يوسف المحيميد - أسباب عديدة لسفر وحيد

يوسف.jpg

الحشرة
كانوا أربعة، وقفوا بجوار فراشي، أيقظوني بغير أسمي، فقفزت مذعورا، لم أتعرف على أي منهم، سوى الذي وقف قبالتي، إذ ابتسم لحظة أن وقعت عيناي على ملامحه، كان يشبه أبي كثيرا، لكن لحيته أكثر كثافة وبياضا، قال فيما يشبه الهمس: هيا. كانت عيناه

تشيران نحوي، والنحو الدفتر ذي الورقات العشرين، وما أن لمح النوم المباغت يدلي برأسي فوق صدري، حتى أعطى الرجال معه أشارة، حملوني بعدها، ومشوا بي عبر الممر المؤدي إلى الباب الخارجي، وقد أوشكوا أن يتعثروا بجسد أمي النائمة، وجدتهم يضعونني داخل صندوق سيارة نقل حمراء، مغطى بشراع أخضر. غادر الثلاثة بعدها الفتحة الخلفية، بينما شبيه أبي يثب بقدم واحدة، معتمدا على يديه، شادا طرف حبل يجعل شراع الفتحة الخلفية مشرعا على آخره، وما أن سحبه حتى أنفرد الشراع المطوي تماما، حاجبا عن بصري بياض فجر جديد، وأخير في الوقت نفسه، إلا أن ضوءا لمحه يتخلل حلقات نحاسية صغيرة، يدخل عبر إحداها الحبل من يده الخارجية، ويده الأخرى داخل الصندوق عندي، تشد الحبل، وتدخله في حلقة أخرى، وهكذا، حتى أوثق الحبل جيدا، ليخبط جانب السيارة، التي هدر محركها فورا، وظل لثوان، حاولت خلالها أن أرى ما يحدث خارجا، إلا أن السيارة تحركت ببطء، لحظت أن وجدت حلقة نحاسية فارغة، اقتربت منها ورأيت الدنيا، وصباح الحي يستيقظ بطيئا، وشبيه أبي يمسد لحيته الكثة وينفض ثيابه وسط الشارع، كان ينفضها جيدا، وكأن شيئا عالقا بها، وأكد لي ذلك الإحساس، أنه حالما فرغ من تفض ثيابه، فرك بحذائه وسط الشارع، بل انه بدأ يركل بحذائه الشارع بقوة، كمن يقتل جرثومة أو حشرة صغيرة. كنت أراقب شوارع الحي، والمدرسة، وفرّاشها إذ يخرج كرسيه عند بابها، والبيوت التي أعرفها واحدا واحداً، والعيون التي أنكرتني، ووجه أمي كبيرا يغطي الحي، ودمعتها. تراجعت إلى أقصى صندوق السيارة بعد أن اختفت ملامح الحي تماما، تكومت في الزاوية. ظللت أهجس كثيرا، واقرض أظافري، بينما البرد يخل عظامي، صرت أتذكر الأغنية التي تغنيها أمي، حين نكون وحيدين. بدأت أغني بصوت خفيض. ما لبث أن بدا يرتفع صوتي تدريجيا، ويختلط بهدير المحرك القوي. كانت الدنيا صوتي وصوت المحرك الهادر، ولو مضى وقت قصير، صار صوتي صافيا، إذ ابتدأت قطرات مطر تدق الشراع الأخضر بهدوء، وصاحبها، فيما بعد، ريح شديدة، جعلت الشراع يصطفق في انحناءات قضبان الحديد على جانبي الصندوق وأعلاه، فصارت الدنيا أربعة، صوتي، والمحرك والريح والمطر، مما جعل صوتي يتصاعد عالياً، طرباً بأغنية السفر الطويل، حتى أخذتني إغفاءة قصيرة، استيقظت بعدها مذعوراً حد الجنون، إذ كان الصمت يخرق المكان تماماً، فما أن حركت قدمي، حتى ظهر صوت ارتطام قدمي بقاع الصندوق جليا، إذ كان المطر قد توقف، وسكنت الريح، بل إن المحرك كان خامداً أيضاً. حدقت من خلال الحلقة النحاسية، كان شارعاً لا أرى غير أوله، فالليل حلكته شديدة. تحركت نحو مقدمة الصندوق، محاولاً إزاحة شراع يغطي زجاجاً فاصلاً بيني ومقصورة القيادة. قرضت الرباط بأسناني، حتى انتزعته، فإذا المقصورة خالية من الرجال الثلاثة، وما أمام السيارة سوى ظلمة موحشة، ليس هناك أي شارع، كأن الشارع انتهى بغتة، لحظتها، بدأ صوتي واهناً يغني.

الريش

توسط السوق وتلفت طويلا، باحثا عن الباعة الآخرين وليس هناك سوى واجهات المحلات الزجاجية الأنيقة، ودهشة وجهه، وغيمات سود كثيفة تلوح في الأفق البعيد، همس لنفسه بأنه يحب الغيم والمطر، وأمه، لكنه يهمس بأنه يحب جارتهم أيضا. توارى الشاب النحيل، وعاد بأقفاص حمائمه البيض، ونواحها المتواصل يمزق هدأة الصباح، مما جعل البائع ذا الشارب الكث يهمهم: يا لله صباح خير. بينما يتثاءب بشدة، أما النحيل فكان منهمكا في تنظيف أوعية الماء البلاستيكية، وامرأة بعباءة سوداء ترف، في الذاكرة ملامحها كفراشة مرتبكة، وهي تطير ببضاعتها الخفيفة، والرجلان بعصيهما يطاردانها ركضا على الأرصفة، وفي ازدحام الممرات الضيقة سقطت، فاشتعل جلدها الأسمر، ولم يبق في مكانها سوى نعلين أصفرين، وعباءة مدعوكة، ونثار ريالات قليلة مبتلة بعرق الكف المحنّاة، كان يتذكر ذلك كل صباح، ويتذكر أيضا أنه رآها، المرأة نفسها، ذات ليال، تنتشر فوق أرصفة كثيرة، بكفها المحنّاة مفرودة من أخرها، تحفها أثواب المارة، وهم لا يعبأون وإذ ظل يهجس شاب نحيل، وأصفر، يجلس قرب أقفاص حمائمه، منتظرا من توقفه التفاتات الحمائم، كان يهمس لنفسه، بأنه سوف يفاجأ بهما يقفان على رأسه، لن يشعر بهما، لكنه سيلمح ظل عصيهما، فيقفز قفزة واحدة، تودعه طرف السوق، سيلتفت قبل أن يلتهمه الشارع الضيق، ليشاهد سيارة نقل تغادر، بينما نواح حمائم بيضاء يخف رويدا رويداً، وغبار يشتد في مواقف السوق، سيمشي خافضا رأسه، سيمر بجوار مطعم، وفي المطعم سيلمح رجلاً يتراءى له بأن شفتيه بعض ريش أبيض، سيبكي.

القارب

ساحة المدرسة مبتلة بالمطر، كما الصباحات الفائتة، حيث تنشر برك مطر صغيرة وسط الساحة، بينما ولد بعينين ساهرتين يجلس أعلى الدرج المطل على الساحة، خائفاً، إذ يرقب التلاميذ يديرون له ظهورهم، باتجاه صفوفهم الدراسية، كعادتهم حين يلمحونه يهم بإخراج ورقة بيضاء، كان قد طواها من قبل بعناية، هاهو يفردها الآن، وتتنقل عيناه الساهرتان بين نمنمة مضطربة، ثم يطويها بيدين مرتجفتين مرة أخرى، إلى جيب الصدر، مولياً ظهره للساحة، دالفاً إلى صفه الدراسي.
ذات ظهيرة يعقبها في العادة إجازة الأزهار والربيع، تناثر التلاميذ من خلال الممرات، والساحة، إلى الشوارع الفسيحة، والتي أفضت بهم إلى شوارع الحارات الضيقة، فأبواب المنازل الوطيئة، بينما بقي الولد ذو العينين الساهرتين في الساحة، فارداً ورقة بيضاء، لم يكن مضطربا، ولم ترتعش يداه، ولم تفتش عيناه الساهرتان عن التلاميذ في الساحة، كل ما فعله، أن بدا يثني أطراف الورقة، كي يصنع قاربا مقتربا به من بركة مطر.

أسئلة بأجنحة خفيفة

انكفاء

تنفلت مني وهي تمشي أماماً.
فأركض خلفها وقد أوحشني رفيف عباءتها السوداء، حتى أقبض عليه، بينما تجر يدي الأخرى حقيبتي الجلدية الثقيلة، وعيناي المضخمتان بالنعاس تصبان سوادهما على السور العالي، المضفور بامتداد شارع الوزير: "الميت يضحك". أسأل.
تدفعني بكفها الضخمة بعنف، وأكاد أنكفئ قبل أن أتماسك، وأواصل سيري معها.
* *
كنت أراه كثيرا.
يخرج بخطى مكدودة، من غرفته الواطئة، إذ يحني رأسه المضمد بغترة حمراء لا تفارقه أبدا، وهو يهم بالصعود إلى الشارع الترابي، حاملا صينية تلتمع في الظهيرة، وتنكفئ فوقها فناجين تبرق ظهورها بنقوش ذهبية لم تخفها همهمات الأصابع إذ تلتف عليها، ثم يلتفت نحوي بسواد جبينه، دون أن يطلق تطبيقه اليومي، فأركض نحوه ملتقطا منشفة صوفية مقلمة سقطت من على كتفه، وأنفضها من ترابها العالق، ويكل مشيه بعد أن أثبتها حين يثني ركبتيه كي أستطيع أن أناوش كتفه العالي.
ويحدث أن يناولني سواد وجهه المكدود، دون أن يتوقف، لأجدني أتبعه، بأن أدلف الباب من ضلفته المفتوحة، وأصعد سلم الدرج الطويل، وحالما نستوي تحفنا، بغتة، ضحكات عالية تشيعنا لحظة أن نمعن في عمق المجلس، فيزداد ارتباكي، ويزداد تقطيبه، وأتنقل بعيني الوجلتين بين وجوههم الضاحكة بشدة، إذ تتراخى ظهورهم على مساند خضراء، ويغرزون مرافقهم القاسية في صدور الحمائم البيضاء المنسوجة في صوف المتاكيء الخضراء، فتتكالب رعشات يدي الصغيرتين، وأنا أفرش المنشفة الصوفية المقلمة فوق التماع ظهور الفناجين، التي تضيء نقوشها الذهبية قبل أن تستكين في ظلمتها.
وبينما أهبط سلم الدرج مسرعا نحو الأسفل، أسمع أصواتهم تطيّر النكات صوبه، وهي تسأل:"أنت رجل؟ " ثم تتلاحق الضحكات صاخبة، وكأنني ألمحه- بينما أهبط الدرج – بوجهه المشدود، واشتباك حاجبيه الكثيفين.

رغم أنني كنت أدفع بيدي أجسادهم الضخمة، إلا أنني لم أفلح أبدا في أن ألمح ما إذا كانت ثمة ابتسامة صغيرة ترسم غمازتيه السوداوين للمرة الأولى، وجسده الباذخ مسجي بامتداد صندوق سيارة النقل المحشورة في عرض الشارع الترابي.
ظللت، لسنين عديدة، أسحب حقيبتي الجلدية الثقيلة، وأنا وحدي أحاذي سور المقبرة العالي الذي يحف شارع الوزير، وأسأل روحي:
"الميت يضحك؟ ".
ودون أن تدفعني كف ضخمة، أجدني، بغتة، أنكفي، لوحدي.

اغتسال

ببساطه المقلم الأصفر وبالأحمر، وبحافظات الشاي والقهوة، وبالمسبحة السوداء يتنفس صاحبه أمام باب منزله الحجري الضخم، ومع انفلات أول خيط لرائحة الهيل من فم الحافظة تصطف نعالهم الضخمة على حواف البساط المقلم، ويلتفون حوله، يثرثرون بلغة لا أفهم سوى بعضها، إذ أتكوم بجسدي الضئيل فوق عتبة باب منزلنا، وأنا أشيّع قامة أبي بمشيتها المتباطئة، إذ أتتحسس خطاها بصعوبة جعلتني أتذكر دهشتي ذاك المساء الصيفي البعيد، وقد تقاطرتُ، متقافزا، من أول الزقاق، كعادتي كلما لمحت انعطافته مقبلا، وللمرة الأولى، أشعر بجسده صلباً حين عانقته فيما يشبه الارتطام، نعم فقد ارتطمت به، ولم يتقوس كنهر فضيّ وهو يلمّني بضفتيه الخضراوين، ولم أتقلب في حضنه مثل موجة، لكنني غرست أذني لحظتها في ساحة صدره، وهالني الوجيف العالي، وارتباك يديه، وانفلات حاجبيه المكسورين للأسفل، لكنه لم ينهرني لحظة ذاك رغم أنني بقيت أسأل روحي وقد أنزلني، ومشيت بجواره: هل لم يعد يراني؟ ومنذ ذاك المساء الصيفي البعيد، صار أبي يتحسس خطاه ببطء، ويفز جسده لأي شيء يفجأه في الطريق، رغم نظارتيه السميكتين جدا.
هكذا ظل أبي، حتى إذا ما ضبطته أمي، وهو يحسب قدميه دون أن يرفعهما، وبتحسس بيده الجدران والأشياء من حوله، كان يقول: "شوفي مثل الصقر".
لو تبتاع يا أبي بساطا مقلما بالأصفر والأحمر، وتفرشه قدّام بابنا، وتلوح بمسبحة سوداء بين أصابعك، ثم تجعل فم الحافظة يبوح برائحة الهيل لسماء الحارة، حتى يمتلئ بساطك الملون بمسبحات الرجال وضجتهم، آه يا أبي لو تني فوق بابنا مظلة كبيرة، كي يجتمع تحت ظلها بعد ظهيرات الجمع الطلاب ببزاتهم الزيتية وهم ينتظرون الحافلة التي تنقلهم إلى المدرسة العسكرية، هل كانوا يقفون عند بابه كي يستظلوا؟ أم تراهم يحبونه دوننا؟ لكن لماذا؟ كنت أسأل دائما، وأنا ألكم ركبتي الصغيرتين فوق عتبة الباب: لو تركت دكانك المحشورة في قاع (الديرة)، ولم تعد تلبس النظارة السميكة لتغرزها فوق الساعات المنطفئة، وتوقفت ساعات الناس كلهم، هل سيجهلون الوقت بعد ذلك؟ ثم لن يستطيعوا الذهاب إلى أعمالهم في الصباح؟ أم أننا سنبقى في ليل طويل، لا يجيء بعده صباح؟ حتى لا يعرف (هو) كيف يفرد بساطه المقلم أمام باب منزله الحجري، ولن تصطف، بعد ذلك، حول بساطه نعال ضخمة.
في مساء كهذا، يغرق فيه شارعنا في الظلمة، والضوء لم يزل يلون البنايات العالية، قررت أن أشعل شارعنا بالتماع عيني الساهرتين، حتى يتهادى بجسده، تقوده نظارتان سميكتان، وينزعهما حالما تلوح أمي بمنشفة الصوف البليلة بماء ساخن، لتفردها فوق عينيه، إذ يردد في الأيام الأخيرة: "أحس بحرارة بجفوني".
طويت جسدي الصغير، ودسسته، فرفع جناحه الأبيض، وخبأني، حتى شممت طراوة العرق الرطب، فأضأت هدأة البيت: "أنت ما ترجع إلا في الليل، وهو يقعد على بساطه طول النهار".
قال لي دون أن يكترث: "هذي قسمة الله".
"طيب، لماذا؟".
للمرة الأولى أشاهد ارتباك ملامحه بشدة، وسطوة عينيه الناتئة وقد تخلصت من سماكة النظارة الراقدة فوقها، وبيده الضخمة الساخنة دفعني:
"قم، اغسل لسانك عشر مرات".
قمت وغسلت لساني عشر مرات، لكنني عدت أسأل ثانية: لماذا يا أبي؟ وبقيت أطير الأسئلة كفقاعات صابون، لا تلبث أن تتوقف في فضائها، ملتمعة، ثم تهبط ببطء، حتى تنفجر لحظة أن تصطدم بالأشياء. واستمررت، لسنوات طويلة، أغسل لساني عشرات المرات، وأسأل كثيرا، حتى لفظتني قاعات المدارس إلى ممراتها، ووجدتني، بغتة، خارج الأسوار العالية، لكنني بقيت وحدي أفض الطرقات، وأسأل.

ارتباك

بابهم كان قصيراً، أسود، بضلفتين مربعتين، في منتصفه يغوينا ثقب دائري صغير، نتناوبه، بأن نغرس أعيننا في عمقه، ونرى ساحة بيتهم المشجرة، ومسبحهم تلتمع فيه زرقة مائهم، ونسأل أبدا، لماذا أزرق هكذا؟.
في هدأة شارعنا الترابي، حين همزت مزلاج بابنا، توانى أنين الأكره العالي، حتى لمحت وريقات أشجار الكينا تضطرب في الضحى، وأغصانها المتشابكة تقذف بلحائها البني اليابس، أيضا كانت شجرة التوت المستندة بجذعها الضخم على جدار البيت، تطرز شارعنا بتوتاتها الحمراء البهية. ولما صرت في الشارع شاهدت العصافير الرمادية تتخاطف في سماء الحارة إذ تطيرها أشجار منزلنا المرتبكة.
شبك أصابعه في يدي، فارتعشت شوارع (عليشة) النائمة، وهي تلم أطرافها، لكننا ندوس عليها بأقدامنا الصغيرة، حتى تذعن. بينما لم تزل تلوب العصافير رمادية فوق رأسينا، حاملة أعواد القش، باحثة دونما كلل عن مكان العش المناسب فوق ياقتنا المتراخية بكسل حول أعناقنا المتوجة ببياض عرق مضيء.
ناولنا ظهورنا المعروقة مدرستنا الكبيرة، بفراشها، الذي يمطر سيارته المتهالكة بحبات الماء الضخمة، حيث تنفلت من أنبوب الماء في خيط سميك، لا تلبث أن تتقافز القطرات، فضية، في الفضاء، وتلتمع وهي تهدر نهرا فضيا ناعما، إذ تشد الشارع الترابي من رأسه كي يمشي معها في تواطؤ لذيذ.
بعد أن تركنا منازلنا المتعانقة في قاع (عليشة)، وصعدنا الشارع المنتشرة فوق أسفلته شمس باردة، توقفنا عند بابهم الأسود، بضلفتيه المربعتين، ثم أشار بعد أن نزع عينه من ثقب الباب، أن الباب قصير، وافقته، فشبك أصابعه ببعضها، وغرست قدمي في اتساعها، ثم وثبت، وكنت في أعلى الباب، لأناوله كفي، وأشده عاليا، وفي لحظة خاطفة صرنا في هدأة ساحة البيت، وأستلمنا خطانا الحذرة إلى حافة الماء الأزرق، فشاهدنا رجفة ثيابنا البيض على سطح الماء، غمست أصبعي الراعشة في وجه الماء، فارتبك، ورفعت أصبعي وأنا أحدق فيه: "ما صار أزرق"، هز رأسه موافقا، وقد غرف بكفه الصغيرة، ونثر الماء على حافة المسبح، فلم يتلون البلاط أيضا، لحظتها سمعنا اشتعال حذاء وهو يخدش الأرض، فرفعت رأسي صوب الشرفة، وكانت بشعر ذهبي كسنابل راعشة، وعينين بزرقة ماء القاع، انفرطت من شفتيها ابتسامة صباحية هائلة، جعلتني أنظر فورا إلى سطح لا ماء، لكنه لم يتحرك أبدا، ثم غابت من الشرفة لثوان، وحين عادت ثانية أرخت ابتسامة أخرى جعلت وجه الماء يرتجف بشدة، فلمحنا معا شرائح بسكويت بأغلفة بلاستيكية شفافة، وهي تتأرجح وادعة على الماء، التفت نحوي، حيث طالعته، واتجهت نظراتنا تائهة نحو القوارب اللامعة وهي تتهادى بأغراء موجع فوق مويجات الماء المتكسرة. هبّ واقفا، فتح أزرار ثوبه، وكاد أن يخلعه، لدرجة أن تتناثر أعشاش العصافير الرمادية من ياقته المتراخية بكسل، فأوقفته، ورحت ألم ياقته إلى عنقه، وأشعر بروحه توشك تفر عاليا كأنما تتطاير من بين يدي. أشرت إليه بأن يعيد أزراره إلى عراها، وطالعتني من شرفتها وهي لا تكف عن الابتسام، فوجدتني، أشد ثوبي للأعلى، ليرتبك وجه الماء الأزرق كما لم يرتبك من قبل، وهو يحاول أن يشيح بوجهه لحظة أن خالطه السائل الساخن، المتدافع.

يوسف

داخل الإطار تفيض صورته بالأبيض والأسود، وكأنه يطل من نافذة غرفته المحجوبة بوريقات الكينا الكثيفة، لم تتغير ملامح وجهه، العينان الغائرتان السوداوان، حاجباه المفرودان كجناح نسر يوشك أن يحط فوق وكره، واستقامة أنفه، فقط ظهر له شارب شذبه بعناية، وفي ملامحه هدأة هائلة، كما عرفته، وديعا وعنيفا كالماء.
أشجار الكينا الضخمة تنمو في صدر البيت، وهو ينمو فوق عتبة الباب الصغيرة، كما الأشجار كان، لا يتعارك مع صغار الحارة، لكنه يصدر هسيسا خافتا إذا ما كدره أحدهم، هل كان ذاك الهسيس، كما الوريقات تهزها الريح، وهو آخر شكواه؟
لحظة أن كان الصغار يرشقون بالحجارة والنبال عصافير الكينا، وهي تربك الضحك بالضجة، كانت تتوقف، بغتة، عن ضجيجها، فتتوقف معها ضجة صدره الصغير، حيث تشخص عيناه، إلى أن تنقط العصافير الرمادية بالزقزقات بلاط البيت، فيرف.
بعد أن أغمضت عيني قليلا عن صورته المكسورة في صدر الصفحة، انفتحت نوافذ عديدة، أسلمتني إلى شوارع متسعة، وموحشة، في أعماق (عليشة) القديمة، حيث يتقافز كأرنب بري متوحش، وهو يصرخ في أوراق الجرائد إذ يلوب بها الهواء، يلمها بيديه الصغيرتين نحو صدره. ويطلق أنينا عاليا يشبه أنين حيوان مكبل، كلما باغتته ورقة بأن صفعها الهواء المشاغب، فتهادت قليلا إلى الأمام. كنت معه، أساعده بأن أقبض على كل الأوراق التي يعيث بها الهواء، بأن يتآمر عليها، ويأخذها نحو السماء.
صغيرا كان، عندما قالوا له إن الهواء أخذ أمه إلى الأعلى، لحظة أن بدأ يسأل عنها في النهار، ويبكيها في مساءات الشتاء الطويلة.
بعد أن شرح مدرس العلوم مكونات الطبيعة، طلب من أحد تلاميذ الصف الأمامي بأن يعدّها، فذكر له: الماء، والهواء، والتراب، لكنه نسى: النار. وقال التلميذ أنه يكره النار، لأن مدرس الدين يقول ذلك: وتنقل المدرس بين التلاميذ، وكلهم يعلنون بثقة أنهم يكرهون النار. وقد أشار إلي في الصف الأخير، قلت: أنا لا أكره الهواء، لكنه لم يسألني: لماذا، ولم أقل أنا أيضا، بأنه رفع ملمح أمه الأليفة، ويديها التين تدعكان ظهره بالماء، وتضمانه نحو مساحة صدرها ليلا، حتى بات الليالي التي تلت، يضمه نشيجه الخافت، وتهدهده صرصرة الحشرات الملتصقة بأغصان الكينا الضخمة.
فردت الجريدة من منتصفها، وجهه ما تغير، بعينيه الغائرتين قليلا، وحاجبيه المفردين كجناحي نسر توقفا عن الخفق، وقد هم بالهبوط، إلى أين سيهبط؟ ولما لم أجد إجابة سريعة، قلت لنفسي سوف أقرأ قصته الجديدة:
"عندما استيقظت هذا الصباح، ولم أنهض فزعا، كعادتي، بل تنبهت ببطء، وشعرت أنني مكدود تماما، وتعب، فتحسست عيني، ووجدتهما مبتلين...".
أقفلت الجريدة ثانية، وضمدت أذني بوسادة قطنية ثقيلة، كي لا أسمع شيئا، لكنني، سمعته ـ رغما عني ـ وهو يكمل قصته بالبحة في صوته المتقطع، وخشخشة صدره الواسع.
وحينما رفعت الوسادة القطنية الثقيلة عن أذني، كانت أصابعي مبتلة وقد تحسست بها وجهي.

هذا النص

ملف
يوسف المحيميد
المشاهدات
480
آخر تحديث

نصوص في : قصة قصيرة

أعلى