محسن الرملي - عيون

/ إلى الذي فقد عينه في غيابي.. أخي حسين/
سألتُ القادم من قريتي إلى مدريد عن أهلي فقال:" أغنامهم زادت وصغارهم كبروا..". طلبتُ منه أن يُوطّن إجابته المُحلِّقة فسارع إلى وضع سلّة التمر ـ التي بعثوها ـ أمامي وأَلقَم جهاز التسجيل شريط ربابة من أمي. توسلتُ به فتنهد وقال:" سأُخبركَ وأخلَص.. حسين.. أخوك.. (ما به؟) فقد إحدى عينيه.. (كيف؟ أين؟) شظية". قالت ربابة أمي:" يا عيني أمطري دمعاً.. طوال الدهر يا عين". جرى دمعي على وجنتي وسقط فوق كيس التمر. تذكرتُ لقاءنا الصدفوي قرب (عين كاوة)، أيام جنديّتي، حين ترجلَ من مُدرعته جوار دبابتي دامي الوجه فتعانقنا وسط الدخان والغبار وصخب التحارب الجنوني حيث كانت الحكومة تجبر الناس على أن يفقأ بعضهم عيون بعض وطائرات التحالف تفقأ بلدنا بالقنابل.. تعانقنا.. كعناق في يوم قيامة وقال:" لا تبكِ.. إنها مجرد شظية صغيرة في الحاجب".. اتفقنا على الهرب لأن أمي قالت:" معلولة وعلّتي من قدمي إلى هامتي.. كأن ربي قد خلقني مُخصصة للهموم". دمدمتُ لنفسي أخاطبه:"هذه المرة.. أصابت عينك". قال القادم:" عينه الأخرى سليمة".
أخذتُ سلة التمر وشريط الربابة لأنطلق راكضاً على امتداد شارع Ferraz متحاشياً النظر إلى العيون المحمولة إلى دور السينما والمرافق بمناسبة السبت.. يا عيني اسكبي دمعاً/ دماً حتى تلاقيهم.. دفعة واحدة.. أنتبهُ الآن لتوالي انطفاءات عيون أحبتي من حولي، فتهطل عيناي بمسكوبهما.. عزلة أو خجلاً من صحتهما والقلب ينبض.. يراوده التوقف.. هكذا مثل مصابيح حفلة تدنو من نهايتها؛ أخي وأصدقائي، أما التي أحبها فهي بعين واحدة منذ أن كانت بارتفاع زهرة البامياء حين فقأ ديك الجيران عينها في آب. أواصلُ الركض متناسياً قوانين إسبانيا الجديدة المنسجمة مع تحضُرات الاتحاد الأوربي، أمرُ جوار المعبد الفرعوني الذي أهداه عبد الناصر لإسبانيا (كأن معابد الفراعنة مُلك أبيه..!). أعبر الجسر بين (ساحة إسبانيا) و (القصر الملكي).."عيون المها بين الرصافة والجسر/ جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري". أضمُّ التمر والشريط إلى صدري وأضاعف الركض.. كأني أسعى إلى التعجيل بإيقاف انسحاب عينيّ صديقي خلف نظاراته الطبية. انعطفتُ بمحاذاة مبنى مجلس الأعيان، مستعيناً بفتح فمي على الصعود إلى مسكننا في الطابق الرابع. وصلتُ لاهثاً وكان صديقي كعادته؛ يقرأ "أساطير بلاد الرافدين" قرب النافذة. صحتُ به وأنا ألهثُ:" عبدو.. هيا انزل معي إلى طبيب العيون". رفع رأسه وأزاح نظاراته ليرمقني بنظرات مستنكرة، أدركتُ منها بأنه يذكرني بحيرتنا هذا الصباح في الاستدانة لدفع إيجار الشقة. قلت له وأنا أشير إلى أعلى مكتبتنا؛ حيث نرفع نموذجاً مصغراً من الفخار لملوية سامراء، حملناه معنا من بغداد حين غادرناها قبل سبعة أعوام:" نبيع الملوية في سوق الحرامية". فاضت عيناه. أعاد نظاراته وعاد إلى قراءة "أسطورة الفيضان". توجهتُ إلى الهاتف واتصلت بصديقي الضائع في ثلوج القطب الشمالي الذي انطفأت عينه في آخر رسالة بعثها لي:" منذ أسبوع، استيقظت لأجد نفسي بعين واحدة. قال الأطباء لا علاج لها.. جلطة عينية". قلت:"أترك الشِعر الذي فقأ عينكَ". قال:" فقدنا العراق فهل نأسى على فقد عين أحبته..". أغلقتُ السماعة وانفتح الصدى في القلب (عيناك يا بغداد أغنيةٌ.. يُغنى الوجود بها ويُختَصرُ / لم يُذكَر الأحرار في وطنٍ إلا وأهلك في العُلا ذُكِروا).. شاخصة أبصارهم، تُرهقهم المنافي.. اصبروا وصابروا فإن مصيركم العودة إلى بلد من نهرين وعيون، تحيتكم فيها من دون بلاد العالمين (شلونك عيني). توجهتُ إلى بيت حبيبتي المغربية، أحث الخطى خجلاً من عينيّ أو سارقاً النظرات إلى عيون المارة، راغباً بسرقة عيونهم: الزرق، الخضر والسود لأمنحها لأخي، لأصدقائي، للمعري، للجاحظ وواحدة لحبيبتي (من أجل عين تكرم ألف عين). قبَلّتُ عينها الكريمة حال وصولي فقالت:"أهي حلوة حقاً؟" مستندة في سؤالها على ما أخبرتني به سابقاً عنها، حين كانت في ربيعها الرابع وحملتها أمها إلى بيت الجارة، أجلستها على بساط في الظل جوار شجرة بامياء مزهرة في شمس آب، وتوجهت كي تُعين جارتها في توليد بقرة أسترالية. جاء ديك جميل ونقَرَ إحدى عينيّ طفلتي فصرخت، وسالت عينها. جاءت أمها بالعجوز الطبيبة، لحّاسَة العيون في القرية من رمل وتِبنٍ وحديدٍ أو شَعرَة. ارتابت أمها وهي ترى العجوز تطيل اللحس مستطعمة ما سال من العين بتلذذ، وظل ارتيابها يعصرها كلما قابلت العجوز التي تنحني من فورها مقبّلة العين الأخرى، ولم تسترح حتى ماتت اللحاسة بعد عام.. كررتُ تقبيل عين حبيبتي فكررت عليّ السؤال:" أهي حلوة حقاً؟". قلت:" حلوة… حلوة إلى الحد الذي يؤجج خلاياي رغبة بالحياة ".

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى