ألف ليلة و ليلة يوسف يوسف - الفانتازبا الاجتماعية في ألف ليلة وليلة

في حكاية “الغراب والسنوَّر "(1) تصل شهرزاد الى الحكمة القائلة بأن الخلّ الوفي ينقذ صاحبه من المهلكات التي تداهمه في حياته. وعموما، وكما هي الحال في بقية الحكايات، فإن شهرزاد التي تتخفى وراء الأقنعة، تتخفى هنا وراء طيور وحيوانات، تؤنسنها، وتقول على ألسنتها، ما يمكن أن يأتي على ألسنة البشر؛ فعندما يرى (الغراب) صاحبه (السنوَّر) وقد أصبح في موقع الخطر بسبب(النمر) الذي بدا للغراب، كما لو أنه يتحين الفرصة للانقضاض على صاحبه، فإنه يقرّر العمل على تخليصه وإنقاذه من الخطر الداهم الذي يهدده. فبمجرد أن يرى مجموعة من كلاب أحد الرعاة، فإنه يطير من على الشجرة، ويحطُّ على مقربة من الكلاب التي سرعان ما تقترب منه. هكذا يبدأ باستدراجها إلى مكان النمر، وما إن تبصره حتى تثب عليه، فيولي هاربا ويترك السنوَّر (فلما رأت الكلاب النمر وثبت عليه فولى هاربا، وكان يظن أنه يأكل السنوَّر، فنجا منه السنوَّر بحيلة الغراب صاحبه). وتقود حكاية "البرغوث والفأرة"(2) إلىالحكمة التي تقول: ما جزاء الاحسان إلا الاحسان


[SIZE=22px]فالبرغوث الذي لا يجد له ملاذا يحميه من انتقام التاجر البخيل سوى منزل صاحبته الفأرة، يقابل إحسانها إليه بالإحسان أيضا. فبعد أن رأت الفأرة أن التاجر البخيل قد أخفى دنانيره الورقية تحت الوسادة، وأن الجوع قد بدأ ينهش معدتها، تقدمت إلى البرغوث صاحبها وطلبت منه العون: (ثم انطلق البرغوث إلى فراش التاجر ولدغه لدغة قوية لم يكن قد جرى للتاجر مثلها). وتعاقبت لدغات البرغوث، ولم يعد التاجر يتحملها، فخرج من الغرفة. ثم أقبلت الفأرة على (نقل الدنانير حتى لم تترك منها شيئا. فلما أصبح الصباح صار التاجر يتهم الناس ويظن بهم الظنون).

وأما حكاية “الورشان والقنفذ”(3) فإنها تدعو إلى التخلي عن المكر والخديعة والتشبث بالصدق في المعاملة: (أما تعلم ان للمظلومين ناصرا؟ فإياك والمكر والخديعة، لئلا يصيبك ما أصاب الخداعين الذين مكروا بالتاجر).

وأما في حكاية “الثعلب والغراب”(4) فإن أفضل القول أصدقه. ولعل الحكاية عندما تقدم لنا ثعلبا اعتاد على أكل أولاده كلما داهمه الجوع، تكون قد حسمت موقف القارئ مما يراه، حيث يجد نفسه إلى جانب الغراب وهو يسمعه يقول (إعلم أن خير القول أصدقه، وربما أحدث بلسانك بما ليس في قلبك، وأخشى أن تكون أخوّتك باللسان ظاهرا وعداوتك في القلب).

وأما حكاية”الفأرة وبنت عرس "(5) فتقول إن الطمع والغفلة يسببان الهلاك، ومن ذلك ما حدث للفأرة عندما رأت السمسم الكثير (فأعجب الفأرة ذلك، ورقصت ولعّبت ذنبها، وغرّها الطمع في السمسم، فقامت من وقتها وخرجت من بيتها، فرأت السمسم مقشوراً يلمع من شدة البياض، والمرأة جالسة ترصده، فلم تفكر الفأرة في عاقبة الأمر. وكانت المرأة قد استعدّت وأما حكاية”الفأرة وبنت عرس "(5) فتقول إن الطمع والغفلة يسببان الهلاك، ومن ذلك ما حدث للفأرة عندما رأت السمسم الكثير (فأعجب الفأرة ذلك، ورقصت ولعّبت ذنبها، وغرّها الطمع في السمسم، فقامت من وقتها وخرجت من بيتها، فرأت السمسم مقشوراً يلمع من شدة البياض، والمرأة جالسة ترصده، فلم تفكر الفأرة في عاقبة الأمر. وكانت المرأة قد استعدّت بهراوة، فلم تتمالك الفأرة نفسها حتى دخلت في السمسم، وعاثت فيه، وصارت تأكل منه، فضربتها المرأة بتلك الهراوة، فشجَت رأسها، وكان الطمع سبب هلاكها، وغفلتها من عواقب الأمور).

وتنتصر حكاية "الشبل وابن آدم "(6) للعقل. والحكاية في ثيمات الصراع المتعددة فيها، تضع الشبل أمام ابن آدم – النجار، الذي يصنع صندوقا ثم يطلب من الشبل الدخول فيه. ويأتي هذا الطلب بعد أن قام الشبل بإنقاذ حيوانات وطيور الغابة من الصياد، وهو الفعل الذي أساء للصياد وجعله يغضب من الشبل، ويتحين الفرصة للانتقام منه. هنا ومن أجل النجاح في الإيقاع بالشبل، فإن النجار يتظاهر بأنه إنما يريد أن يصنع للشبل بيتا من الخشب ليستقر فيه. وما إن يمتثل الشبل لأوامر النجار ظانا به الظن الحسن، حتى يقوم النجار بإغلاق الصندوق وهو يقول له " اعلم يا كلب البرّ أنك وقعت في ما كنت تخاف منه، وقد رماك القدر ولم ينفعك الحذر ".

صحيح أن شهرزاد في متن الحكاية تعدّ القضاء والقدر سببين للذي جرى مع الشبل، إلا أن السياق العام يفضي إلى ما هو أهم من الحذر؛ فالشبل، على امتداد الحكاية، ظل يطحن الكلام، ولم يستطع الحصول على الدقيق كما يقال. وفي حكاية “الثعلب والذئب"(7) تضع شهرزاد أمامنا أكثر من حكمة: فالبطر والافتراء يجلبان الهلاك، ومؤاخاة الجاهل الفاجر تعيب، ولكل شيء حيلة إلا الموت، كما أن نهاية الأحمق لا بدّ إلا أن تكون سيئة؟

وعلى هذا المنوال فإن بقية حكايات الطير والحيوان في ألف ليلة وليلة، تقدم نسيجا سرديا، الغاية منه تقديم الحكمة والموعظة والمعرفة والعبرة، ليس فقط من أجل تخليص شهريار من الحال التي وصل إليها، على الرغم من أهمية هذا الأمر الذي جاءت الحكايات من اجله، وإنما بهدف الغوص في أعماق الواقع الاجتماعي، كما سوف نلاحظ لاحقا، وهو الأمر الذي تسعى حكايات الليالي جميعها من أجله. ولكن ماذا عن الفانتازيا في إطارها العام في هذه الحكايات التي نتناولها في هذه الدراسة؟

تجدر الاشارة ابتداء إلى أن أغلب الباحثين يتفقون على أن الفانتازيا كنمط في التعبير، قديمة قدم الأدب نفسه. وقد نشأت معه وترعرعت ولم تندثر يوما (8). وهي مما يعدها الأدباء من عناصر إثارة مخيلاتهم، فضلا عن كونها من العناصر التي تشوَق القراء وتجذبهم لمواصلة القراءة وعدم تركها.

ولأنها تقترن أبدا بأحلام اليقظة كما يقول (تي. ي. آبتر) أحد أبرز المنظرين لأدب الفانتازيا، فإنها مما يسمو بالأدب، بل ويمكن القول إنّ أرقى الآداب هي تلك التي لا تخلو من اللمسات الفانتازية، ويأتي في المقدمة من هذه الآداب بكل تأكيد، حكايات ألف ليلة وليلة. وإذا كانت الفانتازيا تُقارَن بالخيال دوما، فإن شهرزاد في حكاياتها تقدم سرداً ترتبط عناصره بوشائج قوية ومتبادلة وغنية بالايحاءات أيضا. ولكي يمضي الحديث حول الفانطازيا في الحكايات في المجرى المناسب، نرى ضرورة معرفة الكيفية التي تُقرأ (بضم التاء) بها الحكايات، وذلك انطلاقا من الاعتقاد بخصوصية الأدب الفانطازي، وان قراءته ينبغي أن تتم بكيفية مغايرة لما هو سائد من القراءات. صحيح أن الطيور، ومثلها الحيوانات، تبدو في عالم خاص بها، لا علاقة له بعالم البشر، إلا أنه ليست هناك حدود صارمة بين العالمين، فهما يندغمان في بعضهما، حتى يبدوان كما لو أنهما عالم واحد، وبذلك فإن ما قد يبدو خاصا ومحدودا، إنما هو في حقيقته انعكاس لنوع معين من المخاتلة، تتخفى شهرزاد وراءها، وإن كانت بعناصر السرد التي توظفها، تحملنا إلى عمومية واسعة.

ما سبق يعني وجوب تأويل الحكايات، وعدم الاكتفاء برؤية الظاهر الذي تتخفى وراءه أشياء عظيمة الأهمية، وهذا هو الأهم في اعتقادنا. أي أننا، لكي نفهم ما في متون هذه الحكايات، علينا النظر إليها بوصفها قصصا رمزية، وهكذا الحال عند الحديث عن الرمزية في الحكاية الفانتازية التي تستخدم القناع. وليس أدعى لهذا التأويل من كون الطيور والحيوانات تتحدث بلغتنا كبشر، كما أنها تحفظ الأشعار مثلنا، وتقول الحكمة التي لا يقولها غير العقلاء، وتتصرف كما نتصرف، حتى كأن ألسنتها وكذلك أفعالها، ألسنة وأفعال آدمية. وبتعبير آخر فإن التأويل لا بدّ منه؛ ذلك أن الحكايات تؤنسن كائناتها، التي يتخفى وراءها بشر لهم الأفعال ذاتها التي تقوم بها هذه الكائنات.

ومع غياب عنصري التوصيف المكاني والزماني، فإن حكايات الطير والحيوان، شأنها شأن بقية حكايات ألف ليلة وليلة، تمتلك القدرة على الانتقال عبر العصور والبيئات الاجتماعية، وهذا من أسباب خلودها، وقدرتها على التأثير حتى في العديد من الآداب الإنسانية، كما تؤثر في الأدباء الذين ما يزالون يرون فيها منجما غنيا تمكن الاستفادة منه.

والقول بضرورة قراءتها بوصفها قصصا رمزية، لا يعني أنها تندرج في إطار هذا النوع من التعبير؛ ذلك أنّ للقصة الرمزية، كما نعرف، مواصفاتها الخاصة التي لا تمتلك الحكايات مثلها. وما يصح أن نقوله في الأولى، لا ينطبق على الثانية في مختلف جوانبه وحيثياته، وإن كان الجنسان يلتقيان في نزوعهما إلى التخفي وراء الرموز، وهو الأمر الذي يعدّ من شؤون الأدب الفانتازي، وهذا الأمر في الحكايات شفاف وواضح، بحيث يمكن فهمه من قبل جمهرة القراء بيسر وسهولة.

هذا يعني أن مثل هذه القراءة تنسجم مع فهمنا للسياق السردي الذي نحن بصدده. وبذلك فإننا نكون أوفياء للحكايات أيضا، ولا نمارس أيا من أنواع العسف لفهم بنيتها الفنية، التي كما نراها فانتازية اجتماعية. إذ بدون الرغبة العميقة لفهم الرمز، نكون قد أضعنا طريقنا لاكتشاف ما تحت الظاهر وفي الأعماق. وهذا أيضا يمنحنا المدخل لرؤيتها كحكايات فانتازية.

وعملية التشريح الدقيقة للحكاية الفانتازية هنا، تؤكد استحالة تشبيهها بالقصة الرمزية. فالقصة فيها صورة ونمط تحرص عليهما. والثاني – النمط بحاجة إلى مقدمة – الصورة – دوما، أما ما نراه من تشريح جسد الحكايات، فإنها حكايات أنماط، ولذلك فهي تكون قد امتلكت ركنا أساسيا من أركان الفانتازيا، يتمثل بالحرص على إبراز النمط، بدون الالتفات إلى الصورة التي ينعدم شأنها فيها.

ولأنها كذلك – حكايات الأنماط، فإن الشك بخصوص العالم الذي تنتمي إليه سوف يكبر، وسوف تصبح الإجابة عن السؤال الذي يفرض نفسه بشدة (هل هذا هو العالم المرئي من الحكاية أم أنه عالم مغاير تماما) هي المدخل إلى الحالة الفانتازية الواسعة، ونقصد المزج بين الواقع والحلم، وبين الخيال

والوهم، وهما من الثنائيات التي تحيل الفانتازيا دوما إليها.

لقد أشرنا سابقا إلى أن الفانتازيا تقترن بأحلام اليقظة، وهذه كما توضح مدارس علم النفس، ترتبط بالباحثين عن الحلول السهلة عند العمل من أجل تحقيق طموحاتهم وغاياتهم. وإذا ما عدنا إلى الحكايات المشار إليها آنفا، فإننا سوف نلاحظ أنها لا تهتم كثيرا بالصراع الذي يعدّ جوهر السرد في القصة. وهذا مما يتفق مع بنيتها السردية باعتبارها حكايات أنماط. كما أنه عند الكاتب الفانتازي يميّع الفروق بين الوسيلة والغاية.

وعلى سبيل المثال، فإن الطيور والحيوانات التي تدخل في حماية الشبل – سيد الوحوش في حكاية (الشبل وابن آدم) هي مجرد أنماط قاصرة عن مجابهة الإنسان (البطة، الحمار، الفرس، والجمل). والحكم بقصورها وعدم قدرتها على الفعل، لا يتأتى من رؤية صراعها مع الإنسان، وإنما من أقوالها التي ترد على ألسنتها – أي من اعترافاتها (يا أسد.. إني قد لجأت إليك في أن تقتل ابن آدم، وتجزم رأيك في قتله، فإني أخاف على نفسي منه خوفا شديدا) و(إنما خوفي أن يعمل حيلة عليّ ويركبني لأنّ عنده شيئا يسميه البردعة، فيجعلها على ظهري، وشيئا يسميه الحزام فيشده على بطني، وشيئا يسميه الطفر فيجعله تحت ذنبي – ذيلي، وشيئا يسميه اللجام فيجعله في فمي، ويعمل منخاسا ينخسني به ويكلفني ما لا أطيق) و... هيهات... هيهات... أن أغلبه يا ابن الملك.. فلا يغرك طولي ولا عرضي ولا ضخامتي مع ابن آدم) و(يا ابن السلطان.. اعلم أن ابن آدم له دواهي لا تطاق، وما يغلبه إلا الموت).

وحتى عند الحديث على رغبة ابن آدم في القضاء على الشبل – مركز معارضة الرغبات، فإن الأمر يتمّ بيسر وسهولة، إذ الحكاية تريد الانتصار للعقل، ولا يهمها سوى تحقيق غاية ابن آدم، التي هي غاية الحكاية الفانتازية (فامتثل الشبل لأمره، ثم إن النجار لفّ ذنب – ذيل الشبل وحشاه في الصندوق، وردّ اللوح على الطاقة سريعا وسمّره).

ولأن غاية شهرزاد تتمثل في البحث عما ينجيها من الانتقام، وتحرير شهريار من نوازعه الشريرة، فإنه لن يكون أمامها سوى البحث عن الحلول السهلة في حياة الأنماط التي تقدمها، لأن من شأن هذا النوع من الحلول، التي ينعدم الصراع فيها أو يقل، السماح بتقديم أكبر عدد من الأنماط والحكايات الشارحة، وهو مما يسهم في إبقاء شهريار في قبضة السرد الذي تتناسل حكاياته بعضها من بعض. أي أنه من حيث التأثير السيكولوجي لهذه الحكايات عليه، فإن قلقه الداخلي سوف يبدأ بالفتور التدريجي، وهي نتيجة ما كان يمكن لها أن تحدث، لولا تشظي القص، والقدرة على استدراجه للمتابعة.

إن حكمة مصاحبة الخل الوفي الذي يُنجي من المهلكات، لم تستغرق من شهرزاد الكثير من الحكي. ومثلها الحكمة في كل من (البرغوث والفأرة) و(الوشان والقنفذ) وسواهما. بل إن حكاية (الشبل وابن آدم) وهي من أطول الحكايات، تصل إلى حكمتها بعد سطور قليلة، ولكن شهرزاد باستطراداتها في الحكايات الشارحة، ظلت تقدم كل ما هو جديد، وهي بذلك كانت تختفي وراء الزمن – زمن القص الفني، وتتحايل عليه، لتمنح الزمن الآخر الواقعي – زمن بقائها مع شهريار فترة أطول، ليس للمحافظة على حياتها فقط، وإنما لتحوله إلى شخص آخر، من خلال ما تقدم إليه من الحكمة والموعظة الحسنة.

وتأسيسا على ما سبق، لم يكن أمامها من الحيل سوى الاستطراد، الذي يمكن القول إنه استطرادٌ فنيٌ، لا يعدّ عبئا على الحكايات. كما أنه لم يكن أمامها سوى الاعتماد على الخيال، بوصفه ركنا من أركان الفانتازيا، حينما يقترن بما أشرنا إليه من الحلول السهلة. وما دام أدب الفانتازيا يميل إلى استخدام تداعيات أقرب إلى التداعيات المزاجية التي لا يجمعها ناظم نفسي (10)، فإن الاستطرادات – التداعيات أقرب ما تكون إلى رغبة مزاجية غاية شهرزاد منها إعادة الاستقرار إلى أعماق شهريار.

من المعروف أن الفانتازيا تقدم صيغا لكيفية الهروب من الواقع المعيش إلى واقع آخر أفضل، ليس على مستوى الشخصيات التي تتوسل بها لتوصيل مسرودها فقط، وإنما على مستوى المتلقي الذي تحمله إلى فضاءات مريحة، بصحبة هذه الشخصيات التي تقوم بمخاطبته، وهذا ما تحاول شهرزاد القيام به، وهي تمسك بعقل شهريار الذي يواظب على سماع حكاياتها.

لا بدّ أن شهريار الذي كان يتميز غيضا، وتعتمل في داخله ثورة داخلية عارمة بعد اكتشاف خيانة زوجته، ظل يحلم. أما بماذا على وجه التحديد، فهو مما لا نقدر على معرفته. ولكن، بصرف النظر عن أي أمر يمكننا التفكير به، فقد كان يحلم بعالم آخر سوى العالم الذي كان يحيا فيه. ومن المؤكد أنه كان يبحث عن الاستقرار النفسي، الذي يمكّنه من أن يستعيد معه توازنه في الحياة كإنسان أولا وأخيرا.

من هنا فإن الحكايات كانت تحفر في أعماقه لتبحث عن هذه الأحلام، وعن رغبته في الهروب من الواقع، ليس بما تحمله الانهزامية من المنطق الخاص بها، وإنما على وفق ما تريده شهرزاد: ضرورة بحث الإنسان عن السلام والاستقرار، وعدم الاستسلام للنزعات الشريرة التي يمكن أن تحل فيه. أي أنها كانت تخاطب عقله، الذي بوساطته يمكنه استعادة توازنه النفسي المفقود. وهو بالضبط ما تفعله الحكاية الفانتازية التي تندرج في خانتها حكايات الطير والحيوان التي نتناولها.

لقد قال دانتي إن الفانتازيا تشبيه لحلم العقل. والعارفون بخصائصها يشيرون إلى وجود هذه الصلة بينها وبين الحلم. بل يمكننا القول إن علاقتهما مشيميّة، وإنها قوية وراسخة. وسوف نكتشف ذلك التماهي الكبير بين شهريار والحكايات التي تسردها شهرزاد؛ ذلك أنّه يمر بحالة الانشطار المدمرة بسبب القلق الذي سببته خيانة الزوجة، وفي أغلب الظن أنه سوف ينتهي نهاية مأساوية إن لم يعثر على من يسعفه وينقذه من الحالة التي وصل إليها. وهكذا فإنه عندما يسمع حكايات تتناسل من بعضها، لا يسعه كردّ فعل طبيعي إلا أن يحاول المحافظة على كيانه الخاص. إنه الانشطار على مستوى السرد، يتبعه الاندماج على مستوى المتلقي – شهريار، بحيث يكتسب كل شيء المعنى الخاص به.

شهريار كإنسان كان يمتاز بالحكمة والتعقل قبل خيانة زوجته، والحكايات كعمل فني فانتازي، أو كجنس أدبي يحقق المطلوب منه، بإيجاد الحلول المناسبة لأقسى المصاعب التي يمر بها شهريار، وإن كانت هذه الحلول مما يأتي على أطباق طائرة، كما يقال للتندر. وهكذا يمكننا القول إن الحكايات كانت تقود شهريار باتجاه التسامي، في الوقت الذي تحوّل فيه دوافعه الهدامة إلى أفعال بشرية مقبولة، ومن هنا القول بوجود بعد اجتماعي بشري لهذه الحكايات – حكايات الطير والحيوان. اي أننا أمام فانتازيا اجتماعية

بالمعنى العريض والواسع للمصطلح، فماذا عن هذه الفانتازيا؟

كنا قد أشرنا عند الحديث على كيفية قراءة الحكايات إلى مسألتين: إحداهما ترتبط بفضاء السرد الذي حددناه بعالم الطير والحيوان من جهة، وعالمنا كبشر من جهة أخرى. والثانية تختص بضرورة التأويل للكشف عما هو تحت ظاهر هذه الحكاية أو تلك. وفي اعتقادنا أنّ هاتين المسألتين تمنحان القارئ مدخلا لاكتشاف الواقع الحقيقي، ورفع القناع عن الوجوه العددية لشهرزاد، في مخاتلاتها التي هي مخاتلات المحكي(11).

ومن بين هذه المخاتلات تلك التي تهدف الحكاية منها إلى التستر على الموضوعة الاجتماعية. وإذا ما تعاملنا مع الطيور والحيوانات باعتبارها صورا مجازية، فإننا على صواب؛ وإلا لماذا تتحدث هذه الكائنات بلغتنا، وتتصرف كما نتصرف نحن البشر، حتى كأن ألسنتها ومثلها أفعالها، ألسنة وأفعال آدمية؟ من هنا كان الحديث على التماهي بين العالمين المذكورين: عالم الحيوانات والطيور وعالم البشر، وعلى ضرورة التأويل الذي بدونه سوف نكون قد جردنا الحكايات من أبعادها الجمالية أيضا.

أي أن التأويل يتمّ من خلال النظر إلى إشارات دلالية محددة، تختلف من حكاية إلى أخرى. وما دمنا قد اقتنعنا بوجود البنية الفانتازية، فإن حديثنا سوف يكون عن فانتازيا اجتماعية يمكن الاستدلال إلى موضوعاتها من خلال ما تعلن عنه الأنماط الناقلة لأفكار شهرزاد، وبحسب ما ذكرناه في بداية الدراسة عند استعراضنا للثيمات الأساسية في الحكايات. وإذا ما أخذنا على سبيل المثال حكاية (الثعلب والذئب)، وحاولنا اختبارها في ضوء المداخل السابقة، كيف يمكننا الوصول إلى ما فيها من المدلولات البشرية؟

تصور الحكاية حياة "ذئب" و"ثعلب" اعتادا العيش معا في وكر. وبعد فترة من الوقت، راقب الثعلب فيها سلوك صاحبه الذئب، اكتشف رغبته في التسلط عليه، ونزوعه إلى الشر وممارسة العسف، فقال له ينصحه:

إن دمت على عتوّك ربما سلط الله عليك ابن آدم. فإنه ذو حيل ومكر وخداع، يصيد الطير من الجوّ، والحوت من البحر، ويقطع الجبال وينقلها، وكل ذلك من حيله. فعليك بالإنصاف وترك الشرّ والاعتساف فإنه أهنأ لطعامك.

فلم يقبل الذئب قوله وأغلظ له الردّ وقال له:

لا علاقة لك بالكلام في عظيم الأمور وجسيمها.

ثم لطم الثعلب لطمة، فخرّ مغشيا عليه. فلما أفاق تبسّم في وجه الذئب واعتذر إليه من الكلام المشين وأنشد هذين البيتين من الشعر

إذا كنت قد أذنبت ذنبا سالفا في حبكم وأتيت شيئا منكرا

أنا تائب عما جنيت وعفوكم يسع المسيء إذا أتى مستغفرا

فقبل الذئب اعتذاره وكفّ عنه أشراره وقال له:

لا تتكلم في ما لا يعنيك، تسمع ما لا يرضيك.

فالصياغة أعلاه في هذا المقطع من الحكاية، تبدو كما لو أنها بين اثنين من العقلاء، كلاهما له لسان ينطق به ويعرض وجهة نظره. والحوار بينهما لا يختلف عما يأتي على ألسنة البشر. وبينما الأول يقول كلامه (ناصحا) فإن الثاني (يلطمه)، وكلا العمليتين: النصح واللطم لا يقوم بهما غير البشر. حتى إن مفردات بعينها تحيل إلى أفعال بشرية: فقال، لطم، تبسّم، اعتذر، أنشد، وسواها الكثير مما في بقية الحكاية. وإذا ما أنعمنا النظر، فإن إنشاد الشعر كسلوك وذاكرة تحتفظ به، ينتقل بنا في الحال من عالم كنا حتى وقت قصير نظنه بعيدا عنا – عالم الحيوان، إلى عالم قريب من أنفسنا – عالم الإنسان.

هكذا فإن القارئ لا يمكنه إلا أن يقوم بتأويل الحكاية، وهو يرى عالمين يتماهيان في بعضهما، وحيوانات تقوم بأفعال يقوم بها البشر، كل واحد منها يعتبر مرآة لنمط فكري محدد في الحياة.

وهنا يتبين القارئ ما نقصده بالحديث على (القناع) و (التخفي) و(مخاتلات المحكي)، وهذا يذكرنا بقول رشدي صالح في التقديم للحكايات (وليس شرطا أن يكون التفسير الذي تلقي به حكايات الطير والحيوان، تفسيرا صحيحا من وجهة نظر علم الحيوان. بل أهم من هذا، أن يكون التفسير مقنعا للمستمع أو القارئ الشعبي). وما دمنا بصدد فانتازيا اجتماعية يتمّ التعبير عنها بواسطة الطيور والحيوانات، فإن ما نراه من صور مجازية: الثعلب، الذئب، القنفذ، الشبل... إلخ، تمتلك القدرة على إقناعنا بأنها مجرد أقنعة تستخدمها شهرزاد في مخاتلاتها.

هنا تنعدم شكوكنا حول العالم الذي تصوره حكايات الطير والحيوان. ولا تعود هناك ضرورة للتساؤل: هل هو هذا العالم أم عالم مغاير له تماما؛ ذلك أنّ الوقائع والأطر أو الشخصيات الفانتازية بحسب رأي (أبتر) لا تتطلب تصديق القارئ، لأن التعامل معها سوف يكون بوصفها أطروحات منهجية.

صحيح أن حكايات الطير والحيوان هي جزء مما يسميه رشدي صالح الحكايات الشارحة في ألف ليلة وليلة، وهي تلك الحكايات التي تصور رغبة شهرزاد في مواصلة استطراداتها للتحايل على الزمن الواقعي، وهو مواجهتها لشهريار كما ذكرنا، إلا أنه لا يمكننا النظر إليها بمعزل عن النسيج السردي للحكايات ككل. فهي تدخل في نسيج الليالي كحكايات لها استقلاليتها الكاملة، أو كوحدات تثري وجدان القص، كونها شكل من أشكال المخاتلة يأتي في قالب فانتازي، غايته تخليص شهريار من واقعه المري، وجذب القارئ والمستمع إلى عالم يتسامى فوق جميع الشبهات التي تقود البشر إلى الانحطاط.

الهوامش

ألف ليلة وليلة/ إعداد رشدي صالح/ دار الكتب العلمية/ بيروت، القسم الأول ص393

الليالي/ ص394

الليالي/ ص 395، 396.

الليالي/ ص393

الليالي/ ص 392

الليالي/ ص 379، 383

الليالي/ ص386، 392

أدب الفانتازيا العلمية/ محمود قاسم/ مجلة الأديب المعاصر / العدد /40، تشرين الثاني 1989

أدب الفانتازيا – مدخل إلى الواقع / تي. ي. أبتر/ ترجمة صبار سعدون السعدون/ دار المأمون / بغداد 1989

مخاتلات المحكي/ د. محسن الموسوي/ مجلة نزوى/ نيسان 97

أبتر/ مصدر سبق ذكره، ص12
[/SIZE]

الكاتب:
يوسف يوسف


هذا النص

ملف
كتاب الليالي : الكتاب الذي لا ينتهي...
المشاهدات
52
آخر تحديث

نصوص في : ملفات خاصة

أعلى