في هذا المحيط الأخرس الحزين. وأنظر إلى صدري يرتعش تحت ثوب رمادي فاتح وأحس أن في هذا اللون ضياعاً وأنه يمتص الأشعة فتموت فيه أو تتحول إلى فراغ.‏

أما قصة البيت الذي استأجرته اليوم فهي تطن في رأسي كنحلة ضالة. عزمت على أن أغامر بالنقود القليلة التي بقيت معي كي أرسم عري الحياة.‏

وهذه المدينة.. مدينتي عنيفة الألوان والطعوم ترصدني بألوف الموضوعات النابضة والساخرة بفجيعة.. رؤوس الصبيان الحليقة.. مثل نبات اليقطين الرخو.. نظرات النساء التي ذبحها الذعر من سنين بعيدة.. عيون الصغار وهم يمتصون أثداء أمهاتهم المهترئة أمام محكمة الشرع وعند أقدام الباصات.. الباعة المتجولون وماسحو الأحذية.. لوحات الإعلانات التي تعكس الزيف.. أضواء النيون الشاحبة التي تهتز بشماتة فوق صور الممثلات العارية.. كل هذا سوف أرسمه وألفه في خطوط جريئة عبر لوحاتي.. حتى الغربان والعشب المبلل بالندى وأوراق الخس التي ارتخت تحت الأشعة.. حتى ألوان التراب الصاخبة من بنفسجية وحمراء.. وحتى أشكال الصخور، كل هذا كان يلهب خيالي وأنا في روما ولسوف أسوقه خلال لوحاتي المهووسة.‏

قلقي الغامض ينمو. أحس فراغاً في نفسي يتحول تدريجياً إلى عذاب. يحتمل أنني جائعة.. كم أشعر بالراحة عندما آكل في فترات التعاسة. لم لا أتناول الطعام في البيت الذي استأجرته؟ لقد أعطتني المرأة صاحبته المفتاح واطمأنت إلي وقالت إنني سأجد كل شيء أحتاج إليه فهي لم تبرح الدار إلا منذ أسبوع عندما مات زوجها ميتة غامضة مفاجئة. لعلي سأجد أنفاساً بشرية أيضاً. المرأة لا تحرص على شيء في البيت ما عدا صورة زوجها. كل ما في البيت مباح لي ما دمت أدفع الثمن.‏

وأدير المفتاح.. يصر الباب بأنين.. تصدمني رائحة غبار عنيفة.. البيت مؤثث على الطراز الشرقي بذوق غربي.. هنا في غرفة الضيوف تقليد مزيف ممسوخ لطراز (لويس الخامس عشر) تشوه بهجته كالعين المفقوءة بعض التحف الدمشقية. في غرفة الجلوس انسجام مريح وستائر من مخمل ذات لون غامق. مكتبة مليئة، وكرسي من خشب الجوز مثل رجل مهيب، في زاوية غرفة الطعام بقايا فاكهة جفت بأطباق مفضضة.‏

أدور في البيت.. أين الصورة؟ لا أراها في المكان الذي حددته المرأة ويخيل إلي أنني لمحتها هنا بالأمس لما رأيت البيت لأول مرة. هناك خطوط سوداء قد وضعت لمسات حادة مكان الصورة المنزوعة. أذكر خيالاً غامضاً لصورة ولكن من العبث أن أتذكر شيئاً من معالمها.‏

الفزع يتفرع في نفسي. لاشك أن المرأة على يقين من أن الصورة في مكانها. لسوف تروع لفقدها وسأكون مجرمة لو فجعتها بأعز ما عندها. أحس بحيرتي وأنني سجينة عذاب لا ينتهي. خطاي تضطرب في أرجاء البيت. تلمع فكرة كالنجم في ذهني: لابد أن أرسم لها صورة أخرى. أمامي ترقص الشوارع ملتهبة الخطوط وتضج صور الصبيان ذوي الرؤوس التي تشبه نبات اليقطين ويهتز كل شيء بحمى بائسة.‏

هذا الرجل الذي لم أعرفه قط كيف سأرسمه؟ أدور في البيت مثل عمياء تبحث عن طريق ضاع. ألهث وراء ومضة انطفأت. الصورة كانت تلتهم الحائط كله فلابد أن الرجل كان عملاقاً. ألمس الجدار. الإطار كان ثخيناً حتى ترك هذه الطبقة الكثيفة من الغبار. هل يمكن ألا يكون الرجل قاسياً؟ وإلا لماذا اختار مثل هذه المواد الجافة ليؤطر بها رسمه؟ يحز في داخلي أن أجد الرقة والوداعة في هذا الركن الذي كان معداً لجلوسه. إن في أريكته طراوة غريبة ومقعده الخاص طويل مريح يكاد يلتصق بالأرض.‏

أبعثر أشياءه بنزق.. أمسك الغليون المحشو بتبغ فاخر.. أشم فيه رائحة رجل ذواقة. أعبث بالأدراج وتتناثر أوراقه. تتملكني رغبة التجربة الكاملة. هل كان الرجل دميماً؟ إن هذه الروائح الفاغمة تدل على عنف كما تدل على غنى نفسي رائع. وهذه السطور الزاخرة بعبادة الحرف والعاطفة لمن هي؟ هذه الرسائل لمن؟ المرأة زوجته تتمثل في ذهني: جميلة في الثلاثين ذات عينين هادئتين بلون البحر، لاشك أن عيني الرجل كانتا قاتمتي السواد واسعتي الحدق تشمل عيني المرأة فتذوب فيهما وإلا لما خلفت فيها هذا الجنوح المهزوز نحو الهروب والضعف. المرأة نحيلة العود ممطوطة الخطى.. إن استسلامها العاجز لرجولته الطاغية كان يسحق ثورة شبابها الصامت.‏

شيئاً فشيئاً أخذت أستوحي من كل ذرة حولي عرقاً ينبض أصبه في خطوط لا تلبث أن تذوب فوق القماش وتلفني بصمت رهيب. صمت لم أقطعه إلا بالطعام أو بنوم متقطع مشوش...‏

كنت أحس أن في داخلي غيمة تبكي وأن الحزن يجعلني غريبة عن كل شيء ما عدا هذه الألوان الصاخبة التي تفلت مني وتوشك أن تنفجر فوق اللوحة، أصبحت لا أحس إلا هذه الريشة التي تهتز بين أناملي وعيني بقوة قدر مجهول.‏

ماذا أفعل؟ الساعات تذوب والزمن ينداح مثل حجر سقط في ماء ساكن. هل أهرب؟‏

أول ما بدأت الصورة تتكامل أطلت علي العينان ذات المحجرين الواسعين قاتمتين كعتمة غابات. إن فيهما أسراراً رهيبة. كانتا توجهاني حسب مشيئتهما. كل ما أملك من كلمات وحركات بل إشارات غدا أسطورة باهتة فقد أصبح من الممكن أن أعيش بدونها في عالم خلاق مبدع. كل ضجيج الدنيا وصخبها وموسيقاها لا يقوى على أن يمس الوجود المغلف الأخرس الذي أحياه. أشعر الآن بحاجة إلى الاعتراف بأنني بدأت أحب الصورة. تعلقت بهوى شهواني وأنا أضع الخطوط الرخوة للشفتين الممتلئتين العربيدتين وكنت أحس رائحة لحم وخمر معتقة وأن رأسي تدور.‏

وفي اللحظة التي وضعت فيها أناملي لأمس الشفة. وأصبغها بلون النبيذ المائل إلى السواد ترتطم ساقي بركيزة اللوحة وأقع على الأرض. الدم يسيل من ذراعي التي كانت تلامس الفم الشقي ويمتزجان معاً.‏

أفاق قلقي مثل زوبعة من رغبة متفجرة، أنا أسيرة اللوحة.. بل أسيرة الرجل.. صابون الحلاقة بالعطر الفرنسي، المنشفة الخشنة، الصحف القديمة، علبة السجائر المصدفة، الخف المبطن بألوان قاتمة، بطاقات الدعوة للنادي العائلي، كل هذه الأشياء الصغيرة.. أشيائه تنبض من عروقي حياة، تضيعني في دوامة عجيبة..‏

الصورة أمامي عارية مثل آلهة أوليمبية متمردة. لم يبق إلا ضربات خفيفة وأنتهي منها. النظرة في زاوية العين حائرة. لمسة صغيرة إلى الناحية الأنسية تجعل الخير يزهر ويورق بل يتفتح كوردة هل أعطي الصورة هذا التعبير العاري؟‏

ولكن لا.. لابد أن شيطان (فاوست) يتحرك في أعماق الرجل وإلا لما ترك زوجته مفجوعة منكودة ولما غدر بي أنا أيضاً. كيف أعلم الحقيقة؟‏

نبشت آخر ورقة في سلة المهملات وأنا يائسة والشوق يأكلني هذه خطوط ممزقة لرسالة إلى امرأة أخرى غيرنا أنا وزوجته.. شظايا الرسالة تنبض بحب ملتهب وتهديد بالموت.. يا للمرأة المسكينة زوجته كانت مخدوعة به وكانت تنام على حب جاحد.‏

البيت يردد صدى فارغاً حزيناً.. هل كان موته انتحاراً أم جريمة أم عقاباً أم إثماً؟‏

ونمت الخطيئة أمامي مثل نبات استوائي بأذرع عجيبة.. تلفني الخطيئة وأنا أنغرس في أرض رطبة، ثم تمتد نحو الصورة.. تظلل العينين. وأعود فأنظر إليه وأفزع.. لسوف أقتله أنا.. الخائن.. لسوف أمزق الصورة العارية وأستريح منها..‏

عند المساء أغلقت بابي وتهالكت بإعياء فوق السرير.. قذفتني أحلامي في لجة عميقة. رأيت الرجال الذين كانوا في حياتي.. (ناجي) الرجل الوحيد الذي أحببته رأيته غارقاً مع الصورة العارية في ضباب بنفسجي.. (ناجي) هجرني من أجل امرأة ساقطة وفجعت به.. ولن أفجع بغيره مرة أخرى. كم تخيلت أنه مات في قلبي حتى رأيته مع الصورة العارية وكأننا مازلنا في المرسم الصغير في روما.‏

أسمع طرقاً خفيفاً على الباب كما لو أن عصفوراً ضالاً ينقر. أنهض متثاقلة ورأسي يدور. الصورة ما تزال إلى جانب سريري وعينان تلتهبان. المرأة صاحبة البيت تدخل كما لو أن ريحاً حملتها. تضيع نظرتها في أرجاء الغرفة. تبتسم مع شحوب مريع. كانت على وشك أن تتهالك عندما رأت الجدار فارغاً من الصورة. عيناها تغيمان في يأس مفجوع وهي تبحث. نظرتها تتأرجح مصعوقة ولا تلبث أن ترخي جفنيها وتسألني عن الصورة.‏

أطرافي تنمل وتصبح باردة كالثلج.. ببساطة مفتعلة أقول: الصورة سرقت قبل أن أستلم البيت..‏

وأسكت.. كأنما الزمن قد جمد فوق شفتي. هل أعطيها الصورة العارية أم أمزقها؟ المرأة المذعورة لا تفهم ما أعنيه من أن الصورة سرقت..‏

ماذا سأفيد من الصورة العارية؟ لسوف تمزقني كما مزقني (ناجي).. لسوف تميتني نظراتها الخائنة.. لسوف تلاحقني العينان الواسعتان الوحشيتان. لسوف تمتصني الشفتان العربيدتان.. وأقول بصوت ميت:‏

ـ الصورة الأصلية سرقت يا سيدتي وإليك صورة رسمتها لك عوضاً عنها.‏

وأشير إلى الصورة. وتتسع حدقتا المرأة. تغدو عيناها كالزجاج البارد وتصيح:‏

ـ ليست صورة زوجي.. آه.. ولكنه هو. إنه هو كما عاش في أعماقي وأنا أجتر خيانته وعذابي..‏

وتسقط ركبتاها بإعياء.. تمد يدها بضراعة نحو الصورة.‏

وتنتحب بصوت مسموع.. نظرتها تغيم وعضلات وجهها ترتعش وهي تقول:‏

ـ أواه.. يا إلهي.. ماذا ألمح؟ هاتان الدمعتان.. لكأنني رأيتهما فوق صفحة وجهه الساكن يوم مات.. لقد ندم.. وأنا غفرت له.‏

وأنظر أنا بدهشة بالغة إلى الصورة. الصورة التي التصقت بي كنفسي. الصورة التي عريتها من كل نأمة خير.. هل ما تقوله المرأة صحيح؟‏

هناك حقاً دمعتان. دمعتان لم تخطهما ريشتي أبداً وقد مسحتا الصورة بتعبير جديد. دمعتان واضحتان مثل منارتين فوق شاطئ مهجور.‏


روما 1963‏
أعلى