عبدالكريم الساعدي - وداعاً روخشانا.. قصة قصيرة

الساعة العاشرة صباحاً، المكان غارق في سكون مريع، يرسم لوحة شوهاء على أطراف بلدة فيروزكوه*، لا يقطعه سوى صراخ منبعث من حفرة، اتّخذت شكل القبر، ترقد وسطها روخشانا، فتاة في العشرين، تتنفس رعباً، يترنّح الاستغراب فوق ملامحها، وحيدة تواجه موتها على أعتاب عالم ممعن بالخراب، ملتحف بالوهم، تحدّق إلى خطيبها المنبطح أمامها، شاب وسيم، عارٍ إلّا من سرواله الداخلي، ينتظر أنشودة الجلد، يحيط بهما رجال معمّمون، وأمراء حرب، يتْلُون آية الرجم والجلد، وآخرون يحملون هواتف محمولة بانتظار حفلة الهراء، هو يستدير نحوها، يستوي على أنقاض لهيب الفزع، بعدما رقصت سياط العقاب على ظهره، يتبادلان نظرات أخيرة، يتذاكران أياماً خلت، بلّلها ندى العشق عند شجرة علقت على أغصانها أماني ومسرات، يرفرف الطير لحبهما؛ المسافة بينهما تتقلص، يُخيّل إليه أنّه يلمس شعرها، يقبل جبينها كما الأمس؛ بيد أنّ الحلم تلاشى مثل دخان في مدى بعيد؛ تنزلق الدموع على خدودهما موشّاة بالأسى، دموع تحكي سرّ أحلامهما الميتة على دكّة الخليفة.

تطلّ عليهم بسؤال بريء، تستجدي عطفهم :

– ما الذي فعلناه؟ ألم تعلموا أنّنا خطيبان؟

– ولِمَ فررتما من البلدة؟

– كانت محاولة للعثور على مكان نعقد فيه قراننا.

لا أحد يكترث لأقوالها؛ تنادوا فيما بينهم:

– عليكم بالحجر.

تستغيث بالسماء:

– إلهي، أنت تعلم أنّي لست زانية، وما يفكر به القوم محض ظنون.

ينقطع نداء الاستغاثة لمّا انغرز التكبير في أذنيها، ترعد بالتشهد؛ المسافة بين التكبير والتشهد ليست بعيدة، تمطر حجراً كي تدكّ بكارتها، تتّقيه بيدين رقيقتين دون جدوى؛ وقبل أن تغرق بدمائها وتهوي إلى الأرض جثة هامدة، تفتح شباك العتب:

– أيّها الحبيب ألم تقل في لقائنا الأخير:

( أنا أنتِ، وأنتِ أنا، أنا متُّ؛ فلماذا لم تمتْ أنتَ؟)

يصفعه الصدى، يقف ذليلاً، منكسراً، تدمع عيناه، يومض ظلّها المتماهي مع ظلال الشجرة من بعيد، يتكأ على صرختها الراعدة أصداؤها في الآفاق :

– لم يكن لي خيار إلّا أن أتّبع خطاكِ، الموت يتسع لنا جميعاً… وداعاً روخشانا.

يجرّ خطاه متثاقلاً صوب الشجرة، كحصان مريض ينتظر رصاصة الرحمة.

{ فيروزكوه: مركز ولاية غور وسط أفغانستان.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى