محمد الراشدي - نحو الحلم

(( لا تنهكي )) .. وانحدرت دمعة إشفاق تبلل بها وجهها الذابل كرغيف محترق .. نكست رأسها بانكسار وخجل .. بظاهر كفها مسحت دمعتها ومخاطا لزجا ينساب أسفل أنفها .. العجوز التي تقتعد الطرف المقابل من السرير الخشبي عند أقدام الرضيعة ترمقها بنظرات ازدراء ممعنة في القسوة .. تشيح بوجهها المجعد بأخاديد الشيخوخة .. نظراتها تنهب جدران البيت الطيني المكتنز رطوبة وروائح دبقة .. وبصوت تتخثر في نبرته بحة موحشة :
(ذات يوم كنت أنت هنا - وإصبعها المرتعشة المرقطة ببقع الشيخوخة فوق الجلد المترهل تشير إلى مكان الرضيعة - .. وكانت أمك هنا ، وبذات الأصبع تشير نحو مكان جلوس الأم على الطرف الآخر للسرير عند رأس الرضيعة ) .. وحين تتحول بإصبعها نحو الجرة الفخارية المغموسة في ثرى الأرض عند مدخل البيت .. تفح قائلة : ( ومن ماء هذه الجرة غسلت يدي من دمك إذ تبللت به يداي هاتان )

طقطقت مفاصل الأم إذ نهضت على عجل .. سارت نحو العجوز .. وقفت أمامها بتذلل .. نشيجها يسيل بدمع يفصح عن وجل واعتذار وندم .. انحنت كشجرة ذاوية .. مدت كفين راجفتين طوقت بهما رأس العجوز .. همهمت بكلمات طمس البكاء المتدفق تفاصيلها وشفاهها ملتصقة بمفرق رأس العجوز .. تسكب القبلات هناك بتوتر .. تمرغ أنفها فوق الطرحة السوداء .. فتلتصق خيوط المخاط بمسام الطرحة التي تنز برائحة زيت السمسم المنبعثة من شعر العجوز الملون بالشيب والحناء .. ترفع الأم رأسها .. تلتقط المخاط بطرف أصابعها على عجل .. تقذفه على الأرض بخفة .. وتمسح البقية بكم ( الكرتة ) المتيبس لكثرة ما تراكم فوقه من الأوساخ .. العجوز لا تبدي اكتراثا .. تمد يدها نحو علبة من الخوص معلقة في إحدى قوائم السرير .. تزيح غطاء العلبة فتفوح رائحة بخور ولبان .. تجول بأصابعها في قاع العلبة .. تنتشل موسا صدئة توارى سطحها اللامع خلف خرائط صغيرة من السواد وبقع الدم ..تمرر أصابعها بحذر على طرف الموس .. تنهض بتثاقل إلى حيث الجرة الفخارية عند مدخل البيت .. تمسك بعنق الجرة وتميلها بهدوء .. تقطر منها بضع قطرات على سطح الموس .. تعيد الجرة واقفة ..تنفض الموس جانبا لتتناثر عنه قطرات الماء.. وتمسح البقية بإبهامها .. تعود إلى مكانها على السرير عند أقدام الرضيعة .. تومئ للأم أن تجلس .. الأم تتهاوى جالسة وأحداقها غائرة النظرات في كفي العجوز وهي تعالج الإزار الصغير للرضيعة لتحله وتلقي بمصراعيه جانبا .. تفهم الأم مغزى النظرة السريعة التي رمقتها بها العجوز بعد أن حلت الإزار .. يدا الأم ترتعش وهي تمتد نحو الرضيعة لتمسك بفخذيها الغضتين وتباعدهما .. الرضيعة تدير رأسها نحو أمها وتغضن جبينها ببراءة ولسانها يتدلى خارج فمها البالغ الصغر .. الأم تتحاشى النظر إلى الصغيرة وتشمخ بوجهها نحو السقف .. وزغ مكتنز يتعلق بالسقف ويتحرك ببطء وحذر .. دموع الأم تعاود الهطول .. تنساب فوق خدها إلى ذقنها وتسقط فوق جبين الرضيعة .. ترتعش الرضيعة وتغمض عينيها بذعر .. العجوز تمرر أصابعها مرارا على حواف اللحم اللدن بين الأقدام الغضة .. وقبل أن ترفع الموس تهتف بالأم : أمسكي جيدا .. الوزغ يبلغ الركن البعيد ويبتلع حشرة صغيرة وتجحظ عيناه .. أنامل الرضيعة تعابث أصابع الأم وتحفر فيهما بلطف .. تهمس العجوز بشيء كالبسملة ..تكز الأم فوق أسنانها بقوة.. الطرف الحاد للموس الصدئة يغور في منابت اللحم .. بقع الأصابع الهرمة للعجوز تختفي خلف دم قان متدفق .. قطعة صغيرة من لحم ينز دما ساخنا تسقط أسفل السرير .. الوزغ يغور في شق بعيد ويختفي .. الجسد الصغير يهتز .. يهتز .. يقاوم بقوة ذبيح يذب الموت بما تبقى من قواه الواهنة .. جدران البيت الطيني ترجع صراخا حادا له نبرة الألم والفجيعة .. ذراعا الأم تتخشب .. وتتصلب عروق رقبتها ورأسها مصلوب نحو السقف بينما فخذا الرضيعة ينطويان بقسوة بين أصابعها .. ومن قدح خشبي متآكل ممتلئ بماء الجرة كانت العجوز تغسل جسد الرضيعة .. والماء يمتزج بنزيف الدم ويتسرب عبر حبال السرير نحو الأرض .. بعض من القطرات الباردة تتسرب عبر شقوق الجسد .. برودتها تسكن شرايين الروح .. كل شيء تخفت حرارته .. يبرد .. يبرد .. ترفع العجوز أكف الأم .. تقارب رجلي الرضيعة فيحتد النحيب .. تلف الإزار الصغير على الجسد مجددا .. تحمل الرضيعة .. تناولها أمها قائلة :
لا تقلقي.. ستكون بخير .. ستكون بخير !.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى