هدية حسين - امرأةٌ وحيدة وليلٌ بارد

- وها هو قد رحل، فماذا أنتِ فاعلة بحياتك؟
- لا شيء يا أمي، فقط اكرميني بسكوتك.
- بيعيه مثلما باعك.
- إنه ليس سلعة يا أمي.
- أنتِ السلعة من وجهة نظره، وقد أصبحتِ من الماضي.
**
الماضي يعذبني، وأمي التي شبعت موتاً ماتزال تصرخ بي:
- ستعيشين وحيدة ومعزولة.
لم أنتبه الى العمر الذي راح يركض بعيداً، وخلّف وراءه امرأة تعد خطوط التجاعيد على جبينها، وتفزع من المرآة كل يوم باحثة عن امرأة أخرى كانت تضجّ بالحياة.
ليس في حكايتي شيء جديد، سبق أن رأيت أحداثها في أفلام كثيرة، وسمعتها في الأغاني، كأن صنّاع السينما وشعراء الأغاني كتبوها لي خصّيصاً، ولم آخذ عبرة، كان رهاني على الزمن أقوى، وعنادى بالتشبث لا يدانيه عناد، كنتُ مثل غريق أنهكته أنفاسه لكنه مايزال يجاهد للوصول الى بر الأمان ولو من خلال قشة.
ولا أمان.. قلبي يواصل النبض بإيقاعات واهية، منذ أن انتهى ذلك الزمن الذي كان فيه يرقص على سلالم الأحلام، ثم تدحرج الى هاوية الأوهام.
من قال إنها أوهام؟ أنا؟ لابد أن امرأة أخرى قالتها ونسبتها لي، ولذلك انتفضتُ كما لو أنني أرد تهمة عن نفسي.
مازلت في ربيع العمر.. قلت ذلك لنفسي منذ زمن بعيد.. و(منى) التقت (أحمد) في فيلم (أغلى من حياتي) هل تتذكرون شادية وصلاح ذو الفقار؟ التقته بعد سبع سنوات من الفراق.
سبع سنوات؟ يا لسذاجتي وأنا أتشبث بالوهم وأخفيه في أعماقي وقد مرت عشر سنوات، وعشرين سنة، و..........
قلبي لا يتنازل عن أهوائه، إنه يورطني، وأنا لا أشفى من ذلك الحب الصاعق، وصوت أمي يخترق كل الحواجز، ويفزعني في ليلي البارد الموحش:
- اذهبي الى حفار القبور، وهيئي لكِ قبراً الى جواري، لا أحد سيقوم بهذه المهمة غيرك، أنتِ وحيدة ومعزولة.
- لماذا تمعنين بالقسوة يا أمي؟
- لو كنت قاسية لقلتً لكِ كلاماً آخر.
- ماذا أردتِ أن تقولي؟
- أنتِ ميتة يا ابنتي.. ميتة منذ زمن بعيد، الموت البطيء لا يعني أنكِ حية.
- آه يا أمي ، ألا تكفين.
- حين تكفين عن الوهم الذي أنتِ فيه، سيفوتك آخر القطارات، أما تدركين؟
وللقطار حكاية في تقويم عمري.. أتذكر ذلك اليوم الذي مرّ فيه القطار على السكة المجاورة لبيتنا، وكلما دوّت صفارته شعرتُ بانقباض، كأن صفارته إنذار بانتهاء الحياة، كان ذلك في يوم من تلك الأيام التي تحول فيها قلبي الى جمر لا يخمد، حدجتني أمي بنظرة قاسية وقالت:
- هذا آخر قطار لابد من الصعود إليه قبل فوات الآوان.
كانت قبل يوم قد كلمتني عن آخر رجل يريد الارتباط بي، وهي تعرف أن سفينتي جنحت بعيداً عن شواطئ رغباتها.. تجاهلت ما ترمي إليه وقلت ساخرة:
- لماذا.. هل سيرفعون سكة القطار؟
قلتُ ذلك ورسمت على وجهي ابتسامة بلهاء.
واجهتني بيقين من يعرف أنني أفهمها لكنني أدّعي البلاهة:
- ستشعرين بالندم أنكِ أسيرة عنادك.
لذت بالصمت، ليحميني من لسانها السليط، الذي لا يكف عن تأنيبي وتذكيري بأن قطار العمر سيمرّ ولم أجد من يتزوجني.. لكن لسانها لم يكف...و.
تزوجت.. ربما إرضاءً لها على الرغم من أنها ماتت قبل أن يمر القطار الأخير على سكة العمر ويسحقه، وربما من الوحدة التي تخيفني بها وترفعها سوطاً في وجهي فتذهب بعيداً وتقضم سنوات عمري.
ويا ليتني ما تزوجت.. لقد كانت أيامي أشدّ وحشة من الأيام التي تلت موتها، وكنت أشعر بالحنق كلما وقفت أمام قبرها، أصرخ ليس حزناً على فراقها، أصرخ ألماً على الحال الذي وصلت إليه، أسدد سلاح غضبي وأنا أكلمها من وراء الحجر:
- ها أنتِ ترقدين بسلام، وتسحبين معكِ سلام نفسي.. فهل يرضيكِ ما أنا فيه؟ القطار الذي صعدت إليه يا أمي أوصلني الى كابوس طويل لا أعرف كيف أخرج منه.
**
لكنني خرجت من ذلك الكابوس لأدخل متاهة ذات دوائر لا تنتهي.. متاهة خريف العمر الذي لا تنفع معه الأحلام ولا تغريه الأوهام، أدخل المتاهة وحدي من دون عدّة، متسلّقة الشجر العاري، ومتشبثة بأغصان لا تقوى على صد الريح، وها أنا امرأة وحيدة ومعزولة كما تنبأت أمي.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى