احمد جارالله ياسين - كرات الحزن

تقول الاغنية: لوكانت الأرض مربعة، كنا اختبأنا في إحدى زوايا، لكنها كروية.. لذا علينا مواجهة العالم.
نُصحت مراراً من قبل الأهل، وماتبقى من الأصدقاء، والجيران، والكتب الكثيرة التي علفتها؛ أن اتوقّف عن كتمان أحزاني، وأن أبوح بها للآخرين كي أتخلص من أضرارها النفسية. ولكنني أهملت النصائح كلها؛ وكان ذلك هو الخطأ حسب قولهم؛ لأن تراكم الأحزان في قبو صدري ازداد يوماً بعد آخر، وها أنا الآن منتفخ بأحزاني التي جعلت جسدي مثل كرة ضخمة تحتل فضاء الغرفة المستطيلة كحفر الموتى.
مضت أسابيع وأنا مستقر في مكاني على هذه الصورة الغريبة، لا أستطيع الخروج من الغرفة، ولا يستطيع أحد الدخول إلى غرفتي، أو حتى فتح بابها الذي يكاد ينخلع من مكانه بسبب الضغط الهائل الذي يتعرض له من جسدي الكروي، بحيث اضطر الأهل بعد استشارة مختار الزقاق العجوز إلى أن يفتحوا فجوة دائرية في سقف الغرفة عبر سطح المنزل، لأمدَّ من خلالها رأسي، وأتناول بفم متشقق الشفتين كسرةً من الخبز الأسمر اليابس، أو أشرب جرعة من الماء أو قطرات من القهوة المرة وأنا أنظر بعينين منكسرتين نحو الأعلى.. حيث تشاهدني شمس محرقة.. وطيور عابرة بيض...
في أثناء هذه المحنة زارني عدد من أقاربي، ولكنهم جميعاً فشلوا في فكّ أقفال هذا الصمت الملغز الذي يقيّد حركة لساني، وفي الأيام الأخيرة جلبوا لي طبيباً نفسياً، صعدوا به نحو السطح مندهشاً لكي يشخص -في الأقل- بالحوار مع وجهي البارز من تلك الفجوة الوضع النفسي لحالتي، ويجد العلاج المناسب لها، لأنني مازلت أرفض البوح بما يحزنني، ويسهم في تدهور حياتي.
وسط موج هذه الأحزان، كنت مثل من يغوص غارقاً بحمل ثقيل في أعماق البحر تحت قوارب النجاة التي لاتحس به، ولاتفقه عذابات محنته، وأسرار حمله الثقيل المتشبث به، والذي يسحبه نحو القاع المظلم. كنت أعتقد أن الناس جميعاً قـد دفنوا مثل هذه الحقائق السرية او لعلهم حملوها تحت قمصانهم البيض الأنيقة لكنهم فيما بعد هربوا سريعاً منها وابتعدوا عن زيارة قبورها في صحاري نفوسهم، أو ربما رفضوا الاعتراف بوجود جثثها مرمية في قاع أعماقهم التي ستبعثها في يوم ما حيَّة.. لتطفوا فوق سطح الماء.. إلا أنا فقد قررت المواجهة والآن أصرّ على دفع الثمن مهما كان...
كان قلق الجميع يتضخم من حولي يوماً بعد آخر، لاسيما بعد أنْ تسرَّبت في آذان سكان الزقاق إشاعات وهمسات مريبة تتحدث عن احتمال انفجاري في المستقبل القريب إن بقيتُ على هذا الوضع الغريب الذي يزداد انتفاخاً بمرور الأيام.
وكالآخرين، لم يفلح الطبيب النفسي في انتزاع كلمة واحدة من نسيج صمتي الذي جعل وجهي مثل أبي الهول أمام نظاراته اللامعة،وثرثرته الآلية المزعجة التي سرد فيها كالببغاء كل ألاعيب المعالجات النفسية وحيلها المملة التي شغلت نصف سنوات عمره. كان يبدو أمامي بالحركات البهلوانية ليديه كالمهرج المغفل المتأرجح على حبل السيرك والذي يضحك المتفرجين في العلن، ويكتم في أعماقه حشداً من المخاوف.
أما جدتي؛ تلك المرأة العجوز الذكية، المجعّدة الوجه والأفكار واللهجة والتي كثيراً ما استسعفنا بها، فقد جاءت مسرعة من وسط غبار القرية لحلِّ مشاكلنا العائلية، لكنها لم تستطع ابداً الاجابة عن الأسئلة الصعبة التي كان يفرزها بإيقاع حزين صمتي المحيِّر، فعادت إلى قريتها ينوء كتفها بحقيبة صوفية قديمة وبكمٍّ هائم من الإحباط الذي سال بين منحدرات واخاديد وجهها.. إنها لم تتعود في يوم ما أن تترك أيَّ سؤال من دون اجابة في ورقة امتحان الحياة...
بعد تسعة أيام، وفي الساعة الخامسة فجراً دوى انفجار هائل وعنيف زلزل بيوت الزقاق، وأثار غبارها المتراكم في الزوايا، وأربك السرد المتسلسل لأحلام النائمين فيها، أعقب ذلك ظهور دخان أسود كثيف انبعث من حطام أحد المنازل وحجبت خفافيشه السود أول خيوط الشمس..
وسرعان ماتكاثف الدخان وتجمع بصورة سحب سود مخيفة كأشباح كروية ضخمة ارتفعت في السماء بإيقاع جنائزي، لتنفجر فيما بعد ويتساقط من جثتها مطر اسود رشقت زخّاته القوية كوفيَّة مختار الزقاق الذي كان رأسه حينذاك يطلُّ من ثقب في سقف غرفته، وكذلك تعرَّضت للرَّشق نظارات الطبيب النفسي التي تضببت الرؤية في زجاجها أمام عينيه الصغيرتين المحفورتين مثل ثقبين عميقين في رأسه الذي خرج من فجوة ثقبته حديثاً في سقف عيادته التي تقع في الطابق العلوي من عمارته..
في حين تطايرت 1999 قطرة من ذلك المطر الأسود نحو فضاء القرية، حيث يبرز من بعيد رأس امرأة عجوز، يلتفُّ بخمار رمادي جعل شفتيها الصفراوين تبرزان بشكل واضح، وقد علقت بهما قطرات من مطر هاجم رأس تلك المرأة، بعد أن دفعته ليظهر من فجوة في سقف غرفتها الطينية التي تشقَّقت جدرانها بسبب كرة ضخمة انتفخت فيها...

الموصل 1999

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى