مصطفى الحاج حسين - اللصقة

كان زملاؤه في الجامعة، يسمونه «اللصقة» فما من مرّة رأوه مقبلاً نحوهم، إلاّ وسارع أحدهم لتنبيههم، قائلاً في حذر: (جاء اللصقة)! فينسحب بعضهم قبل وصولهِ، بطريقة ذكيّة قائلين:

- لنهرب... قبل أن يحلّ بلاؤهُ علينا.

وسبب هذا يعود إلى ظروف «عبد الله» القادم من الريف، ليتابع دراسته في كليّةِ الآداب.

جاء إلى حلب من قرية «عامودا» الواقعة على الحدود الشرقية، محمّلاً بآمال عظيمة وطموحات عالية، وأحلام غزيرة، وموهبة متّقدةٍ، مخلّفاً وراءه أباً طاعناً في الشيخوخة، لا يقدر على فعل شيء، سوى تحدّي «عزرائيل»، فكثيراً ما شاهد والده، يعارك ملك الموت ويرغمه على التقهقر، في حين يبقى العجوز متمسّكاً بروحه المهترئة... ولولا عمل أمّه وشقيقاته في حقول الآخرين، لما تمكنت العائلة من العيش.

كان «عبد الله» في كثير من الأحيان، يندم لأنّه لم يسمع كلام والدته ويترك الدّراسة، فهو بشكل دائم في حاجة وعوز، ولو لم يكن ينزل إلى «باب أنطاكيا» حيث معرض العمّال، للبحث عن رزقه، لما تمكّن من اجتياز السّنوات الثلاث الماضية بسلام... وخاصّة بعد أن حُرِمَ من القرض الجامعي، بسبب رسوبه في السنة الماضية. في كلّ عام، وخلال فصل الشتاء، كان يمرّ بمثل هذه الضائقة، فالعمال المختصّون لا يجدون عملاً في هذه الأيّام الباردة والماطرة، لولا طموحاته وأحلامه القويّة، لترك الجامعة منذ أمدٍ بعيد. ومن حُسنِ حظّهِ أنّه يقيم في بيت زوج شقيقته الذي يعملُ في الخليج، كان يضطرّ إلى الاستدانة من أصدقائه، ريثما يجد عملاً فيردّ إليهم دينهُم، وكانت ظروفه السيّئة ترغمه على فرضِ نفسه ضيفاً مكسورَ الخاطر ليتناول الطعام في منازل أصدقائه، جاهلاً أنّ أصدقاءه يطلقون عليه لقب «اللصقة»، ولكنّهم رغم كلّ سخرياتهم التي يطلقونها وراءه، يعاملونه باحترام وودّ، وذلك بسبب شاعريّتِهِ الكبيرة... «فعبد الله» شاعر موهوب، له حضوره في الملتقيات الأدبية التي ترعاها الجامعة،

وكان معظم زملائه يشاركونه ذات الميول، لذلك هم يحسدونه لتفوّقه عليهم في الشّهرة، وامتداح النقّاد والتفاف المعجبات حوله... ولمّا كانوا عاجزين عن النيل من شاعريته، أخذوا يسخرون من نقطة ضعفه الوحيدة، ألا وهي سوء حالته الماليّة، وعوزه الدائم إليهم، لذلك وصفوه بال «لصقة».

وفي هذا الصباح الممطر، استيقظ «عبد الله» مهموماً مكروباً... فهو في حالة إفلاسٍ لا مثيل لها، مضى عليه أكثر من عشرين يوماً دون أن يتمكّن من العمل... فالأمطار لا تنقطع، والعمل في ورشات البناء معدوم...و«عبد الله» يقتصد.. في كلّ شيء يقتصد... في عدد وجباته القميئة، في نوعيّة وكميّة سكائره، في حلاقة ذقنه، وشرائه لتذاكر باصات النقل الداخلي، في الصحف والمجلات، وتردّده إلى المقصف المركزيّ... ومرافقة صديقاته اللواتي اضطرّ أخيراً أن يستدين منهنّ، رغم شعوره بالخجل. وعاد أيضاً لبيع الكتب التي تمكّن من جمعها خلال الصيف... فهو في كلّ شتاء، يضطّر لبيعها من جديد، حتّى أنّه في الآونة الأخيرة، اضطرّ إلى بيع ساعة يده التي هو بأمسّ الحاجة إليها. ومع هذا فقد وقع يوم أمس بين فكّي الإفلاس، ونام ليلته وأمعاؤه تتضوّر من الجوع.

نهض من سريره المنحني والمزعج في صريره، واتّجه نحو المطبخ النتن الرائحة، وراح يبحث عن لقمة يسدّ بها رمقه، رغم علمه بأنّه يبحث عن لا شيء... عنده زيتونٌ ولا يوجد خبز، ولديه سكّر ولا وجود للشاي... ويملك قليلاً من البرغل في حين أن السّمن والزيت غير متوفّرين، فكيف له أن يتدبّر أمره؟! فكرة أن يستدين من الجيران خبزاً ليست واردة، لأنّه استدان منهم في مرّات سابقة وكثيرة، وعجز عن ردّ ما استدان لدرجة أن رفض جميع جواره أن يعطوه رغيفاً واحداً يوم أمس. وتساءل:

- (ماذا أفعل؟ أمعائي تزقزق طوال الليل، صرتُ أخجل من طلب

الاستدانة، أنا مدان للجميع، ما من شخص أعرفه إلاّ واستدنتُ منه، ديوني لسبعة وثلاثين شخصاً، بمبلغ /4645/ ليرة سورية... فإلى متى سأظلّ معتمداً على الدين؟!.. أخذ أصدقائي يتهربون منّي، «يطنّشون» إذا ما شكوتُ لهم سوء حالتي المادّيّة، حتّى أنّ صديقاتي اللواتي كنتُ أخجل أن أُظْهِرَ فقري أمامهنّ، أصبحتُ مداناً لتسعٍ منهنّ، بما فيهنّ «انتصار» التي تحوّل حبّها لي إلى دروسٍ في الاقتصاد، والاعتماد على الذات). ولأنّ «عبد الله» جائع، ولا يملك حلّاً لمشكلته سوى اللجوء إلى أصدقائه، فقد قرّر أن يذهب إلى صديقه «بشير»، الأكثر رفاهيةً من الجميع، سيداهمه في بيته قبل أن يغادره، ويتناول معه فطوره، ويطلب منه بضع ليرات.

أسرع بارتداء بزّته الجامعية العتيقة، وخرج مسرعاً، فكان المطر بانتظاره، ولأنّه لا يملك نقوداً، ولأنّ باصات النقل الدّاخلي تتأخّر في المجيء، قرّر أن يذهب سيراً على قدميه، من منطقة «الأعظمية» إلى حيّ «الجميلية»، غير عابئ بسقوط المطر فوق رأسه الأصلع بعض الشيء. في تمام السابعة والنصف ضغط على زرّ الجرس، وهو يأمل ألاً يكون «بشير» قد تناول فطوره، وانتظر برهة والحياء يلسعه، كم مرّةً يفرض نفسه؟ ما من أسبوع إلاّ ويحلّ عليه ضيفاً ثقيلاً، اللعنة على الجوع، لو لم يكن «بشير» أفضل أصدقائه لما زاره هكذا...

عاود الرّنين مرّةً ومرّتين، وقلبه ينبض من شدّة توتّره وخجله، وسمع وقع أقدام تقف خلف الباب، واختفى بصيص الضوء المنبعث من العين السحريّة، فغضّ بصره حتّى لا تلتقي عينيه بعين الناظر، وفجأة سمع صوتاً أنثوياً يسأل:

- مَن؟؟.

تنحنح «عبد الله» وقال:

- أنا صديق بشير، هل هو موجود؟.

لم بأته الجواب، بل أبصر الضوء ينبعث من حدقة العين السّحرية، فأدرك أنّها دخلت لتنادي أخاها «بشير»... مضت لحظات اعتقد أنّها توقظه، ولهذا عذرهم عن التأخّر، سمع وقع الخُطا من جديد، أبصر العين السّحرية تظلم، وعاد صوت الأنثى يخاطبه:

- مَن حضرتُكَ؟.

بادر يُجيبها على الفور، والحرج بادٍ في نبرات صوته:

- أنا صديقه.. «عبد الله الحجّي».

وابتعدت عن الباب مرّة أخرى، وانبعث الشّعاع من العين السّحريّة...

غابت في هذه المرّة ما يزيد عن الدقائق الثلاث، لدرجة أنّه شعر بالضجر والندم على مجيئه في هذا الوقت المبكر، فكّر أن ينسحب ولكن فات الأوان، فها هو يسمع وقع الخطى، ولابدّ أنّ «بشيراً» قد استيقظ، وتفاجأ من زيارته غير المتوقعة. لكنّ الباب لم يُفتح، كلّ ما حدث أنّه سمع ذات الصوت الأنثوي:

- بشير غير موجود، لقد خرج في السّادسة والنصف.

لعن نفسه لأنّه فكّر في هذه الزيارة، وتيقّن أنّ صديقه موجود في الداخل، أحسّ أنّه أهان كرامته، ليس من المعقول أن يبقى متطفّلاً على أصدقائه، لدرجة أنّهم باتوا يسدّون أبوابهم في وجهه، داهمته موجة من الانفعال، فامتزجت دمعته التي طفرت من عينيه بحبّات المطر، المنسابة على وجهه الشّاحب.

سار في الطرقات حاملاً خيبته في صدره، ومعدته تتقطّعُ من شدّة الجوع، ولمّا كان لا يملك سوى سيكارتين، قرّر أن يدخّن واحدة منهما، وتساءل:

- (أين أذهب؟ هل أتوجّهُ إلى عبد الناصر، الذي استدنت منه خمسين ليرة منذ أكثر من شهرين، ولم أردّها إليه حتّى الآن؟).

ولأنّه لا يملك إلاّ هذا السبيل، فقد عزم على زيارته، فمنزله قريب بعض الشيء، يقع في «الحميديّة».

لحسن حظّه لم يعتذر سكان البيت عن عدم وجود صديقه، فها هو «عبد الناصر» أمامه بشحمه ولحمه يفتح الباب، بينما يمضغ شيئاً ما.

استقبله «عبد الناصر» وأدخله غرفته الخاصّة، وقبل أن يتّخذ مكانه على الأريكة، بادره «عبد الناصر» قائلاً:

- أشعل مدفأة الكهرباء وتدفأ، ريثما أكمل فطوري مع أهلي.

كم ودّ أن يسأله صديقه، إن كان قد تناول فطوره. وأخذ يقارن بين عادات المدينة والريف، هناك ما إن يحلّ الضيف، حتّى يهرع أصحاب البيت لإحضار الطعام.

وبعد أن أشعل المدفأة وأخذ يدفئ جسده الهزيل، تناهى إلى سمعه، صوت «عبد الناصر» من الداخل.. قائلاً:

- أرجوك يا أمّي دعيني أقدم له الفطور.

وجاءه صوت امرأة منفعلة تزعق:

- والله أنا ما عندي مطعم لك ولأصدقائك، قلت لك افطر معنا، وإلاّ ستبقى جائعاً. انصعق «عبد الله»، دارت به الغرفة، وكأنّ صفعة قويّة باغتته فجأة على رقبته، هل بلغ الأمر إلى هذه الدرجة؟! هل أصبح مزعجاً لأسر أصدقائه دون أن يدري؟!. ينبغي عليه أن يخرج من هذا المنزل، وبأقصى سرعة، لقد بات يقرف من نفسه، كان يجب أن يسافر إلى أهله، قبل أن ينفق أجرة المواصلات، فالامتحان لا يهمّ، فليرسب هذه السّنة كما رسب في السّنة السّابقة، كرامته أهمّ من دراسته... اللعنة عليه يوم فكّر أن يتحدّى ظروفه، ويتابع إقامته في حلب، حتّى يتقدّم لامتحان الفصل الأول... إنّه غبيّ عديم الإحساس، كان على والده أن يوافق على بيع قطعة الأرض البور التي يملكها، فهو رجل عجوز لا يقدر على العمل بها، و«عبد الله» يطمح أن يكون أستاذاً كبيراً، فمن سيعمل في الأرض؟ وتمنّى أن يقصف الله عمر والده، الذي طالت حياته أكثر ممّا ينبغي. وحيداً كان في الغرفة مع أفكاره، في حين كانت أمعاؤه تنهشه بعنف وجنون، وشعر بالدوّار،

وأحسّ أنّه يوشك على التقيّؤ. وفتح عليه «عبد الناصر» حاملاً صينية عليها كأسان من الشّاي السّاخن... في حين كان يبتسم ويردّد:

- أهلاً وسهلاً.

وضغط على نفسه، أجبر ذاته على الجلوس، وتظاهر بعدم سماعه بما دار من حوار، فهو على كلّ حال ممتنّ من «عبد الناصر». ودّع صديقه فور انتهائه من احتساء الشاي، كان عليه أن يمشي تحت وابل المطر الذي تضاعف انهماره.. بينما كانت النار في أعماقه تغلي من مرارة القهر والشعور بالذلّ والإهانة، راح يحدّث نفسه:

- (هل كان عليّ أن أشارك «حمود» في بيع الدخان المهرّب؟! حتّى

أتمكّن من العيش دون أن أحتاج الآخرين).

سيتّخذ قراره بعد أن يسدّ رمقه، آلام الجوع تمنع عنه القدرة على التفكير، سيذهب إلى «عماد» يطلب منه عدّة ليرات تكفيه للسفر إلى أهله،

لا حلّ أمامه إلاّ هذه الطريقة... أصدقاؤه منقطعون عن الدّوام، بسبب اقتراب موعد الامتحانات.

قبل أن يدخل باب العمارة، برز «عماد» أمامه حاملاً مظلّة سوداء.

فرحّب به ودعاه أن يصل معه إلى الفرن ليشتريا خبزاً ويعودا إلى البيت.

ساعة ونصف و«عبد الله وعماد» يقفان تحت المطر وسط هذا الازدحام، حتّى تمكّنا أخيراً من الحصول على أربعة كيلو من الخبز. ومن شدّة تلهفه على قطعة من الخبز السّاخن، أسرع ليتناول الخبز عن «عماد»، وقبل أن يصله ليلتقط قطعة ويلتهمها، وقف أمامهم والد «عماد» وبعد السلام...

قال الأب:

- هات الخبز، واذهب لتسديد فاتورة الكهرباء، ثمّ عودا إلى البيت.

أحسّ بخيبة كبيرة، فأخذ يردّد في طيّات نفسه الجائعة:

- (كم كان حظّي سيئاً؟! لماذا لم يتأخّر والد «عماد» دقيقة عن الوصول إلينا؟!).

لقد خطر له أن يتناول رغيفاً، لكنّه في النهاية خجل، لو كان «عماد»

بمفرده لكان الأمر أسهل.

في الطريق راودته فكرة أن يستدين من «عماد» مبلغاً بسيطاً يكفيه لشراء «صندويشة»، وتذكّر أنه مدان «لعماد» بأكثر من ثلاثمئة ليرة، فأحجم عن الكلام، لأنّه خجول.

تابع طريقه مع «عماد» آملاً أن يتناول عنده وجبة الغداء، بعد أن يسدّدا فاتورة الكهرباء، لم يكن يتصوّر أنّ تسديد الفاتورة، سيحتاج لكلّ هذا الوقت... الازدحام كان هائلاً... ومن جديد كان عليهما أن ينتظرا الدّور، ولم ينتهيا من أداء المهمّة حتّى انتصف النّهار.

أخيراً سيعود مع «عماد» إلى بيته ليتناولا الغداء... كان يمشي ولسان حاله يقول:

- (يا الله! متى سنصل؟ ريقي فرط، أمعائي تتمزّق، أمّا أقدامي فلم تعد قادرة على حملي).

انتبه «عماد» إلى حالة صديقه، تفحّص وجهه، ثمّ سأله:

- ما بك يا «عبد الله؟ ولم وجهك مصفرّ؟.

وكاد أن يصارحه بحقيقة جوعه، فهو يتوقّع أن يغمى عليه... لكنّه فضّل الصمت:

- (لماذا أفضح نفسي، طالما أنا ذاهب معه، لأتناول الغداء... هل من الضروري أن أطلعه على حقيقة وضعي التعس؟! لا لن أتكلم).

وعند المنعطف، أي بالتحديد، عند تقاطع الطرق الأربعة الرئيسية، أذهله «عماد» عندما مدّ له يده مودّعاً، وابتسامة الحرج على شفتيه:

- أنا آسف يا «عبد الله»، عندي موعد مهمّ وضروري مع خطيبتي، لن أستطيع أن أدعوك إلى زيارتي الآن.

امتقع لون وجهه أكثر، واضطربت شفتاه حينما رددّ:

- بسيطة... أزورك في وقت آخر.

وبعد أن تصافحا، ومضى كلّ في سبيله، خطر له أن يتشجّع فينادي «عماداً» ليستدين منه بعض الليرات، أسرع خلفه مهرولاً غير عابئ بأنظار المارّة:

- عماد... يا عماد...

استدار «عماد»، توقّف حينما شاهد «عبد الله» يتبعه، ويناديه... واقترب «عبد الله» والاضطراب والخجل يسيطران عليه:

- عماد.. أريد منك أن تقرضني بعض النقود.

ابتسم «عماد»، أطلق زفرة قويّة خرجت من أعماقه، راح يتأمّل أنامله في حيرة... ثمّ قال:

- والله يا «عبد الله» لا أعرف ماذا أقول لك، أنا جدّ آسف، وأقسم لك

أنّي لا أحمل معي سوى بضع ليرات، لن تكفيني لو دعوت خطيبتي إلى فنجان قهوة.

أحسّ بندم شديد، وبانفعال مرير، وأخذ يلوم نفسه لأنّه عرّض حاله

لمثل هذا الموقف المهين..

- (غبيّ أنا، كان عليّ أن أوافق «حموداً» وأشاركه في تهريب الدّخان... «حمود» أصبح مهرّباً كبيراً... جيوبه امتلأت خلال فترة قصيرة... أمّي تقارن بيني وبينه بشكل دائم، تلومني بدون رحمة،

تقول:

- انظر إلى حمود... يدرس ويصرف على نفسه وعلى أهله، إنّه رجل... أنت يا فرحتي عليك... لحظة تريني صورتك منشورة في الجريدة، وكأنّ الشعر سيمنع عنّا الجوع؟!)

سار بمفرده، واجهات المحلات تتحدّى فقره، وتفقأ عينيه ببريقها الأخّاذ، ومرّ بالقرب من مطعم... شاهد الفروج المشويّ يتلوّى فوق النار،

فرددّ:

- (أنا لا أطمع بتناول الفروج، «صندوشة» فلافل تكفيني... اللعنة عليّ يوم أغضبتُ «حمود»، لقد أخطأت يوم شبّهته بالجرادة، كان أكثر ذكاء منّي. ولكن كيف لي أن أكون شاعراً، ومهرّب دخان في آن واحد؟! كان يجب أن أرفض عرضه المغري... فأنا لا أقدر أن أكتب قصيدة، إن لم أكن راضياً عن نفسي).

شعر بشيء يشبه الغصّة في أعماقه تقهقه وتسأل:

- وهل أنت راض عن نفسك الآن أيها الشاعر المبجّل؟!

- ليتني أعرف عنوان «حمود»، سأبحث عنه لا شك. أمّا الآن عليّ أن أذهب إلى المدينة الجامعية، سأطلب «انتصار» وأصارحها بحقيقة وضعي... إنّ أحشائي تتقطع... تتمزقُ... تتعاركُ... تقرقرُ... تعوي... تنهشني).

وتوقف، تحيّر، وتساءل:

- (هل أعاود الكَرّةَ من جديد؟.. وأذهب إلى «انتصار» التي أحبّها

أستجديها بذلٍّ وانكسار؟!.. وهل ستتكرّر نفسُ المسألة).

توجّه إلى «المنشيّة»، انتظر طويلاً، وهو يرتعش من شدّة البرد والجوع على السواء... بعد زمن جاء باص المدينة الجامعيّة، اكتظّ بالركاب، ولأنّه لا يملك تذكرة في هذه المرّة، حدث أن توقف الباص، وصعد إليه المفتّشون، أخذوا يطلبون التذاكر من الركاب، حاول أن يختفي، أن يتملّص، أن تنشقّ الأرض وتبتلعه، أن يقذف بنفسه من النافذة المكسورة، فلم يفلح. ها هو المفتّشُ ببزّتهِ الزّرقاء يقف أمامه ويطالبه بالتذكرة... وحتّى ينقذ نفسهُ من هذه الورطة السّخيفة، بادر على الفور وناول المفتّش هويته الشّخصية، ليقوم بحجزها ريثما يذهب إلى الصندوق ويسددّ الغرامة.

ودمدم في سرّه:

- (أنا لا أصدّقُ الذي يحصل معي، هل هذا اليومُ يومُ النّحس!).

لم يجد «انتصار» في غرفتها، أخبرته إحدى زميلاتها في الوحدة الرابعة، أنّها خرجت منذ ساعتين، ولا تدري إلى أين؟ تسمّر في مكانه، واقفاً ينتظر مجيء صديقته «انتصار». مضى أكثر من نصف ساعة، فأدرك أنّها لن تأتي... فجرّ قدميه المنهكتين وابتعد. رفع رأسه المبلّل بكامل صلعته، نحو شرفات الوحدة الرابعة، فتلاقت عيناه الغائرتان بالفتاة التي أبلغته بخروج «انتصار»، تقف مع ثلاث فتيات في الطابق الثالث يتغامزنَ ويضحكنَ بشدّة.

فانتفض قلبه كسمكة قذفها الصيّاد فوق الرّمل، وغصّت حَنجرتهُ بألمه، فأراد أن يبصق، وإذ به يجهش في بكاء مرّ. عاد أدراجه من المدينة الجامعية، سيراً على الأقدام المنهكة والمتورّمة، والدنيا مظلمة في عينيه الزائغتين، من شدّة الجوع:

- (الموت أهون من أن أصبح سخرية، كان يجب أن أسافر، اللعنة

على الجامعة، كنت أطمح بالشهرة والمجد، وها أنا أتحوّلُ إلى سخرية... ينبغي لي أن أجد «حمود» سأعمل معه، صدق «حمود» في قوله: (معك قرش تساوي قرش).

ولأنّه لا خيار له إلاّ بالبحث عن صديق يطعمه وينقذه من جوع هذا اليوم، قرّر أن يعود إلى منزل صديقه «بشير» الذي ذهب إليه صباح هذا اليوم... فما أدراه؟ لعلّ «بشيراً» كان بالفعل غير موجود في البيت، أو ربّما كان نائماً فلم يشأ أن يستيقظ باكراً. على أي حال «بشير» أفضل من جميع أصدقائه.

استطاع أن يلتقي «ببشير»، وما إن استقبله حتّى ضحك، وقال:

- أنا آسف لأنّي لم استقبلك صباحاً.. كنت نائماً حقّاً.

ابتسم بينما كان الأمل ينبعث من أعماقه في حصوله على الطعام:

- كنت واثقاً أنّك موجود في البيت.

دخل إلى غرفة الاستقبال الفخمة، وإذ به يصطدم بعدّة أشخاص موجودين، فرمى السّلام وجلس شاعراً بالحنق من حظّه السيّء. قال «بشير»:

- أعرّفك على شركائي في التجارة.

ابتسم مندهشاً:

- هل أنت تعمل إلى جانب دراستك يا بشير؟

قهقه «بشير» وأجاب:

- بالطبع... أتريدني أن أكون مدرّساً في المستقبل؟!

اتّسعت دهشته، وسأل:

- إِذَنْ، لماذا تتابع دراستك؟!

- حتّى أرضي غرور بابا وماما، هم متمسّكون بالشكليّات، الشهادة الجامعية ضروريّة في تقاليد عائلتنا. واستطاع «عبد الله» أن يرسم على شفتيه، ابتسامة المجاملة في حين كان يسأل:

- وبماذا تتاجر «يا بشير»؟ شغّلني معك إن كنت أنفع.

وانفجر «بشير» بضحكة مجلجلة، صارخاً في هياج:

- أنت لا تنفع يا صديقي في شيء، سوى في الشعر، لأنّك رومانسي.

احتجّ «عبد الله»، وأراد أن يقنع صديقه بأنّه ليس رومانسياً ويصلح للعمل:

- قل لي بماذا تتاجر؟ لأبرهن لك أنّي إنسان عملي.

احمرّ وجه «بشير» وقطّب وجهه، وأشار بيده إلى الرجل البدين، الجالس قرب التلفزيون الملوّن:

- اسأل «أبا درغام» عن نوع تجارتنا.

فما كان من «أبي درغام» إلاّ أن ابتسم، وتكلّم بصوته المتهدّج:

- نحن يا أستاذ نتاجر بشراء البطاقات التموينية... فما رأيك؟

انصعق «عبد الله»، وأراد أن يتكلّم، لكنّ صوت «بشير» أوقفه:

- ما رأيك يا صديقي؟ أنا مستعدّ أن أدفع لك خمسمئة ليرة، على كلّ بطاقةٍ تشتريها لي.

وسأل «عبد الله» في حيرة:

- وكم تدفع ثمن بطاقة الشّخص الواحد؟

- بألفين وخمسمئة ليرة، باستثناء ما ستتقاضاه أنت.

وجم «عبد الله» برهة، ثمّ رددّ:

- هذا حرام... أنا بالفعل لا أصلح لمثل هذا العمل.

وضجّ المجلس بالضحك، في حين كان «بشير» يرددّ:

- ألم أقل لك، أنت لا تصلح إلاّ لكتابة الشعر.

قدّم «بشير» لضيوفه الشّاي ثمّ القهوة، وسكائر أجنبية فاخرة، و«عبد الله» في حالة يرثى لها... وكلّما همّ بالانصراف راودته فكرة أن ينصرف شركاء صديقه قبله، وبالتالي سيطلب الطعام من «بشير» حتّى وإن تقاعس عن إحضاره.

من خلال الجلسة علم أنّ شركاء «بشير» كانوا مدعوّين على تناول الغداء، ولقد تناولوا غداءهم قبل مجيئه بلحظات، وعرف أيضاً أنّ «بشير» قدّم لضيوفه (لحم بعجين)، فقال حتى يحرّض «بشيراً» على إحضار بعض الأقراص له:

- والله يا أخي (اللحم بعجين) لذيذ، أنا أفضّله عن سائر المأكولات.

فابتسم الجميع دون أن يحرّك «بشير» ساكناً.

وبعد فترة شعر بالدوار، ثمّ بالغثيان، وبلعابٍ شديدٍ، يملأ فمه، وازداد شحوب وجهه، أخذ جسده النحيل برتجف... وانتبه الحضور إلى حالته، فأسرع «بشير» لإحضار كأسِ الماءِ لهُ، وسألهُ شريكُ «بشير» الضخم الجثة:

- لعلّكَ جائع؟!.

أراد أن يغتنم الفرصة الذّهبية، ويرغم «بشيراً» على إحضار الطعام:

- والله أنا لم أفطر... ولم أتناول الغداء.

وأخذ الجميع يلومونه... حتّى «بشير» دون أن يتحرّك:

- هذا لا يجوز... الجوع كافر... عليك أن تعتني بصحّتك.

ولم يبادر «بشير» لتقديم لقمة لصديقه.

حان وقت الغروب، وأخذ القوم يتململون، وينظرون في ساعاتهم.

قال شريك بشير:

- متى وعدتَ الجماعة بحضورنا إليهم؟

رد «بشير»:

- في تمام السّادسة.

أدرك «عبد الله» أنّ القوم، ينبّهونه إلى ضرورة الانصراف، نهض مستأذناً.. وما إن خرج حتّى صفعته الأمطار الهاطلة بغزارة لا مثيل لها...

حاول أن يحمي صلعته بيديه، وانحنى راكضاً ومحتمياً بالشرفات... وحين دوّى الرّعد بقوّة هزّت الأرض، كان على «عبد الله» أن يقرفص فوق الرصيف ليتقيأ فوق جداول الماء المتدفقة.

الشوارع خالية، مرعبة، وعليه أن يجتاز طريقه من «الجميلية» إلى «حيّ الأعظمية»، وهذه المسافة ستستغرق نصف ساعة معه بالتأكيد.

- (سأترك الجامعة، وأرجع إلى أهلي، أعمل في أرضنا، إن فشلتُ في تحقيق حلمي، فهذا لا يعني أن أشارك «حموداً» أو «بشيراً»... سأبقى إنساناً نظيفاً).

وفور أن دخل بيته، وجفّف نفسه بعض الشيء، هرع إلى المطبخ ليلتهم حبّات الزيتون. وبدرت في ذهنه فكرة جعلت الأمل يستيقظ في أعماقه الجائعة:

- (نعم، سأنزل وأبيع للسمّان كتبي الجامعية بالكيلو).

أحضر حقيبة جلديّة يستعملها عند سفره لأهله، ملأها بالكتب بسرعة جنونية، لم يعد قادراً على الاحتمال، إنّه مهدّد بالسقوط. وبينما كان يهبطُ الدرجَ المعتمَ، فجأةً توقفَ عن النّزول، والدّهشةُ تقفزُ من عينيهِ الغائرتينِ، هذا غيرُ معقولٍ... إنّه لا يصدّقُ مايراه، إنّه العجوزُ والده!!!.. يتوكّأُ على عكّازِهِ، بينما يحملُ في يدِهِ الأخرى سلّةَ قَشٍّ مليئةً لا شكّ بالأطعمة.

لا... لا يقدر أن يصدّقَ أنّ هذا المقوّسَ الظهّرِ أبوه... فوالدهُ مريضٌ لا يقدرُ على النّزولِ إلى المدينة... تأمّلَهُ جيداً... اقتربَ منّهُ أكثرَ، والدّمعُ ينفرُ من عينيهِ... وانبعثَ صوتُهُ المخنوقُ من أعماقِهِ:

- أبي!

كان الكهلُ رافعاً رأسَهُ الملفّعَ «بالجمدانة» السّوداءِ، نحو «عبد الله»، وفوقَ وجهِهِ المكسوّ بالتّجاعيدِ ترتسمُ على فمهِ الذي خلا من الأسنان منذ أمدٍ بعيدٍ، ابتسامةً عذبةً، دافئة. في حين كان يَلهثُ بعنفٍ وصعوبة:

- منذ الصباح وأنا أبحث عنكَ يا ولدي.

اندفَعَ نحوَ والدِهِ، احتضنهُ بشدّةٍ، بعنفٍ، بقوّةٍ، بشوقٍ، بحنانٍ، برقّةٍ، بحُرقةٍ... انحنى على يدِهِ التي تتمسّكُ بعكّازِها، قبّلَها بحرارةٍ بالغةٍ، أحسّ بدفئها، بنبضها، بخلجاتِها، بحنانِها، فلم يكن يدرُكُ مدى حبّهِ وتعلّقِهِ بأبيه، قبل هذهِ اللحظة.

وفجأةً تحوّلت يدُ والدِهِ المعروقةُ، والراعشةُ، والمتشقّقةُ، أمام عينيهِ الدّامعتين إلى واحةٍ خضراءَ، تشبه الرّيف بخيراتِهِ وعطاءاتِهِ، وعاداتِهِ.

في حين كان «عبد الله» يصرخ، بصوت شبيه بالنباح:

- آهٍ يا أبي... لو تدري كم المدينة ابنة كلب؟!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى