محمد اشويكة - لازمة الضمائر.. قصة قصيرة

أنا:

أنا... أقُلت أنا؟... نعم اللفظ والمعنى...
أنا يا سيدي الذي اتهمتني العشيرة بسرقة كتاب الحكي المقدس للجد الأول، وتغييره بكتاب الحكي المدنس للسارق الأول في العشيرة... أنا الذي ذبحت المعاني وشنقت الكلمات وطردت الملائكة من المتن المقدس... تُهْمََتِي صعبة ولا ينفع معها الهروب أو الاستسلام...
أنت:
أنت... أقول أنت... نعم الحكم والخصم...
أعترف أمام الملإ في حلبة الحكي المقدس هاته بأنك جدي، لكنني لا أثق في أهليتك للحكم... أنت من أراد أن يدخلني عنوة إلى عالمك الذي لا يمت بأية صلة لعالمي... عالمك مقدس وفيه كتاب وخنجر... عالمي مدنس وفيه عقل وبنصر... أنا لا أريد قتلك أو صلبك، ولكن تعايش معي ولا تكن متعنتا. اتركني يا جدي ألبس لباسا بمقاسي، ولا تكن قاسيا، عساني أنهج سبيل السلام في التعايش معك، ولا أكرر أغلاط الميثولوجيات الأولى...
هو:
هو... أقول هو... نعم الشاطر المنشطر...
قال إنني تسللت إلى البيت المقدس ليلا، ودست على الزرابي المقدسة بحذائي الأمريكي الوسخ، وشربت نبيذ الجد المقدس الذي لا يسكر؛ وهتكت إحدى جواريه المفضلات التي يحتجزها ويتمتع بجمالها، بعد أن تعطلت أجهزة الدفع البيولوجية عنده... هو الذي عاين وحكى... استطاع جدي أن يوظفه ليكون حارسه الشخصي، وحامي رأسماله، والقيم على نبيذه وجواريه...
أنتِ:
أنتِ... أقول أنتِ... نعم البطة البضة...
أنت التي اعترفت أمام الملإ، بدون سوط ولا استنطاق... قائلة إنني راودتك عن نفسك... واستسلمت لسحري... أنتِ التي اعترفت بأنني لم أستعمل العنف قط ضدك... لماذا تطالبين بإعدامي؟!
أنتِ التي كانت رسائلك الممهورة بقبلاتك البنفسجية تصلني ملفوفة وسط نفايات قصر جدي... كنت تقولين إنك متحررة وماجنة... لا ينقصك سوى ماجن صعلوك مثلي...
الآن زال كل حجاب وأصبحت عارية... أنت زانية لغويا، وخائنة كما يقول جدي، وشعار نِسْوَانِي جريح أمام الجماهير الآن... إن تغيير السمت لا يعني تغيير مجرى الطمث...
هي:
هي... أقول هي... نعم القول والبول...
هي لا تضجر قط، ولا تمل من طلعة جدي البهية... قائمة دوما... واقفة أبدا... شاهدة على كل شيء... مستعدة للإدلاء بالشهادة ولو لم تحضر... حاضرة ناظرة... جاحظة العينين... حمراء الشفتين... لم أر قط في يوم من الأيام بأنها حاضت أو بالت أو تغوطت... بل لم تقل الشائعات بأنها باضت... هي الأنثى الأولى في قصر جدي... لا تخالفه... لم تألفه... لا تعاكسه... لم تسر معه... لا تحابيه... لم تضاجعه...
هي الآن حاضرة في الحلبة...
نحن:
نحن... أقول نحن... نعم المحنة واللحن...
هل العيب فينا أم في جدي؟! إذا كان العيب فينا، فليسر جدي فوق جماجمنا منتعلا حذاءًا رياضيا برؤوس حديدية حادة، وإن كان العيب فيه، فليلازمها (هي) لأننا لا نقدر على قتله، وأكبادنا الرهيفة لا تتحمل كمده... نحن لا نستطيع القتل بهاته الطريقة الطريفة المتهتكة... نحن لا نقدر يا جدي على السكر من ريع مدخراتك... نريدك دائما حكاء بيننا لخرافات الزمن الغابر: زمنك... لماذا رأسك صلب وعنيد؟! تجبرنا على الاستماع إليك، ولا تستمع لحكاياتنا المعاصرة، بطلتها "الطيارة" لا "الحمارة"... نحن يا جدي لا يجدي معنا الأمر أو النهي... نحن لا نأمر ولا ننهي... نحن أبناء اللحظة/الومضة... فلا تحاسبنا ولا تراقبنا، ولك منا أزكى السلام...
أنتم:
أنتم... أقول أنتم... نعم الشؤم واللؤم...
هل لكم بصيرة أم عجيزة؟! تناصرون جدي وتقفون ضدي... هل أنتم رفاقي أم توحدتم لنفاقي؟! لا شك أنكم مستعدون لتملك تراث جدي دون حرب، ولا نباح كلب... أنتم الآن تتوجسون للانقضاض على التراث فقط، ولا تهمكم النتيجة: إن انتصرت على جدي فأنتم معي، وإن خسرت فأنتم دوما مع جدي... ما رأيكم لو عقدت صفقة مع جدي: يزوجني جاريته، وأرفع عنه تعب مراقبتكم، وتكونون أنتم في نفس المقام وبنفس القوام؟!
أنتم تختارون الآن: معي أو معه؟!
هم:
هم... أقول هم... نعم الهم والغم...
جبناء هم... لم يحضروا... لا ضمير لهم وسط هذه الضمائر... قريبون منا، بعيدون عنا... ينتظرون شنقي. أعرف أنهم يراقبون كل شيء من مكان ما غير بعيدين عنا؛ إن انتصرت سيعانقونني مهنئين متزلفين طمعا في الحظوة والجاه؛ وان لاقيت حتفي، سيحرقون أوراق الخلية والهوية، ويذوبون في السرية... هؤلاء هم الفوريون عندنا... دائما "مع الغالبة"... "امِّي يا امِّي"...
هن:
هن... أقول هن... نعم الفتنة والهوان...
كن جاسوسات لي قبل أن يكشف أمري مع جارية جدي، وعشيقتي في الخفاء... ها هن الآن واقفات لإذانتي... إن مت، فسيحتفظن بجسمي محنطا في مقبرة عائلة جدي... سوف يغتصبنني ميتا، أو سيتطاحن من أجلي كما هي الحال الآن... لماذا لا يستطعن تدبير شأنهن بأنفسهن؟! لماذا يتحركن متى يشاء جدي؟! إني أرى تحررهن بمزاج رجالي مضبوط المقاس... إن انتصرت لا أثق في سريرتهن... سأعمل على تلبية حاجياتهن إلى أن يشبعن... الجائع لا يفكر...
ضمير من لا ضمير له:
ضمير من لا ضمير له... أقول من لا ضمير له... نعم الضمير الضامر...
من لم يجد نفسه في أي ضمير من هذه الضمائر: أنا، أنت، هو، أنتِ، هي، نحن، أنتم، هم، هن... فهو آمن حتى إشعار آخر.

هذا النص

ملف
محمد اشويكة
المشاهدات
200
آخر تحديث

نصوص في : قصة قصيرة

أعلى