أماني خليل - ترنيمة بحر.. قصة قصيرة

قبل اذان الفجر بدقائق الندي البارد يمنح الجو انتعاشا لذيذا , ينفض النعاس عن عيون البشر علي الكورنيش, الصيادين , وعمال الكافيتريات والافران وفواعلية البناء.انحني محمود واضعاً ذقنه علي ركبته ليربط حذائه., الذي نسيه من العَجلة ,وهو يقفز في سيارة الاجرة.احكم لف الكوفية الصوفية المهترئة لتمنحه بعض الدفء حول رقبته, في الطريق من سيدي بشر الي ميناء الدخيلة الهواء البارد المُحّمل بالندي يصارع السيارة ويقاوم تقدمها.اندس بين عجوز وامرأة بدينة وعلي فخذيها طفلة نائمة في الدفء راقب وجوه الركاب التي تنفض عنها ملامح النعاس بشدة. انطلق صوت القران الكريم من اذاعة السيارة “فبأي الاء ربكما تكذبان” .
تتلوي السيارة علي طريق الكورنيش كثعبان لزج قاطعة الشريط الساحلي منطقة تلو الاخري..
.يترجل من السيارة في “بحري” ينزل عند قلعة قايتباي, امامها محل لوزام الصيد ذهب ليشتري الطازج منها .جلب دودا طازجا ممزوجأً بدماء قانية , “الجمبري” النطّاط صغير الحجم . ينتهي من الشراء يعود الي القلعة ساندا ظهره علي الجدار الحجري الصامد منذ الالاف السنين , منتظرا بقية الرجال يتذكر وعده لامه بحتتين “دنيس” حلوين. يعبث بدبلته الفضية مدورا اياها مرات متتالية. يتخيل “مها” خطيبته ممدة في فراشها الدافئ , لابد انها لم تستيقظ حتي الان.
تبقت ثلاثة شهور قبل ان تكون زوجته وفي بيته . ينوي ان يعرج عليها عشاءا ليهديها بعض ما سيجلبه من الاسماك, بعد ان تاخذ أمه نصيبها أولاً. أمه تحب خطيبته وتقول رزقك يا محمود” بيضا ومبطرخة” يشعر بالفخر بحصوله علي الفتاة البيضاء ,وخصوصا كلما نظر اللي بشرته التي صبغتها الشمس صيفا اضافة الي لونها الاسمر اصلا بالوراثة من اصول جده النوبي
امام دكانة لوازم الصيد حيث تفوح رائحة ملوحة البحر ومكن الصيد والطعوم , مختلطة باليود والاخشاب العتيقة,يقابل الثلاثة رجال الاخرين, لم يكن “السنّي” متجهما كعادته لكنه كان يضحك بعصبية ملقيا نكاتًا سَمِجَة طوال الوقت,السنّي اعتاد تقطيب جبينه والدعاء في صمت, قليلا ما يتحدث عن ابنه الذي يعاني اعاقة خفيفة في يذهب مع رفاقه بعد انهاء ورديته كعامل سنترال ليجلب السمك لزوجته واطفاله السني يقول دوما انه يحبه صغيره المريض اكثر من باقي اخوته. وأن ذلك ليس حراما مستشهدا بتفضيل سيدنا يعقوب لابنه يوسف علي باقي اخوته. لكنه يرجوا الله ان لا يكون أبناؤه كأخوة يوسف..
يلقي السني مواعظَا طوال الوقت ويتبرع بتقديم الفتاوي وكأنه طبيب وكأنها مشورات طبية علي اصدقائه ,يوصيهم بالصبر والصلاة وحفظ الفرج وغض البصر, عمله في السنترال هو وقت مستقطع من هوايته الكبري كداعية ديني لم تعرفه الاضواء,
امام مدخل الميناء ييُرز الرجال تصاريح الصيد لرجال الامن للتاكد من هوياتهم خشية أن لا يعودوا ,او يتم استبدالهم بآخرين مطلوبين للامن, الرصيف ملئ بالخطرين من لصوص الميناء والحمّالين والميكانيكين .
يتذكر عم صابر صاحب اللانش ان الضباط” طاحوا فينا” لان لصا سرق كابلات كهربائية _مخصصة لاضاءة رصيف البترول_ ليبيع نحاسها ؛فأظلم الرصيف كله.
بينما الصبيان الصغار يكتفون بسرقة الخردة والنحاس لبيعها للتجار الكبار وان عمليات الاغارة علي الميناء كان يتم التغاضي عنهم سابقا حيث تركوا”ياكلوا عيش” .حتي تجرأوا ذات مرة علي الولوج الي قصر رأس التين في الالفين وتسعة بعدها انقلب الحال وصاروا عرضة لرصاص حرس الحدود المباشر..
. اما الصيادون فيواجهون الموت بأشكال اخري يتذكر محمود اخيه الذي دفعه لنش حرس الحدود اللي حاجز الامواج ليشج رأسه ويموت في الحال!.يتذكر محمود تلك القصة جيدا ولذلك يحس بضغينة دفينة تجاه ضباط حرس الحدود, بل كل اصحاب البدل الميري , بل انه يميل الي تجار المخدرات ويراهم رجال البحر الحقيقيين سواء كانوا الجلابون من البحر او التجار في الميناء ومنطقة الدخيلة بأسرها نكاية فيهم, وكلما رأي حاجز موج تذكر اخيه القتيل!
يكمل الرجال الي مكاتب تأجير اللانشات ويقاولون عم صابر علي قيادة اللانش وايجاره, ولدقائق تستمر المفاوضات بين انواع الحلفان المتعدد ان “علي الطلاق” و”الحرام من ديني”, و”شرفك “و”رحمة ابويا”.!
تنتهي المفاوضات ان يدفع كل منهم خمسة وثلاثون جنيها في النهار.
يدفع الرجال اللانش الرابض علي* الازل من ايام لاصلاحه وصيانته وتشحيم ماتوره يتلفحون بكوفياتهم الخشنة, ويختبئون من صفير الريح ,بملابسهم الجلدية المهترئة
في عمق المياه يهدرصوت اللانش مشققأ صمت السماء الصافية, يدخل الرجال مسيرة ساعتين غريا في اتجاه ساحل ” الضبعة” متجاوزين ساحل مارينا حتي العلمين حيث جزيرة صغيرة يعرفها الصيادون ,فيها منجم لسمك الدنيس الغالي الثمن مُمنين انفسهم بالكثير من الرزق للعيال.
يستأذن عم صابر للعودة الي الشط علي ان يعود بعد حلول المغرب بقليل . ينزل الرجال علي الجزيرة الصخرية المقفرة, معهم طعامهم وسناراتهم مختبئين في معاطفهم الجلدية الرخيصة, يهدر صوت اللانش مبتعدا ويبقي الرجال وحيدون تحت السماء.
يبدأابراهيم الذي يلعب خادم القوم وسيدهم في نفس الوقت في اخراج المكن من أجربته, ويشرع محمود في توزيع ساندوتشات الفلافل وصب الشاي الساخن علي الرجال الذين ينتظرون الزرق في قاع البحر,حسن الذي يعتمر كابا جلديا, ويتحرك بخفة مع الأخذ بالاعتبار بدانته المفرطة التي ورثها عن اسرته والتي ساهم فيها كونه سائقا لترام خط النصر يجلس علي مقعده لساعات طويلة محشورافي كابينته لا يكاد يستطيع الخروج منها. يرص صناديق الفِل وعياشات السمك علي الارض .
كان محمود يجد مبتغاه سابقا في شواطئ اقرب حيث كان الماء نظيفا تفوح منه ريحة اليود والملح , و قبل ان يلوثه الصرف الصحي او يعكره قطعان المصطافين فتهرب الاسماك الغالية اللي عمق البحر وتصبح عصية المنال.
تمر ساعات وساعات يتبادلون النكات والاحاديث حتي الصمت يتعاطونه بصبر ودأب,تمتلئ السلال بخير البحرفي النهاية , ينفذ مؤن الرجال الخمسة. ويحل المغرب ويزحف الليل علي وجه السماء!
يتصل السني بعم صابر لكن الاشارة ضعيفة هاتف السني يفشل في استعجال صاحب اللانش. يحاول محمود الاتصال لكن هاتفه بدون رصيد, حتي مرات الاقتراض من الشركة تجاوزها هي الاخري
الرجال الاخرون لا يحملون هواتف نقالة خشية أن تضيع او تسقط في المياه وهربا من ازعاج الزوجات و استعجالهن.
الليل يحل سريعا تصبح السماء قطعة سوداء خط الافق ينسكب في بطن البحر يعجز الرجال عن رؤية بعضهم
ابراهيم هو الجامعي الوحيد في الرجال الاربعة كان يرغب ان يكون ضابطا لكن مجموعه لم يسمح له الا ان يلتحق بالحقوق , يشعر بالضآلة في ذاته, لكنه يشعر بالزهو امام اصحابه كونه دخل الجامعة, واصبح طالبا بينما هم لم يكل احدهم تعليمه, لا يعرف زملاؤه انه صياد لكنها المهنة الوحيدة التي يعرفها لينفق منها علي تعليمه الجامعي.
ابراهيم_طب الحل يا رجالة صابر اتاخر علينا؟
السني_لو خدناها عوم تجيلها يوم بليلة بحالهم هانموتوا من البرد قبل ما نوصلوا!
محمود_ انت اهبل ياض نعوموا ازاي ونسيبوا السمك هنا..دين امك يا صابر الكلب راح في انهوا داهية! وشرفي امي لابظظ عينه ,واخليه ما يركبش غير شبشبه ابن الوسخة دا تاني!
ابراهيم_الضابط كمان ها ينُفخنا لان معادنا نرجع الليلة يمكن ما ينزلناش بحر تاني ولا ياخدنا اشتباه!
السني_انا جعان..انا عايز سلطانية شوربة دلوقتِ
من علي بعد خطوات جالسا علي حجر لزج مغطي بالعشب والحبال وآثار الصيادين الاخرين._ محمود ساخطا: امي ها تقلق دلوقت…
يصمت الرجال ولا حل غير الانتظار حتي الصباح او عودة عم صابر .
يشرد محمود مفكرا في خطيبته التي ستنتظر عودته ليتعشي معها ومع امها.يخجل من ذكرها مع بقية الرجال,و يكتم جزعه!
يسقط المطر علي هيئة زخات خفيفة ينام الرجال متكورين علي انفسهم مثل الاجنة .ماعدا ابراهيم الذي يشعل سيجارة خلف الاخري.
ليحصل علي بعض الدفء, يتذكر حكايات جدته حين كان يذهب للعوم علي شاطئ ابو قير.
_ما تنزلش المية يا ابراهيم بالليل لا جن البحر يلبسك.
_جن بحر ايه يا ستِي اللي يلبسني بس!
-الجن اللي بيلبس اللي بينزلوا بالليل البحور بيبقي عايم علي وش الميه وبالليل بيقعد يصفّر.
لم يري ابراهيم طوال مراهقته وشبابه ابدأً جِن البحر. وظل يبحث عنه حين يأخذ “بلاشنته” ويذهب في المرحلة الاعدادية اللي شاطئ ميامي او جليم ليشد الامواج.
اما اليوم فيظن في حلكة السماء ان الجن قريب جدا ويقشعر بدنه كلما سمع صفير الهواء معتقدأ انه صفير جن البحر.
مضت السنوات وفشل ابراهيم في الحصول علي ايه شهادة وترك التعليم وتفرغ للنجارة قليلا ثم تركها نهائيا لصالح البحر,, ابراهيم يعرف ان البحر غدار وكلما تقدم لفتاة رفضه اهلها, الاهالي يرغبون في موظف حكومي مهما كان فقيرا, لا يضيره ابدا تاخره في الزواج لكنه يتوق للحصول علي رخصة قيادة لشتري ميكروباس يعمل عليه حين يقل خير البحر. يصدق الان ان للبحر جنأً وهو يسمع صفير البحر في اذنيه ويخيل له كائنات بعيون واحدة مشعة تسير علي صفحة الماء.
مضت الساعات ثقيلة بدأ السنّي يسعل بشدة من البرد .وغرقت ملابس الرجال جميعا من المطر وتملكهم الجوع , واصبحت الهواتف النقالة مثل احجار الجزيرة, لا فائدة مرجوة منها
السمك راقد في صناديق الفِل فقد بعضا من بريقه , وسكنت حركته بعد ان توقف عن النفس تماما.
وبعد بزوغ الفجر,ساعات ثقيلة كانت قد مرت وظهر النور في السماء لم ينام منهم أحد مجرد اغفاءات متقطعة يمزقها الخوف ويقطعها البرد والقلق ,حتي شق سكون السماء صوتا للانش قادما عليه احمد ابن اخت صابر, ارسي احمد اللانش قائلا معلش يا رجالة مرات خالي تعيشوا انتوا .والراجل “اتوّل”من الصدمة. ونسيكم. قفز الرجال المرتعشون من البرد وصفير الهواء والملابس المبتلة حاملين الصندوق الفَل وبداخله سمك الدنيس الغالي دخلوا جميعا الميناء . طلب ابراهيم خطيبته من هاتف احد الحمالين بعد أن نفحه نصف جنيه ثمن المكالمه وقال لها:معلش مجتش عالعشا ممكن نفطروا سمك برضه..انا عاوز رز صيادية سخن لحد لما أجي,بمجرد سماع صوتها علي الطرف الآخر دبت الحرارة في اوصاله..
* الازل: الواح خشبية تشبه قضبن القطار يرفع عليها السفن الصغيرة واللانشات وقت النوة لصيانتها

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى