محيي الدين جرمة - لحظات مختلسة، قصة قصيرة

من مراية تبدو واسعة لكنها قد لاتعكس الزوايا الحقيقية. في حال الانتباه للطريق.كانت انظار سائق الحافلة القادم من ” البلقاء” تحدق بإهتمام ناحية صعود الوفد الشبابي من ” مخيم السلط” وكان الشبان الذين يعلقون الباجات على صدورهم من غير بلد عربي.

” إنتهى الصعود. ولم يتبق أحد ” قالت “عروب”. مشرفة الإستقبال المكلفة من ” بلدية عمان”

اخذت الحافلة تنهب خيط الإسفلت الممتد كسجاد ازرق لخيوط كحلية تمتد كلما اكلتها العجلات. وعلى جانبي الطريق أخذ يتسع حزام من الخضرة الزاهية وشتول الأزهار المتنوعة. تتخلل الجزر الفاصلة بين الشوارع.

الطريق المنفسحة امامنا لسان تستطيل من اشجار السرو المتراصة بأغصانها السعفية وحفيفها الخفيف. باردا في إعتداله. العيون تتكلم لغة مختلفة. الحافلة تتسع بجدارة في المقاعد. المختلطة. وقبل ان نصل الطريق البحري نزولا من منحدرات قريبة من العقبة اخذنا نطل من النوافذ الى البحر الإحمر. اخذت تتشامخ امامنا على التماس من الخيط الأزرق للبحر ” ايلات” العربية.

فيما تقف الحافلة على منعرج لظلال جبلية . ترتكن في مبعدة منها جوقة من نوارس تتغنى بأجنحتها. تخبط في الهواء. عزفا على نوتات المياه الزرقاء. بيد ان ما لفتني قبل نزولنا هبوطا وانخفاضا نحو الميناء. هو رومانسية المقعد الأخير من الحافلة. حيث تنفرد استراحة عاشقين. تكاد تفيض بدفء الحب على بقية المقاعد. لتتسرب الى اصابع الشتاء في الخارج والذي لم يكن بعد قد دلف بقسوته المعهودة. الى عظام الغرف في عالم المدينة وخيام البادية.

كان كثر قد ترجلوا بحقائب خفيفة. بعضها توسطت خصورهم النحيلة المالحة. فيما ظل محمد الشاب اللبناني في مقعده الوثير غارقا في عسل الغروب و صديقته ” فتينة” الناشرة شراع ضفائرها على جلد الكرسي المنجد برومانطيقية الألوان. واهبة زهور المساء.لتكاد خصلات من جداول شعرها تسيل على صدره المعشب.

بديا اثنينهما بلا حراك. كأنما جبل الجليد قد ذاب بحوض مائه في زلال نظرات مصممة بدقة لتلك اللحظات المختلسة. بعيدا عن انظار الآخرين : من شباب ” العرب العاربة“


تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى