نبيل جميل - اختناق

في ساعة قديمة منسلخة من ظهيرة عفنة برطوبة شط العرب . دلفت إلى مقهى مكتظ برّواد ما بعد الغداء ، اغلبهم حمّالو بضائع ، صباغو أحذية وشحّاذون . حين طلبت
الشاي، دخل رجل خمسيني بزيٍّ ريفي مغبرّ، جلس إلى جانبي وراح في شبه إغفاءة وهو يمسك بسيجارة غير مشتعلة بين أصابعه . قلت له : “الله بالخير” . شعرت كأنه مهجور، أو تائه في فوضى الإهمال الجماعي. لملم كوفيته للخلف وقدم لي سيجارة . وأثناء التدخين وارتشاف الشاي ، عرفت انه يبحث عمّن يغفر له خطأه ! أو يدلّه على من ينظّف الروح من ندبة في الضمير : ( كنت في العشرين من عمري عندما ارتكبت الجريمة. كان ذلك في ريف الناصرية أيام الاحتلال . في تلك الليلة من ليالي الشتاء القارس عبث الشيطان في ذهني. لم ادر لحظتها كيف أطلقت النار من بندقيتي ( البَرنَو ).. فاجَأتني الصرخات من كل صوب ماذا فعلت يا مجنون ؟ الجدران.. الأبواب.. النوافذ.. الشوارع.. كلها تصرخ وتهيل عليّ اللعنات والسباب . ولمسافات طويلة وأنا اركض.. كانت الأصوات تصلني متصاعدة . ومنذ عشرين عاماً ما يزال صداها يتردّد ، يلهب ذاكرتي بوجعٍ خشن وطنين تأنيب الضمير والندم ).
ودون مبالاة بتدفق نزيف دم ذاكرته. ورغم قتامة أساه قاطعتهُ، بسؤالٍ مقتضب :
– هل قتلت أحدا ؟
– قتلت نفسي !! .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى