عبدالغفار مكاوي - مدرسة فرانكفورت..

تمهيد
(أ) لا تَستغني الحياة الواعية عن النقد، ولا يشكُّ أحد في ضرورة النقد المُتجدِّد للواقع السائد في نظم المعرفة والقِيَم والاجتماع، وأنماط الفكر والفعل والسلوك؛ إذ إن إحياء الحسِّ النقدي معناه إحياء الحسِّ بالحرية والاستنارة، وضرورة التغيير والتقدم والحوار المستمر.
وعلى الرغم من تعدد مفاهيم النقد وتنوع أساليب تطبيقه وميادينه، فهو في تصوُّرِه البسيط المباشر يتضمَّن مناهج المراجعة والتقييم للأفكار والوقائع والأفعال التي تنطلق من معايير معينة، كما يستهدف الكشف عن تعارض تلك الأفكار والوقائع والأفعال مع هذه المعايير التي أصابها العجز والفساد؛ بُغيةَ العمل على «رفعها» وتجاوزها.
هذا السلب أو النفي الدائب للمعايير السائدة والوقائع والأوضاع القائمة، يكمن كذلك في النقد الذاتي الذي يزاوله الفرد أو المجتمع أو ينبغي أن يزاولاه على مختلف الظروف والقيم، والمواضعات والمؤسسات والنظم التي قد تبدو للوعي غير النقدي مطلقة وثابتة ومستقرة؛ ولهذا يظل النقد والنقد الذاتي هو التعبير الحي الفعال عن صحوة الوعي الفردي والاجتماعي، وأهم الأسس التي يعتمد عليها الصراع الدائم مع النَّزَعات المحافظة والتقليدية والسلبية التي تُبرِّر كلَّ وضع سائد وتباركه، وتقاوم التغيير والتطوير والتجديد والإبداع. وطبيعي أن يبقى النقد الذي يكتفي بنفي الواقع القائم ونقضه وتعرية عيوبه وأخطائه في أدنى مستويات النقد؛ لأن النقد الصحيح هو الذي يضع «الضدَّ» في مواجهة «القائم»، ويؤلف بينهما في «جديد» أعلى وأشمل وأكثر وعيًا وخصوبة.
مثل هذا النقد «السالب» أو «النافي» — بالمعنى الحقيقي للسلب أو النفي — عنصر أساسي في تكوين المنهج الجدلي الذي أثبت — منذ هيجل على أقل تقدير وحتى ماركس وأصحاب النظرية النقدية الذين سنتحدث عنهم — أنه بطبيعته نقدي وثوري، وأنه يؤدي إلى التغيير الإيجابي عن طريق سلبه لكل ما هو فاسد في الواقع السائد، وتطوير ما يقبل منه التطوير إلى جديد ملائم للحاجات المستجدة، وقادرة — في حدود الممكن لا المستحيل، وبصورة عقلانية وعلمية لا بصورة عاطفية متمردة وعشوائية! — على الخروج من الأزمات والمشكلات، وإحلال قِيَم ومعايير مختلفة محلَّ القِيَم والمعايير التي أصبحت تقليديَّة جامدة، واقتضت «الجدلية» الجذرية أو الثورية تخَطِّيها، ولا بدَّ في النهاية أن يعمل مثل هذا النقد على تغيير القائم أو السائد تغييرًا فعليًّا، وألا يقتصر على تعريته وتحليله تحليلًا نظريًّا وفكريًّا وحسب؛ لأنه إمَّا أن يتحوَّل إلى فعلٍ ثوريٍّ واعٍ يَستبدِل ببناءٍ اجتماعي ومعرفي وقِيَمي منهار بناءً آخر أصلحَ وأقربَ للواقع الحي، ويضع تصوُّرًا لتغييرٍ مستقبلي ينفي السائد الذي دبَّ فيه الفساد ويُزلزل ثوابته المزعومة، وإمَّا أنْ لا يكون نقدًا على الإطلاق، بل شيئًا من قَبيلِ الأوهام الزائفة والأحلام المستحيلة، والوعود البلاغية والإنشائية التي لا يلبثُ الواقع العيني أن يُكذبها ويخذُلها.
بهذا المعنى يصبح النقد هو الجهد العقلي والعملي الذي يتَّجه لعدم تقبل الأفكار وأساليب القول والفعل والسلوك والظروف الاجتماعية والتاريخية وسائر العلاقات التي تربط الإنسان بعالمه ومجتمعه تقبلًا أعمى، وهو جهد يُبْذَل للتوفيق بين جوانب الحياة الاجتماعية وبين الأفكار والأهداف العامة للعصر، وتمييز المظهر فيها من الجوهر، والبحث في أصول الأشياء وجذورها، وفي المصالح الكامنة وراءها والمعارف المرتبطة بهذه المصالح … إلخ، أي معرفتها معرفة حقَّة تُفضِي إلى تغييرها من أساسها على هَدْي «نموذج ضِدِّيٍّ» مُتَصَوَّر وممكن في آنٍ واحد.١ وبهذا المعنى أيضًا نصل إلى مفهوم النقد عند أصحاب النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت أو نقترب منه على أقل تقدير؛ فقد كانوا روَّاد فلسفة اجتماعية أو علم اجتماع نقدي تَوَحَّدَ فيه التأمُّل الفلسفي النظري مع العلوم الاجتماعية أو العلوم الإنسانية التجريبية، ونظروا — على حد تعبير رائدهم ماكس هوركهيمر (١٨٩٥–١٩٧٣م) — إلى المجتمع بوصفه «كلًّا ضديًّا» حافلًا بالصراعات والتناقضات، وأسَّسُوا فلسفة اجتماعية تَرَكَّزَ موضوع بحثها على البشر المغتربين عن أشكال حياتهم التاريخية في المجتمعات الرأسمالية والصناعية الشمولية التي أنتجُوها كما كانوا نِتاجًا لها، واغتربوا عنها كما كانت السبَبَ في اغترابهم.
(ب) وعنوان هذا التمهيد يُثير مشكلة تستحق الإشارة إليها، فهل نسمِّي مجموعة الفلاسفة وعلماء الاجتماع اليساريين — الذين بدأ جيلهم الأول نشاطه النظري والتجريبي في أوائل الثلاثينيات من هذا القرن مع تأسيس معهدهم الشهير «معهد البحث العلمي» في مدينة فرانكفورت (على نهر الماين) قبل هجرتهم إلى الولايات المتحدة الأمريكية ثم بعد عودة معظمهم من هذا المهجر أو المنفى سنة ١٩٥١م إلى المدينة نفسها حتى وفاة واحد من أهم أعضاء هذه المجموعة وأنبغهم، وهو تيودور فيزنجروند أدورنو (١٩٠٣–١٩٦٩م)، وبروز الجيل الثاني وعلى رأسه الفيلسوف المشهور المرتفع الصوت يورجين هابرماس (١٩٢٩م) وتلاميذه — هل نسميهم باسم «مدرسة فرانكفورت»، وهو الاسم الذي عُرِفُوا به بعد الحرب العالمية الثانية، أم نسميهم — من ناحية المنهج الذي اتَّبَعوه في النظر والتطبيق واستندوا فيه إلى روح الفلسفة الماركسية مع الابتعاد عن معظم مقولاتها الأساسية — باسم أصحاب «النظرية النقدية»؟٢
الحق أن التسميتين واردتان، وهما متفاعلتان عند من يعرف الجهود المشتركة لهذه المجموعة من المثقفين اليساريين وعلماء الاجتماع ونقاد الحضارة والأدب والفن الذين أعْمَلوا مِبْضَعَ النقد الثوري في أمراض حضارتهم «البرجوازية» التي ضلَّتْ طريقها، وتزايدت في رأيهم سرعة اندفاعها إلى هاوية اللاعقل وكارثة السقوط المحتوم عن طريق عقلها نفسه أو عقلانيتها التقنية. هؤلاء الذين سيطرت عليهم فكرة «الخلاص» والكفاح في سبيل عالم أفضل تَسُودُهُ الاستنارة والرُّشد، ويختفي منه القهر والقمع، ويتمُّ فيه إنقاذ الحياة المباشرة السعيدة، الحياة الأصيلة المُبدِعَة، هؤلاء المفكرون والعلماء أصحاب الرسالة الاجتماعية والإنسانية يمكن أن يكون شعار «مدرسة فرانكفورت» الذي عُرِفوا به علامة مميزة لجهودهم وسماتهم المشتركة، كما يمكن وصفُهم بأصحاب النظرية النقدية أو الاكتفاء بالاسم الذي يدلُّ على منهجِهِم وهو «النظرية النقدية»، وبصورة أدق «النظرية النقدية الاجتماعية» أو «النظرية النقدية الجدلية». كل هذا على الرغم من الاختلافات الدقيقة بينهم في تحديد معناها، ومن تفاوت طُرُقِهم في البحث والنظر، بحيث يمكننا الحديث في الحالتين عن موضوعات وسِمات عامة تؤلِّف بين أعضاء جماعة تنوعت اهتماماتهم وتخصُّصَاتهم أكثرَ من إمكانِ الحديث عن مدرسةٍ علميةٍ موحدة ومتماسكة، ولا سيما أنها لم تزل عند أبرز رواد جيلها الثاني (وهو هابرماس الذي سبق ذكره) فلسفة مفتوحة، ولم تزل تسعى إلى إتمام بنائها النظري والعلمي، وإدماج عناصر جديدة فيه من فلسفات العصر الأخرى المؤثرة (كالفلسفة التحليلية والتحليل النفسي والفينومينولوجيا أو الظاهرية والوجودية والهيرومينويطيقية أو فلسفة التفسير … إلخ)، إلى الحد الذي تُتَّهَم معه من جانب خصومها بأنها لم تعد نقدية ولا ماركسية، وأنها انتهت عند بعض أعلامها في أواخر حياتهم إلى نوع من اليسارية العدمية!
ربما كان من أهم السمات المشتركة التي ذكرناها: أن أعضاء الجيل الأول ينحدرون من أصول يهودية، وقد ألحَّ عليهم ذلك الشعور الذي لازم اليهود في كل المجتمعات القديمة والحديثة التي عاشوا فيها حتى قيل: إنه جزء من طبيعتهم، ألا وهو الشعور بالاغتراب عن مجتمعاتهم «البرجوازية» والشمولية — رأسمالية كانت أو شيوعية — وإحساسهم المعذَّب بافتقاد الحياة الذاتية الأصيلة وسط بشر مثلهم مقهورين ومغتربين، ولعلَّ هذا الشعور المعذب أن يكون كذلك سببًا في اقترابهم من الطبقة العاملة المطحونة والمغتربة عن تلك المجتمعات، واهتمامهم من بداية أمرهم بتكريس قدر كبير من بحوثهم الاجتماعية لقضايا هذه الطبقة ومشكلاتها وألوان الظلم التي تتعرض لها.٣ (مع العلم بأن معظم أعضاء المدرسة قد نَشئوا في عائلات يهودية مُوسرة، وأن معهد البحث الاجتماعي نفسه قد أسسه وأنفق عليه بسخاء ابن مليونير يهودي هو فليكس فايل!)
وربما كان من أهم السمات العامة التي تُميِّز كذلك معظم أعضاء المدرسة من أصحاب النظرية النقدية أنهم التفُّوا — لفترة طويلة على الأقل وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية ورجوع معظمهم من المهجر — حول معهدهم ومجلَّتِهم، والتزموا إلى حدٍّ كبير بالبيان (المانيفيستو!) الذي وضح اتجاههم العلمي والنقدي وألقاه راعيهم ومديرهم «ماكس هوركهيمر» في محاضرته الافتتاحية بجامعة فرانكفورت سنة ١٩٣١م بعنوان: الوضع الحاضر للفلسفة الاجتماعية ومهام معهد البحث الاجتماعي، كما التزموا بالأفكار الأساسية التي وردت في مقاله الذي يرجع لعام ١٩٣٧م عن النظرية التقليدية والنظرية النقدية، أضف إلى هذا كله أنهم عدُّوا أنفسهم ورثة هيجل وماركس (الشاب بوجه خاص)، وأدمجوا في مادِّيَّتهم التاريخية والنقدية عناصر مختلفة من التحليل النفسي الفرويدي، وأفكارًا ومشاعر عديدة من رواد فلسفة الحياة وأصحابها الذين نقدوا العقل والميتافيزيقا (مثل شوبنهور ونيتشه ودلتاي وكلاجيس وبرجسون) مما جعل بعض خصومهم يصفونهم بأنهم ماركسيون وجوديُّون أو وجوديُّون متمَرْكِسُون، وبأنهم عاطفيون مصابون بالتَّشاؤم الحضاري والعدمية التاريخية التي حاولوا الفرار من أسوارها الكثيفة المظلمة بأجنحة أحلامهم الغامضة عن الإنقاذ والخلاص — عن طريق الإبداع والفن حينًا أو على يد أنبياء العصر الجُدد حينًا آخر — من المنبوذين والمُضْطَهدين والهامشيِّينَ وصعاليك الفنانين وشباب الجامعات المتمردين.
(جـ) ولا بدَّ في هذا التمهيد من كلمة موجزة عن ماركسية أصحاب النظرية النقدية، فقد ذكرنا أنهم تبنوا الماركسية من حيث المبدأ أو من حيث الجوهر ورُوح المنهج، ولكنهم لم يتقيَّدُوا بصورتها الحرفية ومقولاتها التقليدية التي ترَكَّزت حول نقد الرأسمالية كنسق اقتصادي تعتمد عليه «البنية الفوقية» والمنظومة الفكرية (الأيديولوجية) بمختلف جوانبها. لقد قامت ماركسيتهم المبدئية — كما قدمت — على نقد العلاقات المغتربة والمسببة لاغتراب الإنسان في المجتمعات الرأسمالية والصناعية القائمة على الشمولية والعقلانية التقنية والإدارية التي ادعت التقدمية والاستنارة، وتباهت بالسيطرة على الطبيعة والإنسانية في الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي على السواء، ولم يكن المصدر الأساسي لهذا النقد هو النظرية الماركسية في مجموعها ولا الارتباط بالطبقة العاملة، بقدر ما كان — في معظم الأحوال لا في جميعها — هو التأثر بتجربة ماركس الشاب الذي اكتشفوه مع اكتشاف «مخطوطاته الاقتصادية والفلسفية لعام ١٨٤٤م» في مطالع هذا القرن في باريس، بحيث وجدوا في آرائِه تأكيدًا لاغتراب الإنسان في المجتمعات السابقة الذكر عن ماهيته الحقيقية، واغترابهم كيهود مضطهدين من تلك المجتمعات. لقد أدركوا أن الرأسمالية كارثة تحيق بالإنسان، بحقيقته وآماله في حياة حرة ومبدعة وسعيدة، وعرفوا أن نقدهم لها ينبغي ألا يقتصر على الإصلاح الاقتصادي والسياسي، بل يستوجب الثورة الشاملة عليها: على «صَنَمِيَّتِهَا» السلعية وعقلانيتها واستنارتها المزعومة التي تقف حجرَ عثرة أمام كل حياة إنسانية أصيلة (وهذا هو الذي فعله «أدورنو» في مقاله المبكر سنة ١٩٣٢م عن الوضع الاجتماعي للموسيقى، وفي الكتاب الذي اشترك فيه مع «هوركهيمر» عن «جدل التنوير» ١٩٤٥م).
غير أن هذه النظرة النقدية المشبَّعة بروح الخلاص والوعي المسئول ﺑ «رسالة» أصحابها، لم تخلُ في الوقت نفسه من الازدواج والتَّمَزُّق والتشكُّك في دور النظر العقلي والبحث العلمي والتِّقَني في ظلِّ حضارة تندفع — في رأيهم — إلى هاوية لا عقلانية، وتتسلط على وعْي الإنسان وتُزَيِّفُه، في الوقت الذي تُسيطر فيه على المادة والطبيعة وتتحَكَّم فيهما بوسائل القمع والقهر الرهيبة. ولم تتجرَّد تلك النظرة كذلك من الإحساس الفاجع القاتم الذي فرضَتْه عليهم روح العصر المتدهور أو الآفِلِ للغروب (على حد تعبير شبنجلر وتحت تأثير شوبنهور وفلاسفة الحياة)، ولا من الإيمان الشجاع بضرورة «الإنقاذ» عن طريق المعرفة العلمية والموضوعية بالعلاقات والأشكال الاجتماعية، ومن خلال الأمل «الرُّواقِي» الصامد رغم كلِّ شيء، الواعد بحياة إنسانية «أصيلة» وبريئة من القمع والزيف والبؤس والاغتراب.
(د) وإذا كانت الإبداعات والإنجازات الكبرى قد تولدت — في تقديري المتواضع — عن الأزمات التاريخية والاجتماعية والفكرية التي أحسَّها الأفراد العظام ووعوا شروطها وإرهاصاتها تمام الإحساس والوعي، فإن النظرية النقدية لهذه المدرسة ليست استثناءً من ذلك، فهي أيضًا وليدة أزمات العصر وعصر الأزمات، ونتاج الصراعات والمتناقضات على اختلاف درجاتها ومستوياتها وأسبابها ونتائجها؛ بل إن اسم مدرسة فرانكفورت ليُثيرُ مشكلات ويُوحِي بتداعيات تقفزُ على الفور إلى الذهن، وتؤكد أنها من إفراز النظم الشمولية الحديثة في المجتمعات الصناعية المتقدمة، على الرغم مما قد يبدُو بينها من تنافر وتنوُّع في أبعادها، ويكفي أن نذكر منها: النازية وهجرة المثقفين الألمان فرارًا من إرهابها، أهوال الحرب العالمية الثانية، مشكلة اليهود في أوروبا، جمهورية فيمار الهشَّة التي اكتسحها الطُّغيان النازي، عصر «مكارثي» الذي عاش أعضاء المدرسة تحت نَيْرِ مباحِثِه أثناء وجودهم في نيويورك ولوس أنجلوس، حركة الطلاب المُتمرِّدِين أو الرافضين في أواخر السبعينيات، أزمة الماركسية سواء تمثلت في عجز الأحزاب اليسارية الأوروبية تجاه التصاعد النازي أو تجلَّتْ بعد الحرب في محاولات تجديدها من الداخل وتفجير تزَمُّتِها المذهبي وشمولِيَّتِها البوليسية والبيروقراطية، أزمات الفكر الفلسفي «البرجوازي» التي تبدَّت واضحة في تهاوي المثاليَّة، وجمود الفلسفة الأكاديمية، وانسحاب فلسفة الظاهرات (الفينومينولوجيا) وفلسفة الوجود إلى الباطن، عجزًا منهما عن إدراك الواقع الحيِّ وتفسيره وتغييره، أو خوفًا من المدِّ الثوري الاشتراكي.
أضف إلى هذا كله أزمة الحركة التعبيرية في الأدب والفنون التشكيلية قبل الحرب وبعدها، واتِّهام أنبغ المبدعين الألمان بالتحلُّلِ والزيغ، واضْطِرَارِهم للهرَبِ من وطنهم، بجانب عدد من النزاعات الجدلية والخصومات الفلسفية والعلمية التي شارك فيها بعض أعضاء المدرسة — وبخاصة أدورنو وتلميذه هابرماس — مثل النزاع حول النزعة الوضعية عند علماء الاجتماع التقليديين في الجامعات الألمانية، وحول النقد الثقافي والحضاري، وحول فلسفة «هيدجر» في الوجود (الأنطولوجيا) وهي الفلسفة التي كان لها «نصيب الأسد» من الهجوم الحادِّ الذي صبَّه عليها الاسمان الأخيران على فترات متباعدة بين الستينيات والثمانينيات، وكلها أزمات وصراعات تستحق مزيدًا من التفصيل الذي يَضيق عنه هذا المجال المحدود.
(هـ) يترتب على ما سبق حقيقة بالغة الوضوح وإن كنَّا لا نَنْتَبِه إليها عادةً، وهي أن النظرية النقدية نفسها «تاريخية» وليست ثابتة ولا مطلقة، ومعنى هذا أنها تخضع للنقد شأنُها شأن كلِّ الظواهر التي يغمرُها نهرُ الصَّيْرُورَةِ وتحرِّكُها أمواج التاريخ، ومعناه كذلك أن «نقد النَّقدِ» أمر وارد وواجب، وإلَّا فنحن لم نتعلَّم من النقدِ شيئًا، وطبيعيٌّ كذلك أن يكون نقدُنَا لها نقدًا تاريخيًّا، أي مشروطًا بأوضاعنَا وظروفنا الذاتية والموضوعية، ومرتَبِطًا بسياقِنَا الاجتماعيِّ والسياسي والثقافي ومَدَى قدرتنا على استِيعابه؛ ولذلك فهو بدوره لن يكون معصومًا من النقد ولا من نقد النقد، وسوف نؤجِّلُه إلى ما بعد العرض الإجمالي للنظرية النقدية وتطوُّرِها وجذورها التاريخية وأهم سماتها ومعالمها وأبرز أعضائها، وذلك كما قلت في الإطار المحدود الذي يتسع له هذا البحث.


----------------
المصدر: النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت: تمهيد وتعقيب نقدي، عبد الغفار مكاوي، مؤسسة هنداوي.
#مدرسة_فرانكفورت


أعلى