ناديا كمال - فتحت عينى وأنا لا أعى أين أنا

تتراءى لى الآن كل رسوماتى وصوت المعلمة الآتى من بعيد يقول " أحسنت يا أحمد...ما أروع ألوان الطبيعة التى تجيد رسمها ..وما أروع مزجك للألوان....حين تنشر الخضار ربيعا في الحياة ، وبالأحمر ترسم ورودا جورية رائعة ، وبالأصفر لون الشمس الذهبية المسترسلة في جنبات المكان باعثة الدفء والنور في القلوب والنفوس لتعطي شعورا رائعا بأن الأمل سيشرق في الحياة حتما ، وما أروع

مزجك البرتقالي بالبني لترسم به خريف العمر وتملأ الحياة بالأمل والحب والتفاؤل ،وبالأزرق تظهر جمال البحر وصفاء السماء ..وتلك المساحة البيضاء الشاسعة التي تمثل الثلج بنقائه وطهره فتعكس به جمال روحك وبراءة الطفولة ....

أغمض عينى ثم أفتحها فأرى خيالات أخرى لأبى وهو يدعونا لشراء مستلزمات المدرسة وصوت أخي محمد يضج بالفرح وهو يختار اللون الأخضر لحقيبته...

وهو يقول لوالدى..أليس هذا لون بستان جدى رحمه الله...أنت قلت أنه كان لدينا بستانا وأشجارا..أين هم الاَن يا أبي ؟؟فرد والدي بصوت حزين : نعم يا ولدي كان لدينا بستان ، ولكن ... ومازالت ملامح أبى وهو يبتسم ابتسامة حزينة...كم تعجبت لها..ولكنى كنت قد اعتدت فى حياتى أن أجمع كل التناقضات وأخزنها فى ذاكرتى ثم تنطق بها الألوان فى دفترى...


أغمضت عينى مرة أخرى فنوبات من الألم فى كل جسدى تجتاحنى...ولا أدرى ما حولى ولكن هناك أصوات أعرفها وأخرى لا أعرفها تهمهم ...بعضها يبكى وبعضها يهمس ...أريد أن أنادى على محمد أخى ...لكن لسانى أشعر به ثقيلا..


محمد..أخى..يصغرنى بعام ولكنى أشعر نحوه بشىء غريب كأنى والده...محمد أخى أسعد منى..كان دوما سعيدا باسما منطلقا..الجميع يدلُلونه..ربما لوسامته الشديدة..وربما لذكائه وخفة ظله ..ولكن حبى له لم يكن عاديا..محمد ..ما أحبه لقلبى..لا أطيق أن يمسه صبى بسوء ...

لا أعرف لم دوما أحن لأن أمسك يديه بقوة ونحن فى طريقنا للعودة من المدرسة أو بعد اللعب مع الأصدقاء..آآه كم أتوق للعب فى الباحة القريبة من منزلنا...ومحمد يدور كالفراشة حولي ...

لم نكن رغم السن نهاب الطائرات التى تحلق كثيرا فوق رؤوسنا وقد تحصد جارا أو صديقا.. وهي تلقي بقنابلها المسمومة في ربوع بيوتنا وبساتيننا وتحرق كل ما تجده في طريقها حتى الحمام والأنعام ليتحول كل شيء الى رماد ،وتدفن أحلامنا تحت الأنقاض ، حتى لو فكرنا يوما باستعادتها ، فعلينا أن نزيل الأنقاض حتى نعيدها من جديد....لم نعد نخشى الموت فقد أصبح صديقا لصيقا للحياة فى مخيمنا ..وكلنا نحب الحياة ولكن أبدا لم نكن نخاف الموت..ربما لأننا نموت زمرا والصحبة رائعة حتى فى رحلة الموت وليس فقط رحلة الحياة...

ها انا أستطيع أن أفتح فمى...سأنادى على محمد..كان بجانبى آخر مرة..آه...كنا فى الشارع المجاور لبيتنا وأبى معنا ونحن عائدون ...كل ما أتذكره الآن صوت أزيز الطائرات ...فوق رؤوسنا..صرخ أبى.." ياولاد الكلب..." وجذبنى من ملابسى فجذبت محمد ووضعت رأسه بين صدرى وتكومت ولكن أبى جذبنى مرة اخرى ,,

و...وجدت محمد يجرى ويشير للطائرة صارخا " هاتوا البستان ياولاد الكلب " جريت نحوه.. أبى وأنا نصرخ ولكنى لا أدرى هل أدركته ام ماذا...أمسكت يد محمد ...دافئة ..كعادتها ..ضغطت عليها لأستمد بعض الدفء فقد تخدرت أطرافى رعبا...لم أعد أذكر فما إن وصلت له حتى شعرت بألم وحرقان شديد فى ظهرى...بعدها كان جسد محمد بين يدى أبى ودماء تغطى وجهه ...لكن...كانت يد محمد فى يدى ...نعم..كان هذا آخر ما أتذكره...

الآن أناديه...محمد ....محمد...يا الهى ...لم ارتفع الصراخ لم؟...اقترب منى صوت أعرفه...من؟ من؟ محمد؟ محمد؟ أين يداه..كانت بيدى.. أحاول أن أرفع يدي نحو صوته...لكنه كان يهمس لى...لاتنسى البستان..لقد قابلت جدى ..ووعدته أنك ستستعيده...شعرت ببرودة تسرى بيدى ...برودة لا أحسب أنها ستفارقها...صوت أبى يقترب...يهمس لى تكلم يا أحمد ..هل ترى أخاك؟.هل تراه؟ هل تراه؟؟

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى