سامي البدري - غسق برازيلي

[26]
كانت عيناي تودعان الشمس، كما في غسق كل يوم، وهي تغطس منطفئة في ضفة البحر البعيدة، عندما تقدمت مني بخطى مترددة لتقف على طرف زاوية نظري ولتقول بهمس متلعثم ((أنا في غاية الامتنان لقبولك صداقتي على صفحتك في الفيس بوك... يا أستاذ)).. لم أجبها بشيء لأني كنت مستغرقا في تشييع آخر خيوط الشمس الوردية التي كانت تلملم أطرافها من صفحة الأفق، فأكتفيت بأن أفسحت لها مجالا لتجلس إلى جانبي لتشاركني تأمل تلك اللحظات دون أن ألتفت إليها للتأكد من ملامحها. إحترمت صمت لحظتي تلك وجلست إلى جانبي دون أن تقول كلمة أو تأتي بحركة، رغم أن قربها مني، (بسبب ضيق المكان على الصخرة التي كنت أتخذ منها مقعدا لمساءاتي تلك) قد أسمعني تسارع أنفاسها الذي عكس سرعة خفقان قلبها بسبب لهفة ما. بعد تمدد رمادية المساء على صفحة الأفق إستدارت لتنظر في عينيّ ولتعيد عليّ كلمات شكرها فأجبتها بكلمات شكر لم تكن تتوقعها، فقالت بدهشة خجل أشعلت برونزية وجنتيها بشفق وردي شفيف ((أنا من يجب أن أشكر كرمك على قبول صداقة إنسانة مغمورة مثلي أنت الكاتب الكبير...)) فقاطعتها بسؤال لم تكن تتوقعه لأخرجها من حرجها ((كيف تصنفين لون بشرتك، الذي لطالما حيرني تصنيف لونه بسبب إنعكاسات إضاءة المصور الذي إلتقط لك صورة صفحتك في الفيس بوك))؟ فقالت ببداهة من كان ينتظر سؤالا متوقعا ضمن مقرر دراسي ((برازيلي))! حدقت في ملامحها متمليا فقلت برعشة كانت قد عطلتها سنوات وحدتي الثلاث الماضية ((أنت غسقا برازيليا فعلا)) فأطرقت لتلملم هي الأخرى شفق وجنتيها الوردي قبل مداهمة الليل لعزلتنا تلك.

*********************************
كنت معطلا حينها تماما وأحس إني أتبدد على حافة منفى منسي. صباحات كثيرة تكدست بين طيات ستائر غرفة نومي وعلى شباك صالة الجلوس دون رعشة إنتظار واحدة.. كانت أيامي مقسومة بين رفوف المكتبة وشاشة الحاسوب التي أسطر على صفحاتها كتاباتي ومخططات كتابات أخرى أعتزم إنجازها.., أما ليالي تلك الصباحات فلم يطرقها ذئب واحد لتدبر أمر شؤونها، ولو من أجل لثغة عواء واحدة بوجه أقمارها البعيدة.

********************************
كان إسمها سحر؛ وكانت تبحث عن موقع لقدميها على خارطة رسمت تضاريسها على عجل، كما كنت أقدر أنا لا هي.
في سكون ذلك الغسق، حدثتني عن إشارات مرور الطرق البحرية ومحطات توقف السفن في عرض البحر لتوزيع الأحلام على منتظرين بلا أرصفة، فقاطعتها بالسؤال عما إذا كانت هي بين صفوف أولئك المنتظرين، فقالت بتهكم مكتوم بإبتسامة مشرقة، رغم إنها لم تملأ مساحة وجهها كلها ((وأين سيقف المنتظرين إذن إن كنت أنا بينهم؟ بل أنا رصيفهم يا أستاذي الجميل))! وأطلقت قهقهة هادئة ومكتومة الجلجلة. وبعد أن أفرغت أحلام جميع السفن التي مرت بنا تلك الساعة، سألتني بتصميم أعمى على الاهتداء إلى طريقه ((أي صنف من الأحلام تنتظر يا...)) فقاطعتها بضربة حيث كانت لا تتوقع ((بل قولي أي رصيف أنتظر وفي عرض أي بحر...)).. ورغم الحمرة القانية التي ألهبت برونزية وجهها الشفيفة، إلا أنها رفعت عيناها لتبحث في عينيّ عن هوية إشارات كلماتي، فتجاهلت سؤال عينيها لأتم جملة إشاراتي ((ألم يكن بين تلك الأحلام التي وزعتي حلم رصيف أرسم عليه موضعا لندائي))؟
عادت لإطراقتها في ظلمة الليل، الذي تسلل في غفلة مني ومنها ليغيّب بسكونه صفحة ملامحها عني، وصمتت لتترك لأذنيّ خفقات قلبها المتسارعة وحفيف الإرتجافة الخجلة التي عبرت عنها حركة كفيها وهما تفركان رعشة أصابعها التي كانت تبحث عن متكأ لإرتجافاتها في عرض بحر صرت أسمع حفيف أمواجه أقرب من عتمة المساء.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى