هيلاري مانتيل Hilary Mary Mantel - إجازة الشتاء.. قصة قصيرة - ت: فوزي محيدلي

حين بلغنا المكان الذي يقصدانه، لم يكن بمقدورهما تذكر اسميهما. طعن سائق التاكسي الهواء بالاعلان الذي يحمله بيده فيما راح الاثنان يحدقان في صف المنتظرين الى ان قال فيل مشيراً بيده: «هذا لنا» بدا وكأن حافات ناتئة تشكلت على حرف «تي» في اسم عائلتيهما، أما حرف «آي» فقد انجرف كما جزيرة. فركت وجنتها، التي اشبه ما تكون مخدرة من نفحة الهواء التي فوق مقعدها. في باقي جسدها شعرت بالتغضن والتبرغل. وفيما توجه فيل صوب الرجل ملو حاله، شدت قماش التي ـ شيرت عن اسفل ظهرها، ثم جرت قدميها لاحقة به، نرتدي للطقس ما نهوى وكأننا نود مقارعته، مع أننا نكون قد شاهدنا النشرة الجوية.
قبض السائق بيد كثيفة الشعر على عربة حقائب السفر الخاصة بهما. كان رجلاً قصيراً وثخيناً مع شاربين منتظمين، ويرتدي سترة مضلعة ذات سحاب مع بطانة مقلمة تلوح من تحت السترة. منظره هذا كأنه يقول، إنس اوهام اشعة الشمس. كانت الطائرة قد تأخرت وتاليا حل الظلام. فتح لهما السائق الباب الخلفي ومن ثم وضع حقائبهما في صندوق السيارة الخلفي. «المسافة طويلة»، كان كل ما قاله «نعم، لكن الأجرة مدفوعة مسبقاً» رد عليه فيل.
اسقط السائق جسده على مقعده مع صرير جلدي للمقعد. حين أغلق بابه بقوة إهتزت العربة بكاملها. كانت سنّادتا الرأس قد انتزعتا من مكانيهما، لذا حين مال بجسمه نحو الوراء رمى ذراعه على ظهر مقعده والمقعد الآخر وحدق فيها، غير متبين المدى الذي خلفها حوالي بوصة فقط بعيداً عن وجهها، في حين انشغلت هي بتفحص شعر منخاره عبر وميض نور مصباحي الفرامل. «إرجعي ظهرك الى الوراء، يا حبيبتي»، قال لها فيل» ثبتي حزام الأمان. ها نحن ننطلق».
يا لمقدار ما تناسبه صفة الأبوة يا للروعة، ثمة زهرة ربيع! لم يلحق بها اي أذى.
لكن فيل فكر بطريقة مغايرة. ولطالما فضل فيل بدلاً من الربيع وأزهاره ان يكون قادراً على أخذ إجازة شتوية خلال فصل الدراسة، حين تكون أسعار الاقامة في الفنادق منخفضة. لسنوات عدة حتى الآن دأب على تمرير الصحف لها، مطوية عند التقارير التي تخبرك ان الابناء يكلفون ملايين الجنيهات قبل ان يبلغوا الثامنة عشرة «حين تنظرين الى الأمر على هذا النحو»، كان يقول لها، «الأمر مرعب يعتقد الناس أنهم سيتدبرون الأمر مع تقبل ما هو مستعمل. يقبلون بأنصاف الحلول، لكن الأمر لا يستقيم على هذا النحو.
«لكن إبننا لن يبتلى بادمان المخدرات»، تقول له «لن ينزل الى هذا المستوى. علاماته قد لا تسمح له بالانضمام الى ايتون. يمكن ان ينحدر به الدرب صوب هيل سايد كومب. مع انني سمعت ان لديهم قملاً هناك».
«وأنت لا تودين التعامل مع ذلك الوضع، أليس كذلك؟» قالها مطرقاً برأسه.
تهادت السيارة عبر المدينة، الأرصفة مزدحمة، البارات الرخيصة تومض بيافطاتها، وقال فيل، كما كانت تتوقع، «أعتقد اننا اتخذنا القرار الصائب. للوصول الى حيث يقصدون تنتظرهم مسافة ساعة بالسيارة. اسرعت السيارة في الضواحي، ثم ما لبثت الدرب ان بدأت بالصعود. حين تأكدت بأن السائق لا يريد التحادث أراحت ظهرها الى الخلف في المقعد، ثمة نوعان من السائقين. النوع الأول، ثرثار يخبرك عن ابنة اخته في «داغينهام» والذي يود محادثتك وصولا حتى الساحل البعيد والمنتزه الوطني، أما الثاني فيتطلب مجرد اصدار صوت منه الاقدام على تعذيبه، وهو لن يخبرك اين تعيش إبنة أخته حتى لو تعرض للتعذيب.
أطلقت «ملاحظة او اثنتين من التي ينطق بها السياح: كيف كان الطقس؟ «ماطراً. الآن سأدخن»، أجاب السائق. دفع الى فمه سيجارة مباشرة من العلبة، وتفنن في إخراج ولاعة من جيبه نازعاً يديه بالكامل عن المقود. راح يقود بسرعة كبيرة، متعاملاً مع كل انعطافة في الدرب كإهانة شخصية، ومتأففاً من كل اضطرار للتوقف بسبب السيارات. كان بمقدورها الشعور بتراكم افكار فيل خلف اسنانه.
هذا لا يفيد علبة التروس أبدا، أليس كذلك؟ بداية، تجاوزتهم بضع سيارات زاحفة صوب أضواء المدينة، من ثم خفت زحمة السير وبعدها تلاشت مع تضيق الطريق، راحت التلال السوداء والصامتة تتساقط مبتعدة وراءهم. اخذ فيل يخبرها عن نبات وحيوان بعض المناطق العالية.
رأت ان تتخيل شذا الأعشاب المهروسة تحت الاقدام. كان زجاج النوافذ محكم الاغلاق درءاً لبرد الليل الساكن، تعمدت ابتعاد رأسها عن زوجها لتنفث أنفاسها بخاراً على الزجاج. الحيوانات كانت بأغلبيتها ماعزاً. كانت تتشقلب على جوانب التلال فيما الحجارة تتساقط وراءها وتقفز أمام درب السيارات، فيما أولاد يهرعون في اعقاب الماعز. كانت الماعز مبقعة وكل جزء بلون، وتغير مكانها على هواها، احيانا تلمع واحدة في عيونها بمكبر امام المصباح الأمامي. «نتعت» حزام الأمان الذي كان يحز حتى حنجرتها. من ثم اغلقت عينيها.
عند «هارت برو» غدا فيل مزعجاً في صف التفتيش. حين قام الشاب الذي يتقدمهم بالانحناء لربط شريط جزمته الخاصة بالتنزه على الاقدام، علق فيل بصوت مسموع: «هو يدرك ان عليه خلع حذائه قبلا، انه لم يقنع بحذاء بلا شريط كبقيتنا».
«يا فيل»، همست في أذنه. لأنه ثقيل يريد ارتداء جزمته هذه، كي لا تحسب عليه كجزء من الامتعة.
«أسمي هذا أنانية. هاك الصف يتراكم، هو يعلم ما الذي سيحدث».
رمقه محب التنزه على الاقدام بطرف عينه. «آسف، يا صاح»
«ذات يوم ستوجه الى رأسك لكمة»، قالت له، «سنرى، أليس كذلك؟« قالها فيل وهو يغنيها مثل ولد في باحة لعب.
مرة كل عام أو عامين من زواجهما، كان يعترف لها انه وجد حضور الأولاد مثيراً للأعصاب، الضجة المزعجة، دمى البلاستيك المرمية هنا وهناك، مطالبتهم غير المفهومة باعطائهم شيئاً او تصليح شيء، مع انك لا تدري ما هو.
«على العكس»، قالت له. «إنهم يشيرون الى ما يريدون، انهم يصيحون: «عصير».
هز رأسه بشكل يائس. «حياة بكاملها من ذلك»، قال «سندخل صحن دارك. الحياة معها ستكون اشبه بحياة بطولها».
مهما يكن. غدت الأمور اكاديمية الطابع الآن. لقد بلغت المرأة تلك المرحلة من حياتها الخصبة حين تغدو الخيوط الجينية متشابكة ـ الكروموزومات تجول مسرعة لتعلق نفسها «تريزمات»، قال: «اعراض مرضية. قصور أيضي. لا أود أن تواجهي كل ذلك».
صدرت عنها تنهيدة. فركت ذراعيها العاريتين، انحنى فيل الى الأمام. تنحنح، ثم قال للسائق: «زوجتي بردانة».
«إرتدي سترة الصوف»، قال السائق للزوجة، اقحم من ثم سيجارة أخرى في فمه. بدأت الطريق الآن تصعد في سلسلة من المنعطفات العنيفة، وعند كل واحدة منها راح يلف المقود بسرعة، قاذفاً مؤخرة السيارة باتجاه الخنادق «ماذا تبقى». سألت. «حوالي كم»؟
«نصف ساعة»، لو اتيح له لكان اعقب جوابه بالبصاق، شعرت انه يود ذلك. «لم يزل الوقت متاحا للوصول عند العشاء». قال فيل مشجعاً. عمد الى فرك ذراعيها لمدها بالتشجيع. ضحكت مع اهتزازة «تجعلهما ترتعشان»، قالت. «كلامك بلا معنى ليس من لحم عليك». كان ثمة نصف قمر شابه الضباب، وجرف طويل من الارض الى يمينهم، ثمة خط من الأشجار غير المتوازية الطول فوقهم وحالما حضن كوعها بيده مداعبا اياه حدث من جديد تدحرجٌ وانزلاق، وابل من الصخور المقرقعة فوق الطريق التي امامهم. كان فيل قد بدأ بالقول: «لا أحتاج سوى لدقيقتين لافراغ حقيبتي، يعني انه كان قد ابتدأ يشرح لها طريقته للسفر خفيفا لكن السائق اصدر نخيراً، لوى عجلة القيادة، داس على الفرامل بشدة وتمكن من ايقاف السيارة حتى ولو تمايلت، اندفعت هي الى الامام، صادة المقعد الأمامي برسغها. من جهته عمل حزام الأمان على سحبها الى الوراء. سرعان ما فتح السائق بابه بسرعة واندفع الى بهيم الليل. «يا له من شخص غر، همس فيل. أنزل تحت السيارة؟ بدا ان السائق يسحب شيئا من بين العجلتين الأماميتين. الآن حنى جذعه وكان بمقدورهما رؤية مؤخرته ترتفع في الهواء مع طرف لباسه الصوفي عند خصره. جلسا داخل السيارة بلا حركة أبدا، وكأنهما لا يودان جذب الانتباه الى الحادث. لم ينظرا الى بعضهما، لكنهما تطلعا فيما السائق يستقيم صوب الأعلى. قام بفرك مؤخرته. دار ثم فتح صندوق السيارة، ساحبا شيئاً داكناً، اشبه بقماش مشمع. برودة الليل القارسة ضربتهما سوياً بين شفرتي الكتفين، فانكمشا على بعضهما جزئياً. أخذ فيل يدها. انتزعتها. ليس على سبيل المناكدة وإنما لرغبتها في التركيز. ظهرت حدود جسد السائق الظلية أمامهما مضاءة بمصباحي السيارة الأماميين. قام السائق بادارة رأسه متطلعاً نزولاً وصعوداً في الشارع الفارغ. كان ثمة شيء في يده، حجر. ضرب مرة وثانية وثالثة. شعرت بالتوتر، ارادت ان تصرخ من جديد، ضربة، فثانية، فثالثة. نهض الرجل على طوله بدا وكأنه يحمل صرة في يده. عشاء الغد، قالت لنفسها. عشاء يرفل في صلصة الثوم والبندورة. لم تعرف لماذا خطرت كلمة «يرفل» الى ذهنها، تذكرت يافظة وسط المدينة. مدرسة سوفوكليس لقيادة السيارات. «لا أحد سعيد..» وضع السائق الصرة في صندوق السيارة، قرب متاعهما. ما لبث الصندوق ان أغلق من قبل السائق بقوة.
إعادة تدوير، قالت لنفسها. أمر جدير بالثناء، كان يمكن لفيل النطق بها، هذا اذا تكلم. لكن يبدو انه قرر ألا يفعل. فهمت ايضاً أن أياً منهما لن يأتي على ذكر هذه البداية الرهيبة لفرصة الشتاء الخاصة بهما. دلكت رسغها بلطف وروية. مبادرة تنم عن قلق. عملية غسل. تدليك الألم البسيط كي ينداح. سأستمر في سماعها، قالت لنفسها، على الاقل لبقية هذا الاسبوع، ضربة، ضربة، ضربة. لربما بمقدورنا تحويلها الى نكتة، كيف تجمدنا، كيف سمحنا له بالاستمرار، ما كان بمقدورنا؟.. لأنه ليس بمقدورك العثور على أطباء بيطريين يجوبون الجبال ليلاً. شيء ما صعد الى حنجرتها وشاءت النطق به. ضرب ذاك الشيء بشغف حلقها ثم تلاشى.
قال حمال الفندق: «أهلاً وسهلاً الى فندق رويال اثينا صن». تسرب النور من داخل كرة زجاجية، وقريباً منها ثمة أعمدة مكسرة تتعرض لاضاءة منقطعة، والنور ينتقل من الأزرق الى الأخضر ثم يعيد الكرة ثانية. هذا يعطي انطباعاً «أثرياً» تبعا للموعود به، قالت لنفسها. مرة أخرى كان عليها ان تكشر بوجه القباحة النابضة. لكن الهواء بارد، الحادثة.. خرجت على مهل من السيارة ثم شدت جذعها ليستقيم جسدها، غير مبتسمة، فيما أراحت يدها على سقف السيارة. مر السائق بها دون كلمة. رفع غطاء الصندوق الخلفي. لكن حمال الفندق، الذي حام للمساعدة كان خلفه. مد كلتا يديه صوب امتعتهما، أسرع السائق ليسد الدرب عليه، اما المرأة فعمدت وبحركة أدهشتها حتى هي بالقفز الى الامام والقول «لا!» وكذلك فعل فيل قائلاً، «لا!».
«ما أقصده»، قال فيل، «لا يتعدى الأمر حقيبتين اثنتين فقط. ومن أجل إثبات خفة الحمل، رفع احدى الحقيبتين بقبضته، ثم دورها ضاحكاً، «أؤمن بالسفر»... قال. لكن عبارة «السفر خفيف الحمل» خانته. «بعدم كثرة الأغراض»، هي العبارة البديلة التي صدرت عنه. «حسناً، يا سيدي». هز الحمال كتفيه، ثم تراجع. في ذهنها راجعت ما كانت ستقوله لصديقة لها لاحقاً: كما ترين. صرنا الثلاثة شركاء لكن السائق لم يقترف خطأ بالطبع. تصرف بشكل عملي.
وكأن صديقتها «المتخيلة» ترد موافقة: رغم ذلك تشعرين غريزياً بوجود شيء ما لإخفائه.
«أنا على استعداد الآن لتناول كأس»، قال فيل. حن قلبه الى ذاك المشهد الذي وراء زجاج النافذة: أنواع براندي، قعقعة مكعبات الثلج التي على شكل سمك، طقطقة الكعاب العالية فوق البلاط الفخاري، الحديد المجدول، بياضات الفندق، وسادة ناعمة، لا احد مرتاح، لا تقل أن أحداً مرتاح الى ان يرقد داخل قبره بسلام، أو إلى ان يذهب الى شلة الأنس فيمارس الحب الليلة ويستيقظ جائعاً في الغد. انحنى السائق صوب السيارة لتناول الحقيبة الثانية. وحال فعله هذا لكز بيده جانباً مشمع المطر، وما لمحته هي وفي نفس اللحظة أبت عيناها أن تصدقه ـ لم يكن ظلفاً مشقوقاً، لكن يداً متسخة لطفل من بني البشر.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى