علي السباعي - ورود الغابة.. قصة قصيرة

في صبيحة يومها السابع، حياتهما تنساب كالينبوع المتدفق من بين الصخور، لمس شعر زوجته، أبصرته بعينين سوداوين سعيدتين، قائلة بلهجة جذلى:

ـ ضمني إليك! ضمني.

تفتت الصخور المحيطة بالينبوع، وتدفقت مويجاته كنغمات بيانو يطلقها تشايكوفسكي، ابتدرها متهللاً بقوله:

ـ لقد حلمت بك ليلة أمس.

بدا وجهها القمري سعيداً بخالها الأسود الذي صنع له عرشاً جميلاً على صفحة خدها الأيسر، تألقت ابتسامة عذبة راحت تداعب الشفتين الناريتين، أسندت رأسها على كف يدها اليسرى: قالت بمرح:

ـ اروه لي؟

شعت عيناه بلهيب الحب، فقال:

ـ أتيتيني كشلال دافئ، بملابس بيضاء، بيدك رغيف خبز أسمر، أعطيتيني إياه، قلت بعدما ابتسمت بدلال:

((لم أرتو منك بعد)).

من الخارج أتاهم صوت أمه المبحوح، قائلة:

ـ صباح الخير يا عرسان! هيا... استيقظا لتذهبا إلى النهر... إنه يومكما السابع.

أطرقت زغرودتها بفرح، راح يجوب المنزل كأنه أمير يبحث عن محبوبته لينبئها بخبر سار.

*******

سارا متهاديين على طين الشاطئ كان النخيل زاهياً شامخاً، أقدامها تترك آثارها فوق الطين كأنها، خرائط لمدن بدائية يسكنها المحبون فقط، الحمائم المطوقة تهدل بسعادة، بدا النهر بلون الفضة ساطعاً ساكناً، قالت له:

ـ إنك حلمي الذي طالما حلمت به.

ابتسم بوجهها، أمسك عن الكلام، تابعت وفي عينيها التماعة غريبة:

ـ عشت بذاكرتي أملاً، فكنت حياتي التي أعيشها معك حتى النهاية.

انفرج فمه عن ابتسامة مرحة، انحنت وبيدها إبريقها النحاسي على الماء، انحسر ثوبها عن فخذيها الأبيضين الممتلئين بعدما شمّرت عباءتها خلف ظهرها غطّست الإبريق بالماء عنوة، تصاعدت بقبقة دخول المياه إلى فوهة الإبريق، ضحكا بصوت جذل، فقال لها:

ـ أحبك.

رنت ضحكتها من جديد، سقطت العباءة عن رأسها، فتمايلت ضفيرتها السوداء الطويلة، تعانق لذلك سعف النخيل بلهفة مرسلاً صوتاً ناعماً يقول: ((باركهما يا الله!))

بغتة صمتت كل الأصوات، كف سعف النخيل عن العناق، خرق السكون صوت زئير رهيب، تنبه أومن مخطوف اللون، هتف بهما شخص من الخلف:

ـ ماذا تصنعان هنا في أملاكي يا تعساء؟.

تلعثم زوجها على إثر رؤية ((شاب)) برفقته مجموعة من الحراس، ونمر بعينين وحشيتين، سأله بصوت مخنوق:

ـ ماذا تريد؟

نظر إليهما صاحب النمر بصمت، ثم تساءل بوقاحة:

ـ أريد زوجتك؟!

فزعت كل الحمائم، انحسر النهر الفضي هارباً كحيوان قارض إلى جحره في الضفاف المتآكلة، دوت كلمته كرصاصة أطلقها وغد في مسجد يعج بالمصلين، انكمشت راقية، بهت لونها، شمس وجهها انطفأت، تمسك يداه بالإبريق، انتفض قائلاً بغضب:

ـ اصمت يا وغد وكفاك إثماً.

هجم عليه الحراس وقيدوه، راح النمر يطلق زئيراً حاداً متواصلاً، ابتسم صاحب النمر، وقال بثقة:

ـ زوجتك لي..

عض بأسنانه على شفته السفلى، اشتعلت عيناه اللوزيتان بنار الغيظ، تلاحقت أنفاسه مسرعة، خرج صوته متحشرجاً:

ـ ماذا يا آثم؟

أجابه بصلف:

ـ زوجتك ستكون خليلتي. أتسمع!

زعق بوجهه:

ـ تباً لك... اتركوني... اتركوني...

صفعه أحد الحراس، وقال له:

ـ تكلم بأدب يا كلب. إنه الأمير.

فزعت الحمائم المطوقة، وراحت تحرك أجنحتها الرصاصية بعنف، تكسرت آنية الفضة، تحرر الماء من أسره، هرب الهواء من رئتيه، تلاشى صوته، خارت عزيمته، وعيناه تستغيثان.

قذفت زوجته الأمير بالإبريق النحاسي، تحاشاه الأمير، سقط الإبريق على عقبه على بعد أمتار عنه، تقافزت منه لآلئ الماء بقوة إلى الأعلى تعلن عن احتجاجها، هرع حارسان لإمساكها، قاومتهما بجنون، طار سرب الحمام المطوق فوق الضفة، هدلت بأصوات جنائزية نائمة: ((يا الله... يا الله...)).

زأر نمر الأمير، الشمس ساطعة تحبو على سجادة السماء الزرقاء كطفل تعلم الحبو، أمر الأمير حراسه قائلاً:

ـ أيها الحراس عرّوها!

انطلقت صرخة جبارة من فمها رددتها ضفتا النهر:

ـ أغثني يا زوجي!

شعر زوجها بالضلال، هتف ضارعاً:

ـ أغثنا يا الله... أغثنا!

تعثرت شمس النهار الحابية بوسادة من الغيوم، حطت فوق عرائش النخيل حمامات منهكات، سأل الأمير متضرعاً:

ـ دخيلك يا مولاي! إفعل بي ما تشاء، ودع زوجتي لحال سبيلها.

جلجلت ضحكة الأمير، فتمطى النمر متثائباً، قال الأمير آمراً حراسه:

ـ عرّوها!.

سقطت عروسه بين أياد آثمة، فاجرة، شرعت بالبكاء، قدماها راسختان بالطين، لونها شاحب، بينما أيديهم الآثمة تطالها، تعريها، تفضح أنوثتها، تسرق كنوزها، ظهر جسدها أبيض كالحليب بساقين ممتلئتين ونهدين نافرين بحلمتين ورديتين، تناثر شعرها الليلي الطويل ساتراً شلال أنوثتها، عيونها قطعة من ((كهرب)) مغطاة بالدموع، وخالها الأسود يبكي أيام ملكه التي قضاها خدراً فوق عرش خدها الناعم، شتمهم قائلاً:

ـ كلاب... أجلاف... سفـ...

عالجه أحدهم بضربة قوية بأخمص مسدسه، غامت الدنيا في عينيه المنتفختين بالدموع، سبح في دوامة من الدوار حتى أغمي عليه، تيجان النخيل غطت عيونها بسعفها الراجف، في غمار هذا العذاب أربد وجه عروسه، أشاحت برأسها بعيداً عن منظر زوجها المسجى، أمرهم الأمير بغلظة:

ـ يا حراس اجلبوا قوارير العسل في الحال وصبوها عليها.

أسرع الحراس يفتحون قوارير العسل، بدأوا يصبونها فوق الجسد الملفوف، ارتعشت شفتاها الزرقاوان بشدة لتصدر من أعماقها المحترقة صرخة استغاثة:

ـ أغيثوني... أغيـ...ث...و...

أغرقتها دفقات العسل الذهبية، تدفق سيل العسل مغرقاً كل مروجها الصادحة بالأنوثة، فكان لها العسل ثوباً ذهبياً كشمس حزينة على ضفة مزروعة بالآس الأخضر.

إذ ليس في الدنيا أحد يمنع عنها الموت، أشار الأمير بيده ذات الأصابع الطويلة إلى نمره أن : نتسلى قليلاً! زأر النمر بهيجان، هجم على عروسه بجنون، راحت أنيابه الحادة تمزق الجسد المستحم بالعسل، انطلقت صرخة من أعماقها تلقفتها ضفاف النهر، شرع النهر يبكي بسورات حمر كالدم، قعقعت ضحكة الأمير مستهترة صاخبة، عيناه تبرقان بالشر لرؤيتها امتزاج الدم بثوب العسل، وعباءتها السوداء سحبتها مويجات مشيعات معزيات زوج الشهيدة.

هذا النص

ملف
علي السباعي
المشاهدات
21
آخر تحديث

نصوص في : قصة قصيرة

أعلى