خالد اليوسف - تربص!.. قصة قصيرة

كنتُ متأملة وقت حضوره بدلق قطرات من الماء تحت باب المنزل، أردتُ لفته لوقوفي وانتظاري، وكما حلمتُ به جاء في أوانه، فسمعتُ أنين سيارته وهو يركنها مشعلا حنيني وانفجار صبري، فتحتُ الباب ونظرتُ إليه من زاويته، كان واقفاً ليُصلح ملابسه وغترته، وكنتُ أُحرك الباب بصوت واضح، فتح باب سيارته الخلفي دون اكتراث، حمل أكياساً بلاستيكية ولفافة صحف ومجلات، قفل كل أبوابها بلمسة زر أوتوماتيكي، تأسرني أناقته،رائحة عطره، ثبات حركته، اعتنائه الكامل بشكله خارجياً وداخلياً!

فتح باب منزله وولج بهدوء، فأغلقت بابي بصوت صاخب تأكيداً لوجودي وانتقاماً من صمته المثير، سمعتُ خطواته صاعداً إلى الدور العلوي، وهو يدندن بأغنية سامرية عذبة، لم تزل صورته ماثلة أمامي؛ فقد حفظت مواعيد خروجه وعودته منذ أول يوم شعرت بأسره لي، شدني آنذاك فوارق جمالية بينه وبين من يعيش معي كالصورة تماماً، فعلقتُ الصورتين في صدر خيالي، لم البث كثيراً من الأيام إلا وقد تشبثت الصورة الثانية في قراري، سلك الإصرار حياتي لتتبعه والوصول إليه حتى لو اضطررت للمغامرة في ذلك، تأكد عزمي حينما رأيته صدفة عند أحد المساءات واقفاً وراء الشباك المطل على فناء منزلنا، وحدسي في دوامة السؤال....

عم يبحث يا ترى؟ أيُريدني؟ هل يتصيد حركتي في البيت؟ أيسمع صوتي وأنا أنادي بين وقت وآخر على بناتي؟ هل رآني وأنا في حل من بعض ملابسي، حينما اغسل الفناء أو أسقي أحواض الزهور؟

قررتُ عندئذٍ زيارة زوجته في أوقات متفاوتة، استطعتُ فيها التواصل لعلاقة تقليدية، جمعتُ خيوط تفاصيل يومياتهم، ساعات خروجهم وعودتهم، زياراتها الخاصة وبقاءه لوحده في المنزل، فخلقتُ الظروف المناسبة للقياه على انفراد، حيث عمدت كثيراً لقرع الباب طالبة الزيارة،فيأتي صوته مستفهماً وأجيبه....

- أم نهى موجودة؟

ويفتح الباب بوجهه المضيء مجيباً....

* آسف..هي عند الأهل، سترجع بعد ساعة إن شاء الله!

- المعذرة أزعجتك.. ليتك تخبرها أني رغبت زيارتها، وفي وقت آخر سأكررها!

* عفوا من أنت؟

- أنا جارتكم أم ثاني!

* طيب سأخبرها!

كانت وقفاتي سريعة كي لا ينتبه أحد من المارة،ومتحفزة له لكي يراني بقدر ما يستطيع، لكن تأملي ونظراتي له خاطفة مشدودة ومركزة،حفظتُ معالم وجهه وملامحه الدقيقة، فتوته الفاتنة، وتكامل جسده البارز، فزادني إعجاباً وتقرباً.

في إحدى هذه المحاولات لم أستطع مقاومة نفسي، فقد شعرتُ أن نظراته لي غير عادية، عدت إلى منزلي بعد الحوار المعتاد وتخميني يُنبئني للبقاء في الفناء الخارجي، شعرتُ أن الوقت مناسب لأن اشغل نفسي في تنسيق الأحواض، سمعتُ حركة حول نافذتهم، رفعتُ رأسي وإذا هو واقف خلفها فقد فضحه الظل الممتد عليها، ابتسمتُ ورفعتُ صوتي بقدر المسافة بيننا مغنية....

( ليتك معي ساهر ليل الهوى كله ما نوم أنا وأنت لأجل الحب سهراني )

وسمعتُ ضحكته ثم اختفى، أشعل النار في وجدي، فزدتُ شوقاً لرؤيته والجلوس إليه، كنتُ متلهفة لرده صوتاً أو حركة أو أن يبقى خلفها أطول وقت ممكن! فجاءه سقطتْ ورقة ملونة على الأرض،التقطتها بسرعة فتحتها....

عزيزتي..

لاعليك الأيام بيننا، وإعجابي بك يكبر كل يوم عما قبله.

رفعتً نظري إلى النافذة، فرأيته واقفاً على حافتها ويلوح لي بغصن وردة حمراء كالتي بين يدي،ابتسمتً له وعلامة الرضا تتطاير من عيني، شعرتً أن شعاعها قد وصل إليه، فلبث واقفاً دون حراك، نسيتً نفسي ومن حولي لولا نداء إحدى بناتي...

ماما..أبي يسأل عنك! ألا تسمعين؟

ماما.. ماما!

تتالت الأيام، وتجاوزت حركة انغماسي النظرات والهمسات عن بُعد، شوقي للقائه يكبر، أردت الوصول إليه، فكانت خطوتي الاستفادة فيما بعد من المجلات التي أرغمت على إعادتها بعد إلحاح زوجته، طبعتُ بصمتي وسطها،رائحة عطري أو بعض التعليقات على مقاطع معينة من الشعر والكتابات الأدبية، ودون أن تشعر أضعها في مكتبته أثناء زيارتي لها، وانفلقت خطوتي عن رائحة طبيعية وشذا لامس شغاف قلبي، ففي أحد الأيام أرسل لي مع بنتي الصغيرة علبة دسها بين الصحف والمجلات التي تعودت على طلبها يومياً من زوجته، كانت الهدية مفاجأة لي قارورة عطر أحبه كثيراً، وقصيدة انطلقت كلماتها وحروفها بمجرد أن فضضت ورقتها، دارت بي فحلقت بعيداً بعيداً إلى قلبه ووجدانه وروحه، وكان رذاذ العطر يرقص لحركتي ويطرب لنشوتي،لم أحتمل نفسي بعد أن تذكرت خروج أولادي مع أبيهم إلى إحدى الملاهي البعيدة، خرجت إلى الفناء فربما تتسرب الرائحة إلى الأعلى منادية له، أحسستُ أن ملابسي تخنقني،بل شعرت بنشازها ، تجردت من الخارجي منها، ما تبقى كان شفافاً يظهر جسدي والقطع الصغيرة الساترة لأهم ما فيه، استهواني الانشغال بغسيل الفناء، ربطت خرطوم المياه بالصنبور وبدأت بهدوء إطلاق عنانه وجهاز التسجيل يشدو بلحن موسيقي مستكين، يدي الأخرى كانت تُمسك بطرف ملابسي كي لا تتبلل، دون شعور مني انحسرت عن ساقي ثم نصف فخذي، والحركة تحسر كل لحظة ما تبقى إلى الأعلى، لم أنتبه إلا على صوت آهته وزفرته تسقط على الأرض محدثة ضجيج إحساسي بنفسي، فتيقنتُ من وقوفه منذ بدء خروجي، أكملتُ حركتي تحدياً وكأني لم أره أو أعلم به، فطالما تمنيتُ هذه اللحظة كثيراً وتخيلتها، أُريد زلزلته وإثارة ما سكن في مشاعره ونزواته الجامدة، كنتُ في حمأة وحرارة غير عادية، صوبتُ الماء نحو ساقي وأنا جالسة على حافة الجدار القصير، وزاوية عيني تختلس النظر إليه، لم يكن طبيعياً في وقفته، أحسستُ بقلقه واضطرابه، رفعتُ الماء إلى فخذي فتسربتْ اللذة إلى كامل جسدي، سقطتْ لحظتئذٍ ورقة بلاستيكية، حملتها بسرعة كي لا تتبلل، وجدتُ وسطها....

حبيبتي

لماذا ُتصرين على تعذيبي؟

لاتتصورين الآن حجم شوقي إليك! أو مقدار رغبتي للقائك بأي صورة كانت! فالمكان خالٍ لنا، أيمكن ذلك؟ وكما أنت لا تلبسين أو تبدلين شيئاُ.. أنا أحترق من أجلك!؟

لم استطع الصبر، هاهي اللحظة المشتهاة بين يدي،وهاهو صيدي في شباكي، أخذتُ عباءتي ولبستها، فتحت الباب تأكدت من خلو الشارع أغلقته بسرعة، خطوتان وقبل أن ألمس بابه كان واقفاً خلفه وقد جعله مفتوحاً، حينما هممتُ بالدخول بقدمي اليمنى ويدي تمتد لإغلاق الباب، إذا بصوت بنتي الكبرى منادياً...

ماما.. ماما

لاُتغلقي الباب.. سأرافقك لزيارتهم !!

لم أصدق سمعي وعيني في عينيه مندهشتان، واللوعة على اللقاء والخوف والفضيحة أمامي في آن واحد، أمسكتُ بالباب كي لا تدخل بنتي ونحن في هذا المقام، فمنحتُ قبلتي المبتورة التحليق إلى أي مكان كان في بيته بعد أن هرب خوفاً من فضيحتنا!

كانت الفرصة الأولى والأخيرة لنا، هانحن نصطاد المنحة الثانية، وها هي تأملاتي وأحلامي تطارده في كل الأوقات، سأبقى متلهفة للقاء يروي ظمأى وعطشي، انتظاري لن ينتهي في كل الزوايا ووراء الأبواب الموصدة والفناء المفتوح.







هذا النص

ملف
خالد اليوسف
المشاهدات
143
آخر تحديث

نصوص في : قصة قصيرة

أعلى