ابتسام البقمي - علامة فارقة

ومرت سنوات تتلوها سنوات ونضال يصارع الحياة ويحيك من المعاناة والألم خيوط الإبداع والأمل كي يثبت ذاته ، ويسطر اسمه في ذاكرة الإنسان والزمان والمكان ؛ فيشار إليه بالبنان ويعيش حياته محسناً ، نافعاً للناس منتجاً و مكافحاً و مناضلا ، ولا يعيش على هامش .

رغبته في التميز والتفرد والإبداع تسيطر على كل جوارحه ، ظل طول عمره يحرث أرضه ويبذر البذور الطيبة ليجني الثمار الباسقة في مستقبل الأيام .

كان نضال طفلاً جميلاً نابهاً كثير الحركة ، يحب اللعب كسائر الأطفال ، حاضر النكتة سريع البديهة .

حينما كان في السابعة من عمره وهو منهمك في اللعب مع أبناء وبنات الجيران ، سمع تلك الصغيرة تقول لأختها الأكبر منها : مشاعل أني خائفة من ذلك الفتى شديد بياض اليدين ، يا حبيبتي لا تخافي هذا نضال ابن عم أحمد جارنا ، لا لا

احمليني لأمي ، لا أحبه لا أحبه .

انتبه نضال وتوقف فجأة للتأكد من كلام الصغيرة ، وبحث عن مصدر خوفها منه ، ولأول مرة يدرك نضال أن يديه شديدة البياض وتختلف عن وجهه وسائر جسده ، هو يعاني مرض "البهاق" .

انكمش على ذاته ، حزن ، تقهقر إلى الوراء وغادر ملعب الأطفال .

ذهب إلى البيت ، دخل غرفته وأغلق الباب عليه ، و راح يبكي بحرقة و ألم وصوته يرتفع شيئاً فشيئا ، تعب من البكاء وغط في نوم عميق وكأنه لم ينم منذ ولدته أمه .

ومن تلك الليلة التي نام فيها نضال حزيناً مكتئباً مصدوماً تبلل وجهه دموع الحرقة والألم صار يحلم أن يكون مختلفاً وعلامة فارقة في دنيا الناس هذه .

قلل ساعات اللعب وزاد ساعات الجد ، وبذل الكثير من الجهد ، انكب على كتبه ، واهتم بدرسه ، ونبغ في مدرسته .

دائماً ما يستغرق في تفكير عميق ، يبحث عن شيء ما ، وحقيقة غائبة عن ذهنه .

بدأت تسترعي انتباهه الأشياء من حوله ، الألعاب و الأجهزة الكهربائية ، يفككها ويتأمل ما بداخلها ويحاول مرة أخرى يعيد تركيبها .

وفي الثالثة عشر من عمره ظهرت عليه بوادر مبشرة بمخترع قادم يخطو بخطى ثابتة .

قدم لأستاذ العلوم في الصف السادس فكرة اختراع طاولة مدرسية في الصف الدراسي تعرف صاحبها بمجرد أن يلمسها بيده حتى يحتفظ هذا الطالب بكتبه و أدواته المدرسية فيها دون أن تتعرض للسرقة أو الضرر .

لفت نظر أستاذه ، وعرف أنه موهوباً فصار محل اهتمام المدرسة التي تواصلت مع أسرته للعناية به أكثر ليستثمروا مع الوطن المبارك في إنسان المستقبل .

عملت مدرسته على انضمامه إلى مركز الملك عبدالله للموهوبين ، ومراكز أخرى للعلوم والتكنولوجيا .

وهكذا تعلم نضال أكثر ولم ينقطع عن مدرسته ، أصبح محط أنظار معلميه ومدرسته ، وفرت له كافة الإمكانيات المادية والمعنوية من الأسرة والمدرسة .

شيئاً فشيئاً صار نضال يسجل براءات اختراع متعددة ويكرم من قيادات الدولة الرشيدة ، ويتم ابتعاثه

للخارج للدراسة ضمن منحة الملك عبدالله بن عبدالعزيز للإبتعاث الخارجي .

وهناك يبزغ نجم نضال ويشتهر أمره

ليلفت نظر الشركات اليابانية ، والتي تعاقدت معه لتنفيذ اختراعاته وتعميمها ليستفيد منها الناس جميعا.

وبعد تخرج نضال ، وبعد أن تسلح بسلاح العلم وأنتج وأنجز وأبدع وأبهر العالم ، يعود لوطنه الغالي لتستقبله فاتحةً ذراعيها بكل حب وسعادة وفخر واعتزاز به ؛ ليكون علامة فارقة في مشروع فارق على مستوى العالم ، وينضم نضال مع كل الحالمين إلى مشروع "نيوم" العالمي .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى