أدب السجون كريم جخيور - مذكرات معتقل..

اعتراف I

عام ١٩٩٢ وتحديدا في ٢٦ /٥ /١٩٩٢ وكنت أعمل بائعا (للكيك ) في سوق البصرة . الوقت عصرا وكان الكيك على وشك النفاذ . حضر الصديق القاص جابر خليفة جابر
بإنتظار ان انهي العمل والذهاب الى العشار واللقاء مع الأصدقاء في المقهى لنبدأ نقاشاتنا الأدبية.
في تلك اللحظة جاءني شخصان يبدو عليهم الأحترام والأعتداد بالنفس سلموا علي وقال لي احدهم انت كريم جخيور فقلت له نعم.. قال الشاعر كريم جخيور قلت له نعم
تفضل
قال نريدك معنا
كان معي جابر يقرأ في جريدة الجمهورية او هكذا أوهمهم
وبعدها طلبوا ان احسب الفلوس واسلمها الى جابر
وبأقل من دقيقة تم كل شيء
في الطريق اشتريت علبة سكاير فقال لي الضابط خذ علبتين
في الشارع العام وجدت سيارة تنتظرنا وفيها مدير أمن البصرة ... بعيدن عرفت هو مدير أمن البصرة
وكان معه الصديق الناقد عبد الغفار العطوي.فسلمت عليه.
اول ما ركبت السيارة سحب علي الضابط مسدس وهددني ان لا اتحرك ولا تخرج مني مني اي حركة فقلت له أطمئن لن أفعل أي شيء.
فجلست وكأنني ذاهب الى العشار
بعدها سألني المدير تعرف القاص عبد الأمير محسن
فقلت له نعم
القاص عبد الكريم السامر فقلت له نعم
ووووووووووو
نعم نعم
وصلنا الى مقر المخابرت العامة
طلبوا ان انزل رأسي
نزلنا بكل أحترام .


**

إعتراف II

كان الحرس يرتدي ملابس رياضية ، ضخم الجثة وإذا ما أراد أن ينفخ علي أطير ٠٠٠٠ هكذا تخيلت ولكنه لم يفعل شيء، أخذنا الى المعتقل
أنا في غرفة وصديقي عبد الغفار وضعه في غرفة أخرى.
أدخلني في غرفة صغيرة .. مظلمة .. لا مصباح فيها
لا فراش..
في هذه الغرفة وجدت صديقي كاظم حسن سعيد الذي كنت عنده في بيتهم قبل أن يمسكوني بثلاث ساعات
تصاعدت الأسئلة والشكوك في رأسي
وبعد السلام، وأعترف لكم كان باردا جدا،
أعترف بكل وضوح ودون خوف أنهم جاءوا اليه بعد خروجي من بيتهم وقد أخبرهم انني كنت معه .. تغدينا معا وقد خرجت منه قبل ساعة وذهبت الى عملي
بائع كيك في البصرة القديمة .
لم أزعل منه ولم أعاتبه فنحن الأن في معتقل المخابرات العامة وهذه الأمور أتركها الأن هكذا قررت وقد نجت في ذلك.
وبدأنا نتحدث في القضية
أنا لا تربطني أية علاقة بقادة التنظيم
ضياء الدين البدران
عبد الكريم سلمان
وكانا على علاقة طيبة مع النظام واقولها صادقا كنا نخاف منهم واتذكر أنه في احد الأجتماعات مع الهيأة العامة للمنتدى حول إقامة مهرجان الشعر للشباب وكان يتحدث عبد الكريم السلمان قال له الصديق القاص جابر خليفة جابر اذا كانت إمكانياتنا ضعيفة علينا أن لا ندعو السيد المحافظ
فرد عليه عبد الكريم سلمان معترضا أن من يعترض على حضور السيد المحافظ أعتبره شخصا غوغائيا .
وهنا سكتنا
سكتنا كلنا بدون كلمة.
أنتهى الليل أنا اتحدث وكاظم حسن سعيد ساكت
يبدو أن صديق يعرف يعرف عنهم ما لا أعرف
تحدثنا عن بقية الأصدقاء
عبد السادة البصري ..فرات صالح...دكتور عادل الثامري ..واثق غازي .. عبد الأمير محسن.. عبد الرزاق صالح
عبد الكريم السامر
ثم حل الصباح .
انتهت الليلة الأولى
هل ناموا الليل.....وكيف ناموا
أخي عادل
زوجتي فوزية والأطفال بيداء ..عمر ..محمد..بلقيس


***

اعترافات معتقل III

بدأ النهار ولا أقول الصباح.
فلا صباح عند المساجين.
سمعت صوت صديقي عبد السادة البصري وهو في طريقه الى المرافق الصحية ، قال صاحبي كاظم وهذا حمدي حداد فقلت من هو حمدي حداد .. هل هو من جماعتهم واقصد
ضياء البدران وكريم سلمان؟
فقال لي نعم هو طالب في جامعة البصرة وشاعر ويكتب أغاني وأناشيد وطنية ولكنه مع النظام فكيف حصل هذا......
.....؟
بعد لحظات جاء دورنا في الذهاب إلى المرافق الصحية
وبعد العودة انهينا فطورنا وكان شوربة عسكرية مع صمونه جيش وشاي بارد.
ثم فكرت ب حمدي حداد أحد الضحايا القادمين
فكرت في أطفالي
عمر ..... بيداء. فكرت في زوجتي
هل أخبرهم جابر في قضية الاعتقال
وماذا قالوا عندما سمعوا الخبر
عادل لا يدخن اعرف ولكن أعتقد انه لم ينم من لحظة الأعتقال .
وماذا قالوا عني الأصدقاء
عدت الى الحديث مع كا.ظم
هل يعرف ضياء البدران الشاعر علاوي كاظم كشيش..؟
لا لا ولكنه معجب بقصيدته التي فازت بجائزة اللوتس.
نعم نعم إنه أقام جلسة شعرية لها .
كلنا نتذكر هذه القصيدة التي فازت في التسعينات .
قلت لا اعتقد انه شاعر ولكنه قوي في اللغة وحافظ جيد للشعر اما كريم سلمان فلا أتذكر له مقطعا شعريا تركه في ذاكرتي او خيالي
ثم قلت لا اعتقد انه شاعر.
هو سياسي محترف
ثم ضحكت حين قلت أنه اعطاني ذات يوم ٥٠ دينار.
وقلت ربما سجلها تبرعات للحزب .
وبدات اضحك وكاظم يضحك معي.
في الليل أرسل الضابط في طلبي
فقمت خائفا تكاد ان تنخلع ملابسي عني .
قال لي الضابط
هل تعرف كريم السامر
نعم هو صديقي
طيب انت خوش ولد حتى تأخذنا الى بيته الأن
فقلت له
سيدي انا لا اعرف اين يكون بيتهم
فقال كيف وهو صاحبك
ثم اسدار علي بضربة قوية جدا
فسقطت ارضا وانا اصيح والله والله ما اندل بيتهم
نحن نجلس في المقهى او الأتحاد او المنتدى ليلا نجلس في البار نشرب
فضحك الضابط وقال انتم حزب الدعوة كلكم تشربون عرق ليلا وفي النهار تصلون.
ثم أمر الحرس ان يعيدني الى المعتقل


****

مذكرات معتقل IV

عدت الى السجن أو أعادني الحرس الى السجن الذي لم يتكلم معي كلمة واحدة.
كاظم ينتظرني ... ينتظر الأخبار التي سأقولها .
لم أكن مستعدا للحديث
دخنت سيجارتين وصدرت مني بعض التؤهات المرة والحارة.
في الصباح اقصد النهار وقبل الغداء
جاءنا حرس جديد مدججين بالسلاح .. بنية جسمانية كاملة
و وجوه قاسية
وحتى أختصر كانوا حراسا قساة .
شدوا أيادينا وأعيننا واجلسونا بصمت وخوف
تحركت السيارة منطلقة الى (قوة عدنان) في محافظة ميسان (العمارة)لم نكن نعرف
ولكننا عرفنا منهم اي من مجموعة الحرس التي أخذتنا.
وكنا خمسة أشخاص
كريم جخيور..كاظم حسن سعيد....عبد السادة البصري.. عبد الغفار العطوي..حمدي حداد
بعد ساعتين ونصف صلنا الى قوة عدنان يبدو أنها وحدة عسكرية
تولى الحراسة علينا شخص أسود رغم أنه عبد وابن عبيد قام بتعذيبنا تعذيبا مريرا وهو يضحك .
وفي اليوم الثاني جاءت السيارة ونقلونا بنفس الطريقة والشدة الى بغداد.
ولكن لا نعرف أين في بغداد وفي أي معتقل .. قلت ربما الى المخابرات .. الأمن العامة ..
ماذا تعمل فوزية الأن .. وكيف هي
وهل نام الأطفال بيداء...عمر.. محمد ..بلقيس..
عقلي يدور .. يدور بشكل جنوني.
ماذا قال لهم جابر
وهل أخذوا فلوس من عمهم عادل...
طالبونا ان ننزل رؤوسنا
وبعد دقائق
نزلنا
الى أين؟
الى القصر الجمهوري
هذا ما نسمعه من كلامهم
شيء لا يصدق ابدا.
وضعونا في حديقة ... سمعنا صوت نسائي
الله .. الله صوت رقيق وعذب ونحن شعراء
شيء لا يصدقه الآخرون..
منحونا ماء
وبعد لحظات بدا التحقيق.


*****

مذكرات معتقل /٥

كنا نجلس متعبين وخائفين في الحديقة.. حديقة القصور الرئاسية ، حركة هنا..حركة هناك .. اصوات نسائية ناعمة ..ضحكات متقطة...
هجم علينا الديك الرومي ..أخذت حصتي من هجومه القاسي
هم يضحكون علينا ونحن خائفون..خائفون ونترقب ما هو قادم.
لم أعرف التحقيق من قبل وكل ما أعرفه هو ما قرأته في القصص والروايات مع انها طارت..تبخرت من عقلي .
الساعة الخامسة والعشرون وحدها أتذكرها .. قرأتها مرتين
ولكن التحقيق في القصص والروايات مجرد كلام هنا
وتمثيل هناك.
اذن كيف يكون التحقيق؟
لا أعرف .
صاح الحرس ..كريم جخيور
قلت نعم
فنهضت واخذني الى الغرفة..مغمض العينين ويداي مربوطتان
سلمت عليه.
وامرني بالجلوس.
شعرت ان الضابط كان منشغلا بالطعام
بعد خمسة دقائق
سألني ..
منو أنت وماذا تعمل
فقلت له نعم سيدي أنا كريم جخيور
واعمل بائع كيك في سوق البصرة .. شاعر
متزوج ولدي اربعة أطفال.
فقال اعرف اعرف وانت طيب وخوش ولد ولا تبيع الوطن
صحيح انهم حاولوا أستدراجك الى ألاعيبهم
ومنحوك فلوس وأخذوك الى أيران.
فقلت له
لا سيدي والله العظيم .. بالعباس
لم يعطوني فلوس ولم أذهب الى إيران
وانا لا أصلي ولا أصوم
فضحك وقال
أعرف انت عراقي بطل ولكنهم حاولوا والأنسان يضعف أحيانا وخاصة اذا كان فقيرا
أنت وافقتهم وفي الأخير رفضت
هذا كلام راح وانتهى لا نريد ان نعيده
والآن قل لي
من فاتحك بالأنضمام
ومن هم جماعتك
متى عبرت الى إيران وكم بقيت هناك
و كم أعطوك فلوس.
لا أريد منك غير هذا الأعتراف
فأنت عراقي وطني ..طيب وخوش ولد
بعدها توقع على اعترافك
حتى أطلق سراحك من هنا وتروح الى زوجتك واطفالك.
سكت لحظة
ثم قال أنت أبو من
فقلت له ابو عمر
فضحك وقال
هذا أسمك الحركي
فقلت له لا إبني اسمه عمر
فقال أنت سني
فقلت له لا أنا شيعي
فسكت لحظة وأخذ يشرب شاي وهو يقول لي
سوف أقوم واخليك تعترف بالقوة
فقلت والله بالعباس ..بشرفي ما عندي شيء
فقال
انعل ابوك لابو حتى شرفك
حقير قواد
ونهض من مكتبه
شعرت به يقترب
وبدا الضرب
على ظهري وأكتافي ورجلي
وانا ابكي واصرخ اصرخ .اصرخ
ثم صاح على الحرس
علقه من يديه بالمقلوب
وبأخف من ريشة علقني الحرس
وانأ ابكي واصرخ


******


مذكرات معتقل/٦

علقني الحرس من يدي بسقف الغرفة
وبدأ يسحب رجلي الى اسفل وانا اصرخ... اصرخ.
صرخ بي المحقق
أعترف
أعترف
وهو يضربني بالعصا على ظهري
فقلت بصوت متقطع
والله والله انا ما عندي شي
لم انتم لهم
فقال تنتمي لمن ؟
ليش هم عندهم حزب
وأنت تعرف
أذا اعترف
وضربني بقوة
اعترف
فقلت له والله لست منهم
فقال انا أعرف لست منهم
قلت لك فقط أعترف عليهم
والآن سوف انزلك وترتاح وبعدها تعترف حتى تروح الى
بيتكم.
انزلوني جثة هامدة
بقيت ممددا على الكاشي.
وبعد دقائق أمر بأخراجي
ساعدني الحرس على الخروج الى الحديقة
الى المكان الذي اتيت منه.
جسلت قليلا
نظرت الى أصدقائي
......
بعدها أخذونا الى جهة مجهولة لم نعرف ما اسمها
سمعت منهم الساعة الآن ٣ وربع صباحا
وصلنا قال لنا الحرس
ناموا حتى ناتي لنأخذكم صباحا.
ودون ان نتكلم نمنا .
جاؤوا صباحا
ربطونا وأخذونا ٣ جلسنا معهم ووضعوا ٢ في الصندوق
صندوق السيارة.
وحين وصلنا
بدأ التحقيق.
قال لي اعترف
ان صاحبك أعترف عليك
فقلت له
ليعترف أمامي
فقال للحرس
صيحوا الى عبد السادة
فقلت في نفسي سبحان الله
هل فعلها عبد السادة
وحين دخل عبد السادة
قال له اعترف: أليس كريم في حزب الدعوة؟
فقال له : نعم كريم جخيور صديقي وليس في حزب الدعوة
فظل الضابط ساكت .
ثم أمر عبد السادة بالخروج.
بعدها ... بعد كثير من التحقيق أمرني بالخروج.
عبد السادة البصري
كاظم حسن سعيد
حمدي حداد
عبد الغفار العطوي
أسامة جاسم
الساعة الآن الواحدة والنصف ليلا
وصلنا الى السجن ....
ونمنا


*******

مذكرات معتقل /٧

جلسنا في الصباح . لا اتذكر من ليلنا شيئا . اقصد لم احلم .. لم افكر في شيء
حتى انني ما عدت افكر في فوزية ولا الأطفال ٠٠ أخي عادل وعائلته.
لم اعد أفكر في الأصدقاء
ولا حتى في الشعر.
نحن موتى هكذا أفكر
وجاءوا الينا
ركبنا في السيارة واخذونا الى التحقيق.
وضعونا .. منفردين.. ومربوطين في الحديقة
عبد السادة البصري صاحوا بأسمه
فاخذه احد الحرس
ساعة تقريبا وخرج عبد السادة يضحك وفي يده سيكارة
أجنبية
فقلت مع الأسف عبد السادة لم يتحمل التحقيق واعترف كذبا
بكل ما يريدون
لحظة وجاءني عبد السادة فقلت له
ها عبد ماذا اعترفت لهم فضحك مني
واعطاني سيكارة
وقال انا عبد السادة كريم لم اعترف بشيء
ولكن من يصيحون بأسمك
من في داخل الغرفة
قلت له من
قال صدام كامل وتكلمت معه حول فيلم الأيام الطويلة ودوره في الفيلم
ووووووو حقيقة تكلمت معه عن الفن بشكل عام
ثم طلبت منه كيكة وجدتها في يده ياكل منها
فقال بعد التحقيق أخاف عليك ( تذب من راسك)
لحظة ٠٠٠ وصاحوا بأسمي
دخلت كالعادة خائفا وأقول صراحة كنت ارتعش خوفا
أدخلني الحرس الى الغرفة
وجدت صدام كامل وامامه بطل خمر لا أعرف نوعه
فسلمت عليه
فرد السلام
لحظة
ثم بدأ بالكلام
عليك ان تعترف من البداية
فاعدت عليه الكلام ... ..
فامر الحرس بتعليقي والضرب بالعصا
ثم قال لو تبقى هنا عشرين سنة
يجب ان تعترف
وانا لا شيء عندي سوى البكاء والصراخ
والحلفان بالله .. بالعباس
بشرفي
ثم أمر بضربي ثانية. وانا ابكي واصرخ
بعدها انزلني .. امر الحرس ان يعطيني ماء
يبدو ان الخمرة تصاعدت.
بعدها اعطاني سيجارة
جلست دقائق
قال له المحقق
سيدي أنت اشرب وانا اكمل التحقيق
انه الليلة سيعترف.
فقال صدام كامل ها
الليلة ستعترف
فقلت..
والله سيدي ما عندي شي.
ثم امر الحرس بأخراجي
ذابلا ٠٠٠ منكسرا
بعدها جاءني صديقي عبد السادة
ليعطيني قطعة كيك
وسيجارة.
الساعة الآن الثانية والنصف
ثم جاء الحرس وأمرنا بالنهوض
نهضنا٠٠ تأكدوا من ربط ايدينا وعيوننا
وأخذونا.
في كل يوم ننام في معتقل والحقيقة نحن لا نعرفها اين تكون
ولكن هذه المرة أخذونا الى معتقل المنتخب العراقي ٠٠٠٠
عرفنا هذا وتاكدنا في الصباح.


********


مذكرات معتقل /٨

هذا الصباح يبدو مختلفا
كيف
لا اعرف ولكن هذا يبدو
لم يات الينا الحرس لياخذنا الى التحقيق
بدانا نتكلم ..نتكلم دون خوف
أقصد دون خوف من بعضنا
عبد السادة..رزاق صالح..حمدي حداد ..واثق غازي..كاظم حسن سعيد
وجاء وقت الطعام
قصعة كالعادة
وبعد . ...
السيجارة
من يستطيع ان يحصل عليها
كيف..ومن اين
هنا قلت الى عبد السادة ان يحصل لنا على سيجارة
فقال بسيطة.. بسيطة
حصل على سيجارة من الحرس
تقاسمناها ثلاثتنا
انا وعبد السادة وكاظم حسن سعيد.
آلله الله سيجارة بعد الغداء.
لحظة وصاح علينا الحرس
استعدوا....
نقلتنا السيارة الى معتقل جديد
ولكنه يختلف
يختلف جدا
سجن يبدو قديم
فيه غرف انفرادية
كل واحد وضعوه في غرفة
حجمها لنفر واحد
مساحتها أقل من متر
غرفتي كانت مملوءة ب (الزراب)
وال (الشنبار)
صحت على الحرس
لم يجب
ضربت الباب مرتين فجاءني بكل عصبية فتح الباب وضربي
فقلت له
سيدي شوف الوساخة
فقال لي
أي نضفة بيدك ونام
فقلت له سيدي ما يتنظف
لحظة وحولني الى غرفة ثانية
تبدو احسن من الأولى.
حسب اوامرهم ننادي على الحرس بكلمة سيدي
هو ليس ضابطا
ولكن هي الأوامر.
انهيت اليوم في ظلام دامس..
خوف .. رعب.
فكرت في زوجتى ..اطفالى
ماذا حصل لهم
بيداء هل سجلتها أمها في الصف الأول
هل يمر عليهم جابر
ماذا يقول حين تساله فوزية
هو لا يعرف عني سوى ان يطمئها حتى ولو كذبا
..............
فكرت أن اعترف
فضحكت ضحكت
وماذا اقول
هل اقول لهم أنا في حزب الدعوة
أو من جماعة المجلس الأعلى الأسلامي
كيف
وأنا لا أصلي واشرب خمرة تقريبا ليلية

أعتيادي هم يعرفون ذلك من المخبرين
وشيئا فشيئا
اخذني النوم..
في الصباح..
أي صباح ..
في الحقيقة صرت بل صرنا
انا وأصدقائي الذين معي في المعتقل لا نعرف الأوقات
صرنا لا نعرف سوى غرفة التحقيق
وما يتركه التعذيب من قسوة وألم.
لا احد منا تخلص منه
حتى الشاعر واثق غازي الذي كان بطلا في الكونغو
وقع كثيرا تحت التعذيب المذل والمهين
بعد الأكل ..فتحوا أبواب النزانات وخرجنا منكسرين.
اخذونا الى التحقيق .. صرنا نعرفه
وهم أيضا يعرفوننا
وكل المعتاد جلسنا متفرقين في الحديقة..
وبدأ التحقيق
صاحوا باسم عبد السادة البصري.
في غرفة التحقيق لا نسمع الأصوات
أقصد اصوات التحقيق
الأسئلة....الأجوبة رغم أننا ننتبه خائفين اليها
مع هذا نسمع البكاء .. الصراخ
ثم صاح بأسمي
دخلت الغرفة..غرفة التحقيق
المحقق يختلف..
جديد هو
الأسئلة تكاد أن تكون هي ذاتها
مع اضافة في التعذيب (والفشار)
الأجوبة نفسها ... وربما أضيف عليها ما يخفف التعذيب
فلا شيء عندي
فأنا لست منهم .....
ليته يصدق بهذا
وبعد منتصف الليل أخذونا الى معتقل جديد
ولكن أين
لا احد يعرف
فنحن لا نعرف السجون ولا المعتقلات وكل ما نعرفه
هو من القصص والروايات
قبل ان نبقى في معتقل الرضوانية واثناء المعتقل نقلونا الى ٢٧ معتقلا .. المخابرات.. الأمن العامة .. ابو غريب
معتقلات الأسرى .. منهم الأسرى الكويتيون حتى أنني كنت أعرف أحد اسمائهم
حتى ان احد المعتقلات..كان في محافظة تكريت
والأسباب كثيرة منها تفتيش اللجان الدولية.
دخلنا المعتقل الجديد والأفضل ان اقول الغريب
فحقيقة لا جديد عند هذه الدولة


*********


مذكرات معتقل/٩

نزلنا او أنزلونا الى المعتقل على شكل ثلاث قاعات متلاصقة
صاحوا على الحماية فجاؤوا مستعدين ..
...فرحين
وقالوا وهم يضحكون هذه حصتكم.. نحن اخذنا صحتنا ثم اخذوا
السيارات وغادروا.
صاحوا باسمائنا
العدد مكتمل
ثم بدأوا يمارسون وحشيتهم
ساعة وهم يضربون بنا
ويسبون بنا ..
ثم أدخلونا ونحن نبكي ونصرخ
متوعدين بنا ان ياخذوا حصة الصباح.
بعد ان نمنا متعبين ومنكسرين ومذلولين جاءهم الصباح
.. نعم ولا أقول جاءنا
فصرنا كما قلت سابقا لا نعرف الصباح.
الفجر بدأ بالظهور
أصاباتنا واضحة هنا وهناك.
صاح بنا الحرس بصوت واحد
الكل نهضوا
ثم امرنا أن نجلس .. ممنوع ان نتكئ او ننام
القاعات متداخلة
عدد المعتقلين ٤٥٠ معتقل رقم مخيف
الكل ينظر الينا
سلموا علينا كل من مكانه وبطريقته الخاصة
رأيت أحدهم يدخن
ثم رأيت ثان وبعد قليل هناك ثالث ..
قلت الى عبد السادة
فقال بسيطة. .. بسيطة
وبعد ساعة حصل لنا على سيحارة
متكونة من تتن وورق عادي
فضحك عبد السادة وضحكت
ضحكنا بخوف شديد فالضحك ممنوع كما قالوا لنا.
قال احد المعتقلين لا تنسوا دوركم في المرافق
فقلت له والطعام
فابتسم وقال الطعام في الليل
فقلت اقصد الغداء
فقال هي مرة واحدة نأكل....
بدات أتفرس وجوه المعتقلين
هذا جمال
وهذا أخوه علي ... أنا لا اعرفهم جيدا فهم صغار بالعمر
ولديهم دكان بسيط أبوهم الرجل الطيب يبيع به واحيانا أمهم ...... هل هم في حزب الدعوة
قلت لا اعتقد ..لا اعتقد ولكن احد اقاربهم من أهالي العمارة
في حزب الدعوة وكان مختئا عندهم هذا ما سمعته في المنطقة
ولكن هؤلاء صغار في العمر ٠٠٠٠٠٠٠
الله يساعد امهم عليهم ...
انتهى اليوم الأول .. الثاني .. الثالث .. العشرين
لا شيء يستحق الذكر سوى التعذيب التعذيب البسيط
ولكن خلال هذه الأيام جاؤوا لنا باثنين
العقيد فرات صالح وصاحبه
أدخلوهم الى القاعة وبدأوا التعذيب عليهم
أحد الحرس أسمه صدام .. ممتلئ.. شاب
عذب فرات لمدة ساعة
لم يتركه الا جثة لا نفس فيها ولا حركة...
واصاب القاعة كلها بالخوف والرعب.
وبدانا نفكر .. ونفكر
مع هذا لم يتحرك احد منا للذهاب الى فرات
وتكلمنا انا وعبد السادة هل فرات مزور ومدعي أنه عقيد؟؟؟
لا نعرف والله
فرات صاحبهم .. اي عبد الكريم سلمان وضياء البدران
هل لديه هوية مزورة...
لا اعتقد حتى عمره لا يصل الى رتبة عقيد
فقال عبد السادة يا أخي هي تزوير
أخذنا الليل
ثم صاح الحرس بالمعتقلين
الكل تنام وما اريد اسمع حركة.
فنمنا ونحن جالسون.


**********


مذكرات معتقل / ١٠

نمنا خائفين على صوت الحرس ونضهضنا طائعين له.
لا وجود للفطور
بدانا نتشاور بيننا
قلت ل عبد السادة عليك ان تدبر لنا سيجارة ...أنت صاحب وجه مقبول
فضحك وقال بسيطة .. بسيطة
فكرنا بصديقنا فرات قلت ل عبد السادة
هل تستطيع ان تصل اليه؟
قال نعم انا افكر به من البارحة
قفزتين ثلاث وصل اليه
كان متعبا جدا
خائفا جدا ..
سولف معه
ثم وبنفس الحركة عاد الي
ليقص لي ما جرى لفرات
طيب هل عرفت من هو العقيد فرات
وهل هو العقيد فرات
فضحك عبد السادة وقال
فرات لا علاقة له بالقضية
اعتقد هناك خلط بالأمر
وبصراحة ما حبيت اطول وي فرات
وانت تعرف.
قياسا الى وضعنا وحالننا تعتبر عملية عبد السادة في قمة الشجاعة..
ونحن في المعتقل...
بعد ساعتين التقيت بالسيد فرات صالح شيئا فشيئا قص لي الحكاية كلها
وتكلم لي عن الشخص الذي معه
هو تقريبا ان يكون قبطانا بحريا
وهو من جماعة ضياء البدران
ولد مثقف ولا شيء ضده.
في هذه اللحظة عبد السادة حصل لنا على سيجاره فانتقلت اليه وجاء كاظم
لندخن ثلاثتنا
هنا من جماعة ضياء ويحبون يلتقون بينا
ومن بعيد اشر على شخصيتين
وقال هؤلاء هم حاولوا ان تلتقون بهم ولكن لا تسولفون عن ضياء
ولا عن كريم سلمان فهم يقدرونهم ويحترمونهم والحقيقة اقول لكم
ضياء وكريم قادتهم .
فقلنا له بسيطة بسيطة
دعنا نلتقي اولا...
صوت هنا..
صوت هناك ..دخل علينا الحرس صدام وصرخ علينا
الكل وقوفا
وقفنا دون نفس
ثم بدأ يضربنا بالسره
الحقيقة قبل ان ياتي دوري بالضرب
فكرت بقوة هذا الحرس الطاغية
نحن تقريبا ١٦٠ في هذه القاعة فقط ومع هذا يضربنا كلنا
وبالسره
عجيب أمر هذا الحرس..
وجبة الأكل
لا نعرف ماذا نسميها
غداء ام عشاء
هي جاءت في الساعة ٧ ونصف
بدا الحرس بأخراج اللحم
واخذه
بعد ان أصبح القدر فارغا منه
ثم أعطونا كل شخص صمونة واحدة.
تجمعنا واكلنا
وقلنا أو لم نقل
الحمد لله
وتقريبا استمر حالنا ٢٠ يوما
وفي يوم ٢١ نادوا باسمائنا
فتجمعنا واقفين.
ربطوا ايدينا وشدوا عيوننا
وأمرونا بالمسير

وصلنا الى بناية الحرس التي تقع في الباب الرئيسي.
وبعد ان تأكدوا من أسمائنا
أجلسونا متباعدين
وبدات اللعبة
هم جاءوا حتى نصادق على الاعتراف ونوقع على الأعتراف.
وحين نادى علي
دخلت القاعة قرا الاعتراف فقلت له
لالا سيدي ولم اقل هذا
قلت فقط اعرف انهم من حزب الدعوة
فقال وانت من اين تعرف
وكيف عرفت
فقلت له من تعذيب التحقيق قلت هذا
سيدي ..
أنا لا اصلي واشرب خمر
فكيف أكون في حزب الدعوة
فقال لي ومن قال لك انهم ملتزمين بالدين ؟
فقلت لم يقل لي أحد
ولكنهم يتظاهرون بالدين.
يبدو أنه عرفني صادقا
ولم يأخذ باعترافي المثبت والمكتوب
وقعت له وخرجت.
اكتمل التحقيق مع جماعتنا
ثم سحبونا الى القاعة.
ونمنا
نمنا مطمئنين.


***********


مذكرات معتقل /١١

في الصباح.. الصباح الذي عندهم اما نحن فصرنا لا نعرفه منذ اليوم الأول الذي اعتقلونا فيه.
صاح الحرس بأعلى صوته
انهض
انهض ..أنهض
جلسنا متعبين نحك بأجسادنا .. وشعرنا
فقد اصبحنا مليئين بالقمل ..
القمل الأسود والأحمر ..
عبد الرزاق لم تتحسن صحته بعد
صديقي المعلم والشاعر
وهو الشيوعي الذي اعترف تحت التعذيب بأنه أنتمى الى حزب الدعوة..اشياء مضحكة تدعو الى البكاء
كان عبد السادة يتكفل اطعامه و الذهاب معه الى المرافق الصحية فيديه لا تتحركان.
قفز بالقرب منا أحد الأشخاص وبعد السلام والكلام عرفنا انه من جماعة
ضياء البدران
وقص علينا كيف تم ألقاء القبض عليه ..وهو يفكر الآن برفيقه ضياء البدران ... يخاف أن يتم القبض عليه
فقلت له وأنا خائف أن يكون موجه ضدنا
والله لا نعرفه جيدا
مجرد نعرف أنه شاعر .. ونائب رئيس منتدى الأدباء الشباب
ولا نعرف هل تم القاء القبض عليه أم لا
فضحك مبتسما
كان يعرف ان أجابتنا كاذبه
مع هذا تقبلها
بعدها طلبت منه أن يدبر لنا سيجاره
فقال تدلل ..
بعد ربع ساعة دبر لنا سيجارة
فشربناها .. بصحة ضياء البدران
فضحكنا ونحن خائفون.
صاح الحرس على صديقنا واثق غازي..
لحظة واخذوه معهم
بيقينا خائفين
بعد ربع ساعة وعاد واثق غازي
فذهبت نحوه لأعرف ماذا يريدون منه ٠٠٠ فضحك
يريدون ان اعلمهم لعبة الجودو
فشرحت لهم اساليب اللعبة
فقالوا هذه صعبة لا نقدر ان نتحملها
ثم أعادوني
وضحك وهو يقول أول مرة اشرب ماء بارد ...
هذا ما حصلته منهم
في اليوم الثالث من التصديق على اقوالنا صاح الحرس بأسمائنا ٠٠ تجمعنا ٠٠ شدوا عيوننا وربطوا ايدينا واخذونا
الى باب الحرس
حرس السجن .. سجن الرضوانية
جاء الينا ضابط التحقيق ومعه أحد المحققين وهو عصبي جدا وبين تعذيب وفشار
وتهديد حول اعترافاتنا ونكران من قلناه سابقا
مهددا ان ننكر ما اعترفنا به
دخلت على المحقق
اعترفت له بالحقيقة
بأنني لا أنتمي الى حزب الدعوة ولا المجلس الأعلى
وأنا لا أصلي ولا أصوم وأشرب عرق
صار عصبي جدا وسلمني الى الضابط
فاخذني ضربا الى خارج الغرفة
أخرج مسدسه ..سحب طلقة
وأطلق واحدة
قرب رأسي
كدت ان أموت
سقطت من الخوف والرعب والهلع
ثم صاح بي
اذا لم تعترف
الطلقة الثانية في رأسك وأنعل والديك إبن الخره
ثم أدخلني الى الغرفة
ولكني لم اعترف
أعترف بماذا
انا بريء بالأساس وعلاقتي بضياء البدران وكريم السلمان هي علاقة أدب فقط
ولا علاقة لي بهم ولا أعرفهم ابدا
انتهى التحقيق مع الجميع
ثم صاحوا علينا
ونحن نئن من الضرب
سلمونا الى الحرس
حرس السجن وامرهم بتعذيبنا
وان نعترف بما يريد


************


مذكرات معتقل /١٢

القمل يملأ ملابسنا وأجسامنا بحيث صرنا لا ننام ، نقضي الليل
نتقلب ونحك بأجسامنا... مع هذا نفكر بزوجاتنا ٠٠ أولادنا نحن المتزوجون
أما غير المتزوجين فهم منشغلون بقضيتهم .. بامهاتهم وربما بحبيباتهم.
ودائما ينتهي التفكير بخروجنا من المعتقل.
متى ؟؟
هذا ما لا نعرفه أبدا.
ربما السيد الرئيس يطلق عفوا عاما ولكن عادة ما يكون العفو للهاربين من الجيش والسجناء غير السياسيين
وهذا لا يشملنا
ولكن قد يفعلها الرئيس خاصة أن علاقته بإيران قد تحسنت
بعد هجومه على الكويت والهزيمة الكبرى التي مر بها إضافة الى أن العالم العربي صار ضده
ان العالم كله تابع الى أمريكا ٠
متى نخرج؟
صار هذا حلما نحلم به .
صاح بنا الحرس
حضروا انفسكم وعليكم ان تقفوا
٣ بعدها ٣
وبأقل من خمسة دقائق
تجمعنا وبدأوا يسحبوننا الى السيارات .. سيارات لنقل المسافرين
ولكننا غير مسافرين
نحن معتقلين
أين ينقلوننا؟
ولماذا؟
اسئلة دارت على كل المعتقلين
ولكن لا جواب
طبعا ريطوا أيدينا جميعا
وطلبوا منا عدم الوقوف أو الحركة
وان نجلس بلا صوت أو حركة
تحركت اول سيارة
وتبعتها الأخريات
اين تحركت ؟
لا نعرف
أنا جالس في مكاني
هل أتكلم مع عبد السادة الذي يجلس معي في نفس الكرسي
ولكن ماذا أقول له
السؤال الذي لا يعرفه الجميع
هو أين ذاهبون؟
بدات السيارات بالدوران والوقوف
الدوران والوقوف من الصباح الى الساعة حسب ما سمعنا من الحرس
الذي اخبر صاحبه عن الوقت
قلت لعبد السادة
اين نحن؟
قال لا أعرف
ولكننا فقط نفتر في السيارة
لحظة
وقفت السيارة ... السيارات
ونزلنا خائفين وبسرعة
عرفنا باننا عدنا الى مكاننا
أقصد السجن
طبعا بدون أكل
ماء فقط.
جلسنا... وبدأ الكلام يدور بيننا
قبل السوالف
علي ان أحصل على سيكارة
حصلت عليها من بعضهم
قلت لعبد السادة
أين كنا
ولماذا نقلونا؟؟
قال لي .. لا عليك
سنعرف
اعتقد مسؤول القاعة يعرف
ولكن لا يقول الآن
ربما بعد ساعة او اكثر.
.نعم نعم حصل عبد السادة على الخبر
كنا نفتر في بغداد
كون لجنة تفتيش دولية جاءت تفتش السجن
هذا هو كل الخبر.
التعب والخوف سرع في نومنا
فنمنا متعبين.
في الصباح صاح بنا الحرس عليكم ان تحضروا أنفسكم
ساعة
وبدأنا نصعد الي السيارات
بعد أن يشدوا أيدينا
الى اين ؟
لا أحد يعرف
تعليمات الحرس متلاحقة
أكتمل عددنا
وتحركت السيارات
دون ان تدور أو تتوقف
بعد ساعتين او أكثر
وقفت السيارات
وبدأنا بالنزول
عرفنا من كلام الحرس
اننا في تكريت
ماذا نفعل
ولماذا؟؟
لا أحد يعرف
تم توزيعنا على عدة سجون
اقصد غرف عديدة
جاء الضباط الينا
تم اجراء تعداد علينا.
وتم تسليمنا ملابس عسكرية
الجرحى او المرضي والمصابين
نقلوهم الى مراكز الشرطة
وبقينا وحدنا
لماذا؟؟
لا نعرف
ولكن يبدو هناك تفتيش دولي شامل..
الوضع مرتبك ومخيف
وبين تدريب وعقوبة وتعداد
بقينا تقريبا شهر
ولكن لا نعرف السبب سوى أن هناك لجان تفتيش دولية
ولكن لماذا نقلونا الى تكريت؟
لا أحد يعرف


*************

مذكرات معتقل /١٣

بعد ان قضينا شهرا كاملا في تكريت
تمت أعادتنا الى الرضوانية
ليست هناك صعوبة في العودة
المكان بكل مداخله معروف عند الحرس.. ونحن معتادين عليه
الطعام مرة واحدة ودائما تكون في أول الليل
صمونة واحدة في اليوم .
أصبحنا نقيم جلسات شعرية
عبد السادة البصري
فرات صالح
حمدي حداد
عبد الرزاق صالح
عبد الغفار
عادل الثامري
أسامة
النقد يتولاه عادل الثامري وعبد الغفار العطوي
حصلت على قلم من خلال التنظيف في (الزبالة )
هكذا بدأنا نكتب الشعر .
كاظم حسن سعيد يجلس معنا
وقد يدخل في نقاش مع هذا علاقتي معه باردة .. باردة جدا
ولم ترجع الى الآن منذ اعتقالنا وحتى خروجنا من السجن..
السجن
هذا هو السجن .. علاقات وخصومات
علاقات جديدة
وخصومات جديدة ..
تعرفت على عبد السادة منذ عام ١٩٨٣ في الأتحاد.
كنا شبابا يجمعنا ويوحدنا الشعر
مع هذا فهو يسبقني في الشعر والعلاقات
فرات علاقتي معه منذ ١٩٩٠
عبد الغفار العطوي وعبد الرزاق
علاقتي بهما تمتد الى منتصف الثمانينات .
اما كاظم حسن سعيد فعلاقتنا هي بنت ١٩٨٣
تعرفت عليه في المعسكر. مركز تدريب البصرة..
قد تكون الأيام متشابهة أو مكرورة
نجلس في الصباح
نتنقل بخوف .. فيما بيننا.
لا نفكر في الطعام .. لأنه غير موجود أساسا.
نغرق في الأحاديث فيما بيننا ..
نحصل على سيكارة
ندخنها
أصاب القاعة أمراض عديدة
صديقنا عادل الثامري أصيب بمرض التيفو.
هناك مركز صحي في السجن
لا نعرف اين
وكيف يكون العلاج به
نتمنى أن نذهب إليه ولكن كيف؟
لا يتم هذا إلا بموافقة الحرس
ولكن هيهات هيهات ان يوافق الحرس.
احد المرضى ظل يبكي من المرض وحين وافق الحرس على إرساله الى المركز الصحي
حاول ان يسحب بندقية الحرس ويقتله
ولكن محاولته فشلت.
فشلت حياته
حيث تم قتله مباشرة
قالها الحرس
مهددا وغاضبا ان نحاول تكرارها.
فقلنا لصديقنا ان يلغي قضية المستشفى خوفا عليه.
وفي احد الليالي وتقريبا بعد منتصف الليل
فتح الحرس باب القاعة
صاح على احد المعتقلين
فراح مسرعا
بعد دقائق دخل يحمل شخصا
وضعة على الارض
شبه مغمي عليه
بعدها صاح الحرس
صمونة وماء
وقال خذها اليه حتى يأكل ويرتاح قليلا.
في الصباح كان همنا ان نتعرف عليه
وبعد السلام والكلام تعرفنا على بعض
أحد أفراد حزب الدعوة
قام بعدة عمليات جهادية
منها تفجير فندق فلسطين المعد لإجتماع المؤتمر الأسلامي
علما انا أحمل رتبة عقيد
رتبة مزورة هههههع
بعد التعذيب اليومي
أختفى من القاعة
بعدها عرفنا أنه قد تم
إعدامه رميا بالرصاص.


***

مذكرات معتقل /١٤

لا لا
لحظة شروق الشمس في أول النهار ليست صباحا.
الصباح ليس هنا .. في الرضوانية
وليس في الأمن العامة او المخابرات .
ولهذا اعتدت أن لا أسميه صباحا
ولا اقول في أول النهار لصديق يجلس
قربي؛ صباح الخير
فانا قلت منذ البداية
لا صباح في معتقل الرضوانية.
بدا النهار وبدأنا بالجلوس على صوت الحرس الذي بدأ بالصياح
.... الشتائم . والفشار
بعد ساعة من جلوسي وكان عندي تتن بعت صمونة واشتريته انا وعبد السادة..هكذا صرنا نأكل صمونة أنا وعبد السادة ونبيع الصمونة الثانية
هذا موقف صعب
وأمر عجيب ..
نبادل الصمونة بالتتن
يعني نبادل الأكل بالسيجارة
لم يقبله الأصدقاء ..
دخت سيجارة
وفجأة دخل الحرس ومعه ورقة
وصاح بنا
فسكتت انفاس الجميع
عبد الغفار العطوي
كاظم حسن سعيد
كريم جخيور
عبد الرزاق صالح
عادل الثامري
حمدي حداد
واثق غازي
ووووو
ورحنا مع كل اسم
نصيح نعم ..نعم سيدي
عليكم ان تستعدوا
ثم خرج الحرس
لحظة وجاء الجميع
واحد
واحد ليسألنا
هل تم اطلاق سراحكم؟
ام سينقلونكم الى مكان آخر
وربما يعرفكم احد
وقد يكون الحكم قد صدر ضدكم
خفنا ..
بل جمد الدم في قلوبنا
ماذا نقول
ونحن لا نعرف شيئا
الحقيقة جمدنا من الخوف
دخنا سيجارة ثانية
وثالثة
دخلوا الحرس
دقيقة وخرجنا
دون وداع
سوى هنا وهناك فقط
وضعونا في السيارة
بعد ان شدوا أيادينا وعيوننا
وتحركت السيارة.
بدانا نفكر ..
يا ترى أين سيأخذوننا ٠٠٠
ساعة
والسيارة وقفت
أمرونا بالنزول
نزلنا بكل خوف ورعب
صاح بأسمائنا
وساروا بنا الى داخل المعتقل
فتحوا أيدينا وعيوننا
قاعة مقسمة على شكل اقفاص
وكل قفص لأربعة اشخاص
المرافق الصحية معك في القفص
جلسنا خائفين .. مرعوبين
تذكرت أنني دخلت التتن معي
ولكن كيف أشعل السيجارة
بعد ساعة دخلوا
ذهبوا الى أحد الأقفاص وكان يضم أشخاصا أخرجوا أحدهم وبدأوا يضربونه
عرفوا انه حاول ان يدخن
ولكن كيف عرفوا؟
بواسطة الكاميرات الموضوعة بشكل سري في القاعة.
هذا ما قاله الحرس
وحذرنا ان نفعل شيء
اذن علي ان لا أفكر بالتدخين هنا
دخلت الى المرافق اخرجت التتن الذي في جيبي والقيته في المرافق.
الحقيقة المكان نظيف فمن أين تأتيه الوساخة
ولا يدخل أحد
الحرس كلهم خارج القاعة او خارج الأقفاص
لا صوت مرتفع لكل معتقلين.
الساعة الواحدة انفتح الباب
وقدموا لنا الطعام
خرج الحرس
فضحكنا ضحكنا
لأول مرة بعد ٦ اشهر قضيناها في الرضوانية نحصل وجبة تسمى الغداء
وبعد الغداء سألنا من كان قبلنا
هل يعطوننا عشاء؟
فقال نعم
اليوم الأول كان رغم الخوف والتوقعات المخيفة
كان هادئا ولا شيء فيه سوى القلق والتفكير.
في الليل ..بعد منتصف الليل
رحت أفكر بزوجتي
كيف حالها فوزية
هل ذهبت الى أهلها
هل جاءوا لها
اطفالي كيف حالهم
عمر..بيداء..بلقيس..محمد
هل يفكرون بي
هل تتذكرني بيداء
وهل يبكي علي عمر؟؟
هكذا أخذت الليل أفكر بهم
ثم ثم لا اعرف كيف نمت

***

مذكرات معتقل /١٥

لم نقع في خلاف حتى في لحظة النقاش .. وكنا نتفق على الشعر
اقصد قصيدة النثر رغم أرائنا المتعددة.
وكنا ننظر الى طالب عبد العزيز بانه
المعلم الأول ..اقصد الشاعر الأول
رغم أن بعصهم من يعترض علينا
طالب عبد العزيز . عادل مردان
أنا مثلا أعرف طالب ولكن معرفة بسيطة جدا ولكن لا أعرف عادل مردان ولكن بعضنا يعرفهم.
عبد السادة أكثرنا علاقة بهم.
أتذكر عام ١٩٩١ التقيت بعادل مردان
قال لي يقولون انك شاعر تكتب قصيدة نثر
فقلت نعم ولكنني بعد في البداية
قال لي اقرا ما تحفظ
فقرأت له
سكت ... ثم قال لي هات ما عندك
كتابة.
كنت في العمل
أبيع كيك في سوق البصرة
ولهذا قلت له
غدا تأتيك القصائد، سأجعلها ثلاث قصائد
أرجو ان تقرأها جيدا وتعطيني ملاحظاتك عليها
اتذكر جيدا حين رجعت الى البيت
لم افكر هل ربحت ام خسرت
فكرت في القصائد
أي قصيدة أقدمها الى هذا الشاعر
وهناك من يقول عنه
مغرور..صعب جدا..
وبعضهم من يقول
شايف نفسه شوفه
اختاريت ثلاث قصائد
والأهم هي خارج السواد
خارج السواد
قطة
لا يعرف الرمل وطأتها
لا المنخفض
تحرق الليل بماء الصباح
تنط مبتلة بالحرائق
ومنذ المواء الأول
كانت السيوف تتقاطع عليها
ويناكدها الأزل
ثوبها المدى
كثيرا ما يضيق
تشم رائحة الحلم
ولا فناجين لديها
في رئتيها فحيح الوسائد
بمخالبها تزيل الصدأ
سرقت من الكهول إشراقة الخطى
من النساء سر التأنق
مكتنزة كالرماح
كالرياح رشيقة
مجهدة
بيد أنها لا تنام
الشوارع ملكها
والبيوت الواطئة قيلولة الحلم
لا تدخل الأكاذيب سورتها
وصدقها مغمس في الشبهات
ودائما
دائما
خارج السواد
تثير الغبار ولا ترتكن للهدوء.
٠٠٠٠٠٠٠٠
لقد عجبته القصيدة جدا
في اليوم الثاني جئت ومعي القصائد
والحقيقة كنت قلقا ومنشغلا بالقصائد أكثر من الكيك..
لحظة وجاءني استاذ عادل
نحيفا .. رقيقا .. شبه ناعس
خمرة الليل مازالت تثقله
وبعد السلام والكلام
تحدث عن الشعر
أعطيته القصائد
قرأها بدقة
وانعجب بها وقال لي
أنت شاعر
فازددت فرحا
كيف لا
وعادل مردان يقول عني أنت شاعر.
كان عملي في البصرة القديمة
هو بائع كيك
قلبته الى مجمع أدبي
جابر خليفة جابر
وكان يبيع في سوق البصرة
كاظم حسن سعيد
قصي الخفاجي
عبد السادة البصري
فرات صالح
الراحل الكبير حسين عبد اللطيف
وأتذكر انني قبل ان يعتقلني جهاز المخابرات التقيت بفرات صالح
وتكلمنا عن الشعر..وعبد الكريم سلمان وضياء البدران
وكيف حدث هروبهم
وكيف تم القاء القبض على عبد الغفار العطوي وهو بريء وليس له علاقة بالمعارضة او حزب الدعوة.
انتهى اللقاء بعادل مردان
وبقيت أنتظر رأيه بقصائدي..
ورجعت الى البيت .. بعد ان تسوقت لهم.
كان الحصار ينخر في العوائل العراقية
وأخذ يدخل في كل بيت
أشتريت الى الأطفال ما يشتهون اضافة الى الكيك الذي لهم حصتهم
منه.
اليوم فرحان جدا
راي عادل الشفوي بقصائدي أثلج قلبي وأخذت أحضر قصائد أخرى له.
الوقت عصرا
ذهبت الى جابر خليفة جابر
حكيت له ما دار بيننا انا واستاذ عادل مردان
بعدها خرجنا الى العشار.


***

مذكرات معتقل / ١٦

نجلس في اول النهار وربما في منتصفه.
ليس هناك حرس ينادي علينا
ليس هناك من يصيح علينا
حتى تعودنا الحالة التي اصبحت
مرضية
ننتظر الليل
وعندما يأتي نبقى ننتظر الصباح
لا أحد يمر علينا
يسألنا او يضربنا
أو يقول لنا مستفسرا عن وضعنا
تحقيق مثلا
وربما يأتي عفو يشمل الجميع
قال صاحبنا (من أهالي الناصرية كرمة بني سعيد) انا بكرى اصوم فقلنا له صيام مقبول
وسكتنا
فقال ولكن السحور صعب
فقلنا له عليك ان تعزل من طعامك
فقال ان شاء الله
مرت الليلة الأولى
الثانية
الثالتة قال دايني خبزة
فقلت ضاحكا
لا ولكن اذا اشاركك الثواب اوافق
انتهت ان يسرق من عبد الغفار خبزة هكذا اتفقت معه
فعلها اول ليلة
لليلة الثانية
الثالثة قال انا ما مرتاح
اخاف على صيامي يكون غير مقبول
قلنا له أسال فرات
فهو سيد ويعرف
طبعا انا مختق بالضحك
فقال له فرات ضاحكا
أنت سامع بواحد يصوم ويسرق
هذا ما تفعله انت
فقال له لالا ولكن سألت كريم وقال
حلال
فقال له فرات ٠٠ شنو كريم ابو القاسم الخوئي ٠٠٠٠٠
فضحك فرات
وضحكت انا
وضحك صاحبنا واعلن افطاره.
في دخل علينا احد الضباط
وكان شابا
وبعد الاسئلة التي كان يطرحها
قال يبدو انكم مثقفين ومتعلمين
اين تعملوا
فقلنا نحن أدباء من البصرة
فقال ماذا تريدون
لم نطلب شيئا
لأننا نعرف أنه لا يستطيع ان يطلق سراحنا
طلبنا شايا
فقال هل تدخنون
نعم نتمنى ذلك
طلع علبة السكاير وأعطاها لنا
فبقينا ندخن ..
وهو منشغل بالحديث معنا
حتى منتصف الليل
ثم سلم علينا
وغادر القاعة
لم نطلب منه شيئا
وهو لم يمنحنا شيئا سوى السكائر
وقوري الشاي.
وثم ذهبنا الى أسرتنا
وبدات الحديث مع اطفالي وزوجتي
أعرف أن هذا الحديث تقريبا
يأخذني الى أحضانهم

ودائما
دائما أعيد علاقتي معها
أنا لست في لحظة غرام
ولكن ماذا افعل
انه الحب الذي لا يبرد أبدا
ثم ... ثم غرقت في النوم


***


مذكرات معتقل /١٧

في أول النهار .. أنا قلت لكم لا أقول الصباح
فتحوا باب المعتقل دخل الحرس وفي يده ورقة..
فانتبهنا له
وبدا يقرأ بأسمائنا واحدا بعد الأخر
وبعد ان انتهى من قراءة الأسماء
قال استعدوا سوف يأتي السيد المقدم يتكلم معكم
بعد ساعة من الأنتظار
والخوف والقلق
انفتح باب القاعة ودخل علينا المقدم
صاح بأسمائنا
ثم بدأ يتكلم عن قضيتنا ونحن بخوف نتكلم معه ناكرين أعترافاتنا
فقال بهدوء
دون شتائم ولا تهديد
سوف اقدمكم للمحكمة وكل منكم يعترف بما عنده دون خوف .
حقيقة لم نصدق ما قاله ضابط الأمن
هذا كلام يختلف عن ماكنا نتوقعه
من ضابط امن
ثم خرج الضابط
وبدأنا نرتب أعترافات جديدة
ولكن كيف لا نعرف
في اليوم الثاني فتح الحرس باب المعتقل
صاح بالأسماء
تجمعنا خائفين وسار بنا الى موقع جديد
لحظة وجاء المقدم
قال لنا سوف اعرضكم على المحكمة
انتبهوا
على كلامكم مع القاضي
بدون كذب
وبلا خوف
كل يقول ما يعرف عن المجرمين
ضياء البدران وعبد الكريم سلمان
قولوا
ما تعرفون بلا كذب او خداع.
بعد ساعة
صاحوا بأسمي
كريم جخيور حاجم
فحضرت امام الحاكم
أول مرة في حياتي اقف امام الحاكم
لم اقف من قبل سوى أمام قاضي الزواج
ولكن اين هذا من ذلك
شتان ما بينهما
بدأ يقرأ ما اعترفت به في التحقيق
أيام المخابرات السود
فقلت له سيدي هذا الكلام كذب وقد أعترفت به وانا تحت التعذيب
فقال اذن علينا ان نعيد التحقيق معك
فماذا تقول؟
فشرحت له وبين جميلة أقولها وأخرى أقسم له
بالله..بالقرآن ..بالأمام علي
وكان الحاكم بين متشدد ومتسامح
وبعد انهيت أعترافاتي امامه
أمرني بالذهاب
بعد ساعتين صاحوا بأسمائنا
وقفنا أمام الحاكم
قال يبدو من اعترافكم
أنكم شعراء
أقرأوا لنا ما تحفظون
من قصائد للسيد الرئيس
لم نكتب للرئيس
مع هذا قرأ صديقنا عبد السادة أنشودة عن صدام حسين
ورحنا ننشدها معا
كلنا بدانا وانتهينا بالنشيد.
أصدر حكما على ابن اخت ضياء البدران ٣ سنوات.
جمعنا المقدم واخذنا الى القاعة السجن ونحن على طول الطريق
نقرأ اناشيد عن النصر.
وعن صدام حسين.
حسب أوامر السيد المقدم
دخلنا الى السجن ونحن في قمة الفرح
لحظة وبدأت الأسئلة تنهال علينا
كل واحد يعيد اعترافاته
وما قاله الحاكم له
الكل تنكر لأعترافه القديم
وقال ما عنده من جديد
الحقيقة كلنا أبرياء
رغم ما قلناه لهم سابقا..
جاءت القصعة
أكلنا بفرح وشهية وبدون خوف
وكأننا سنخرج بعد لحظات.


****


مذكرات معتقل /١٨

اليوم بدأ مختلفا عن أيامنا التي عشناها ...بل أجبرونا على أن نعيشها
بين خوف وتعذيب وسحل.أكملنا فطورنا وقبل ان نكمل الرد على أسئلة التحقيق التي تنهال من المعتقلين
لم ندعي البطولة في الرد ولكن يكفي ان تقول الصدق في الجواب حتى تنال البطولة.
حقيقة انقهرنا على الولد ابن اخت
ضياء البدران ولكن قلنا له ٣ سنوات بسيطة جدا وقلنا له الحمد لله لم يصدر حكما بأعدامك ..
فتح الحرس باب القاعة
وصاح بأسمائنا
ليس هناك وقت للسلام على من بقي هناك
اتذكر في الليل اعطيت قميصي ونطلوني الى صديقي الذي من كرمة بني سعيد بعد ان طلبهن مني لأني قلت له انا حلمت بهن ان الأمام علي زارني في المنام وقال لي سوف تخرج من السجن..
سحبنا الحرس خارج القاعة وبدأ يقسمنا ٣ ..٣.
وراح يقسمنا على المحاجر
انا وعبد السادة البصري وحمدي حداد وضعنا في محجر واحد
المحجر يتحمل نفر واحد
أقرب ما تكون مساحته بحجم المرافق الصحي.
دخلنا الى السجن الجديد
شباك صغير بحجم الكف يكون في أعلى الغرفة.
في الباب فتحة صغيرة نستلم من خلالها الطعام
في داخله مساحة مباحة للتبرز بحجم شبرين.
لم نكن نتوقع هذا
كنا نتوقع خروجنا والأفراج عنا
هل هذه عقوبة؟
أم أنها بداية خروجنا.
اكتشف عبد السادة من خلال الأصوات ان المحجر الذي قربنا فيه عادل الثامري.
فتحت فتحة السجن .. حقيقة لا نعرف من هو الذي فتحها
واعطانا وجبة الغداء
اكلنا بشهية
الجو بارد جدا
اكتشفنا ان صديقنا حمدي حداد
الذي لم نعرفه من قبل
ولم نلتق به ابدا
وقد قرأ مرة امام ضياء البدران وعبد الكريم سلمان
وقد سجلوا إسمه ..
ما اريد ان أقوله بعيدا عن الشعر
ان حمدي يجيد الغناء
وخاصة الغناء المصري
وردة الجزائرية ..عبد الحليم .. محمد عبد الوهاب
السيدة ام كلثوم..
ولهذا لم يجعلنا نشعر بوحشة السجن.
بعد مرور ١٩ يوما
فتح الحرس الباب ونقلونا الى مكان آخر
دخلنا الى القاعة
رأينا المعتقلين
بكامل نظافتهم ..حلاقتهم..
يضحكون . ويغنون .
ملابسهم نظيفة
اخرى نظيفة ومكوية
ومعلقة.
سألنا بعضهم عن قضيتنا
فقلت له نحن أعضاء في اتحاد الأدباء ..منتدى الأدباء الشباب
شرحت له التهمة
ومن هو السبب
قلت له نحن أبرياء ولا علاقة لنا بالموضوع
ثم عرفنا انهم ضباط من بيت السعدون وقد تم القاء القبض عليهم نتيجة تفجيرات الأسلحة في البصرة
منطقة الشعيبة .
وقد اتهمتهم الحكومة بالخيانة
قضيتهم معروفة وأستطيع القول ان البصرة كلها تعرفها
لقد انتشرت في البصرة كالنار في الهشيم
عرفت انه ضابط برتبة رائد
اعطاني سيجارة
فشكرته واخذتها
السجائر هنا غير ممنوعة
قال لي ..
ثم جاء احد المعتقلين
وعرفت انه دكتوراه وكان سفيرا للعراق
في يوغسلافيا
وله معمل ماء حلو في البصرة.
سالنا اذا محتاجين شيئا
فشكرته كثيرا
جاءنا الليل
ونمنا


****


مذكرات معتقل/١٩

دائما يأخذني الليل اليهم
فوزية والأطفال
أخي عادل وعائلته
يا ترى كيف هو رافد ؟
ابن أخوي الذي أحبه كثيرا
رغم وقاحته .
فكرت بالرضوانية
كيف حالهم الأن
في هذا الشتاء البارد
كيف حال جماعتنا الذين تركناهم في القاعة؟
ثم فكرت بالخروج من هنا
هل سيفعلونها؟
لا أعرف
هذه بكيف صدام حسين
فكرت باصدقائي الأدباء
هل ما زالوا يذهبون الى المنتدى؟
من هو رئيس المنتدى الآن؟
او ربما تم ألغائه
ماهو موقف الأستاذ عدنان الصائغ
وهو رئيس منتدى أدباء العراق
هو لا يعرف أدري
ولكن موقفه صعب عند الدولة بعد هذه المشكلة
ولا أعتقد تنتهي دون حساب.
بقيت افكر
وافكر حتى أخذني النوم.
بقينا في هذه القاعة ١٤ يوما
وفي احد الأيام دخل الحرس
وصاح بأسمائنا
خرجنا دون بعجلة دون سلام او كلام
ركبنا في السيارة
أين؟
لا نعرف
بعد ساعة تقريبا قال لنا الحرس انتم الآن في سجن رقم واحد
أدخلنا الحرس وقال سوف نأخذكم بعد ثلاثة أيام
اليوم هو الأربعاء
يعني ياتي يوم الجمعة ولكن كيف ؟
قلت انه يكذب
في هذا السجن صليت ركعتين
لم يضربنا احد
ولم يسالنا احد
يوم الجمعة جاء ثلاثة اشخاص
وبعد كلام حلو ومعسول
قال ان الرئيس يحب الشعب
وانتم أبناء هذا الشعب
مثقفين وشعراء ولا يمكن للخونة والمتآمرين ان يقشمرونكم
أنتم أدباء فما هي علاقتكم بحزب الدعوة
هذا الحزب عميل ومتآمر ضد حزب البعث وهو كما تعرفون حزب الأمة العربية.
ونحن كلنا نوافقه بالكلام ونؤيده
ونشتم حزب الدعوة العميل
ونعلن حبنا للسيد الرئيس
وللحزب القائد.
أعطانا كل واحد خمسين دينار
ثم ركبنا في السيارة
وجاء بنا الى محطة القطار
حجز لنا
ثم غادر بعد أن سلم علينا.
نظرت الى المحطة
الى وجوه الأصدقاء
انا بحاجة الى الهواء
الهواء الذي ينقصني منذ ١٠ اشهر
لم اشاهد أمراة
لا حقيقة ولا بالرسم.
تموج قلبي
شاهدت الأطفال لسعات متراكضة
متى احضن فوزية
متى احضن اطفالي
ركبت السيارة دون خوف ودرت قليلا في بغداد
أنها بغداد أم العالم.
وبعد ساعة من رجوعي
ركبنا القطار وتحرك بنا الى البصرة.
صباحا وصل القطار المعقل مديرية قطار البصرة
نزلنا
وراح كل منا يسلم على أصحابه بحميمة وحب
وصلت الى الحيانية
ذهبت مباشرة الى بيت جابر
وبعد سلام طويل لا ينقصه الشوق
أخذني الى البيت بعد ان وضع خطة للقاء
الزوجة... الأطفال..
بيت أخوي
الجيران
في المغرب دعا ابن خالي علي
فرقة بصرية من أصدقائه
وبداو يغنون ويرقصون.


***





هذا النص

ملف
أدب السجون
المشاهدات
223
آخر تحديث

نصوص في : ملفات خاصة

أعلى