أمل الكردفاني - الباب.. قصة قصيرة

تلقى الدكتور كومارو خطاب إقالته من عمله بدهشة.. قرأ الخطاب عدة مرات، كان يرفع نظارة القراءة إلى عينيه وينزلها دون أن تفقد إرتكازها على أذنيه الطويلتين، ويمناه تقبض على الخطاب بأطراف أنامله السوداء المتعرقة.
- غير معقول..
نهض وخرج من مكتبه واتجه للعميد، فدخل إليه مباشرة دون أن يلقي تحية على السكرتيرة.. ثم وقف وألقى سؤالاً واحداً:
- ماهذا؟
إرتبك العميد وقال:
- الثورة يا دكتور.. الثورة..
رد عليه بدهشة:
- لم أكن ضدها..
- ولم تكن معها...
ظل واقفاً في مكانه بحيرة:
- هذا لعب أطفال.. ما علاقتي أنا بكل هذا الهراء... أنا أكاديمي ولست سياسياً...ولا أحب السياسة..
أشار العميد إليه بالجلوس فاستجاب ببطء دون أن تغادره الدهشة:
- اسمع يا دكتور كومارو... عندما أقول ثورة فليس عليك أن تفكر بشكل عقلاني.. هنا ستُتَّهم بالعمالة... يجب أن تتعلم التملق قليلاً... لقد جاءت لائحة بمئات الأساتذة وغالبيتهم لم يكونوا حتى داخل العاصمة جانبيجا... إن الحزب الشيوعي سيطر بالكامل على المشهد..
رد كومارو بعصبية:
- لا أهتم بمن يحكم...أهتم بأبحاثي وعملي فقط..
فقال العميد بحسم:
- انتهى الأمر...ليس بيدي...
كانت العاصمة جانبيجا خضراء وسماؤها ملبدة بالغيوم، وهي في بدايات الخريف، فقاد كومارو سيارته ببطء بسبب حزنه على ضياع كل تاريخه العلمي بلا مبرر منطقي.. هكذا هي أفريقيا دائماً .. يحكمها البلهاء والغوغائيون، وزوجته سليطة اللسان تلقت النبأ بتجهم قبل أن تولول كما لو توفى أحد أولادها.. في الواقع لم يكترث الأبناء لذلك كثيراً، ابنه في السادسة عشر والبنت في الرابعة عشر، كانا لا يزالان في طور لا يؤهلهما لفهم خطورة الموقف.
- قلت لكَ دائماً أن تحاول بناء علاقات مع النافذين.. لكنك لم تسمع كلامي... كل رجال الأعمال اليوم لم يمسهم أحد بسوء... قلت لك لا تنقطع عن العالم لأن العالم لن يتركك وشأنك..
قالت له ذلك بصوت حانٍ لأوَّل مرة في حياتها.. فتذكر هروبه من قبيلته قبل أربعين عام.. هرب من قلب الأدغال، حيث الجميع عراة، ويعيشون بلا إنتاج... عَبَرَ الجبال الصلدة في الشتاء القارس حتى وصل جانبيجا.. وبدأت رحلة حياته مع العلم.... سأل نفسه: (كيف هم الآن يا ترى؟)..
أحس بيد زوجته تتلمس طريقها إلى فخذيه فأزاحها وانقلب على جنبه لينام... قالت هي:
- عليك ان تجد حلاً.. فقد قال زملاؤك أنك ذكي رغم أنني لم أعرف لك ذكاء منذ زواجنا...
اصطنع شخيراً طويلاً فأضافت:
- ألم أقل لك انك لستَ ذكياً...
انقلبت هي أيضاً على الجانب الآخر:
- سأتركك هذه الليلة فقط... هل فهمت؟ هذه الليلة فقط..
ثم وكزته بكوع يدها، هز رأسه إيجاباً...فضحكت هي..
مضت ثلاثة أسابيع وهو يبحث عن جامعة أخرى تقبله، لكنهم اعتذروا بسبب وضعه على اللائحة الحمراء والتي أرسلتها اللجان المركزية للحزب الشيوعي لكافة الجامعات والمعاهد العليا والمراكز العلمية...
جمع ابنيه وزوجته وقال:
- علينا أن نقتصد في الإنفاق... نحن الآن نرضع من أثدائنا...
صاحت هي بنفاد صبر:
- عليك أن تجد حلاً... أليس ما يحدث انتهاك لحقوق الإنسان..
قال:
- لا سبيل إلا للهجرة... ولكن إلى أين..؟ سأنتظر قليلاً .. شهرين على الأكثر فلقد قدمت للعديد من الجامعات في الخارج...
غير أن طلباته كلها رفضت، وكان مبررهم أنه لا يملك إقامة عمل في دولهم.
بعد ثلاثة أشهر، تفاقم الحزن لديه ليتحول إلى اكتآب وانكسار... وفوجئ بزوجته النكدية تتحول لشخص آخر حينما رأته يجهش بالبكاء، لقد قالت بقوة:
- لا تنهار يا كومارو.. هذا هو الوقت الذي يجب عليك أن تتحمل فيه مسؤوليتك كرجل.. ليس هذا وقت البكاء.. لقد اتصلت بوالدي وسوف نذهب جميعا للعيش عنده في مزرعة النعام... هناك ستستجمع قوتك من جديد وتفكر بذهن صافٍ.. لكن لا تنهار الآن.. فلن استطيع تحمل مسؤوليتك أنت أيضاً..
وغادروا بالفعل جانبيجا في رحلة تستغرق قرابة ثمانِ ساعات بسيارتهم، حتى وصلوا إلى المزرعة، فرأى رؤوس النعام الصغيرة تشرئب بأعناقها النحيلة متجمعة وهي تراقب سيارتهم كما لو كانت فريسة..
- هاليه هاليه...
قال حماه باباس وهو يستقبلهم بسعادة.
وفي صباح اليوم التالي، وقف مع باباس أمام ملاعب النعام..
- هل تعلم أن هذا النعام لا يتلقى أي أدوية إذا مرض؟ إنه يداوي نفسه بنفسه.. إنه حيوان غريب جداً.. فكل تكوينه غريب.. بل أن كل جزء من جسده يباع بأسعار جيده.. ريشه.. عظامه.. لحمه.. بل حتى عينيه.... إنهم يأخذون من عينيه القرنية ويزرعونها للبشر؟
قال باباس فاندهش كومارو:
- حقا؟
- حقاً...
ثم أخذتهما وهلة من الصمت وهما يتأملان الصبي الذي ينقل الأعلاف لداخل الملعب..
- يجب أن يكون الصبي محترفاً.. إن ركلة النعامة يمكنها أن تقتل أسداً.. لكنه مسالم على كل حال...
أخذ كومارو يتأمل النعام، ولكنه كان يفكر في حديث زوجته أكثر، في الواقع؛ كان عقله يفكر في عدة أشياء في وقت واحد..فهمس:
- إنني مشتت الذهن؟
ضحك باباس وقال:
- عندما فكرت في هذا المشروع كنت مشتت الذهن أكثر منك.. هذا يحدث دائماً في اللحظات المفصلية ..حينما تنتقل من عالم لآخر.. من وضع لوضع...
- هذا صحيح...
- إنك محظوظ رغم ذلك..فلقد انسابت حياتك بكامل مخططاتك ولم تتعرض للكثير من المعرقلات...
هز كومارو رأسه سلباً:
- لا.. لم تقابلني عراقيل في حياتي منذ وصلت العاصمة وأنا عارٍ بلا ملابس...
سأله باباس مندهشاً:
-حقاً؟ .. لم تكن ترتدِي ملابس؟
- نعم..قبيلتنا لا ترتدي الملابس..هربت منها وأنا في العاشرة من عمري.. كانت رحلة طويلة..لكنها ليست أطول من رحلتي منذ ذلك الوقت وحتى الآن...
قال باباس بإعجاب:
- كنتَ طفلاً نبيهاً حين اتخذت ذلك القرار بالهروب...
أجابه:
- أعتقد ذلك..عندما أرجع بذاكرتي إلى الخلف..وأرى نفسي طفلاً داخل قبيلة شديدة البدائية ورغم ذلك يستحثني شعور ما بضرورة الهرب والبحث عن مصير مختلف..أشعر بالفعل بقلبي يخفق.. أتساءل: ماذا كانت لتكون حياتي اليوم لو لم أهرب؟ فأشعر بالفزع حقاً حينما أتخيل ترعرعي في تلك البدائية المطبقة حيث العقل خاوٍ تماماً من أي معرفة..
رفع باباس شفتيه المطبقتين ثم قال:
- ما كنتَ لتعرف أبداً ماذا كان بإمكانه أن يحدث لك مستقبلاً...ربما مأساة وربما سعادة بالغة..لذلك أنا لا أفكر في الماضي كثيراً..إذ لا يمكنني العودة له...بل استمتع باللحظة.. اللحظة الراهنة فقط...
عاد الرجلان إلى المنزل، وافترقا كل إلى غرفته...هناك تلقى كومارو اتصالاً من زميله (السابق) وعدوه اللدود في الجامعة..غمغم:
- سيشمت فيَّ..
وسمعه بالفعل يقول:
- سمعت أنك غادرت جانبيجا لتعمل مزارعاً؟
قال بحزن:
- لا... إنني استجمع قواي فقط..
- البلد تمور بالإضطراب يا عزيزي..القوى السياسية ترفض احتكار الشيوعيين للسلطة وتتحالف مع المليشيات القبلية.. والقوات المسلحة تحافظ على مصالحها حامية الشيوعيين بأسلحتها...لأن الأوروبيين يرغبون في حكومة الشيوعيين..
- هل يقبل الأوروبيون بهم؟
- مصالح يا عزيزي مصالح..فحتى أمريكا تدعم الحزب الشيوعي ليستأصل أي حلم بالديموقراطية؟
قال بدهشة:
- مستحيل طبعاً؟
قهقه ساخراً وقال:
- مشكلتك يا عزيزي أنك انكفأت على العلم والتدريس فأصبحت جاهلاً بالحياة من حولك...ياااه كيف تعيش بكل هذا الكم من الجهل بالحياة وضعف الخبرة؟
وبالرغم من تلك الكلمات القاسية لكن كومارو شعر بحيوية مفاجئة، فقال:
- اسمع يا عزيزي..عليك أن تشرح لي ما يحدث الآن بدقة...
قال زميله جزلاً:
- أنت مهتم الآن؟
قال:
- نعم..فلم يعد لديَّ ما أخسره..
ثم ظل حوالى ساعتين يحاول فهم ما يدور في الدولة...وحين رقد إلى جوار زوجته قال:
- سأغادر المزرعة غداً...
- إلى أين؟..
- لن تحتاجي لمعرفة ذلك ولكنني قد أغيب قليلا من الوقت..
- كم؟
- حوالى أربعة أشهر..
شعر بأصابعها تتلصص تحت خصره فأدرك أن عليه إرضاءها هذه الليلة..


التوأم ساكيا

تظهر في المشهد قدما كوماروا الحافيتين وهما تدوسان على أوراق الشجر الخضراء واليابسة الصفراء التي تحتشد بها أرض الأدغال...
تسير القدمان بسرعة متوسطة، وتنعكس على الأرض ظلال الدغل، حيث يسير كوماروا وسط الأشجار الضخمة العالية التي تتشابك فروعها في السماء فتحجب أشعة الشمس ولا تتدفق منها سوى خيوط ذهبية خفيفة وعلى جزوعها السفلية تتوالد الأشنات وتلتف حولها الكروميات متسلقة العلا نحو رائحة الشمس، فتلتقي بالطيور الطنانة وبعض القرود ، نقلت اقدام كومارو دفء الأرض الرطبة إلى أعصابه ورائحتها العطنة إلى خياشيمه، وابتسم وهو يسير عارياً متجها إلى عريشات قبيلته فوق الجزوع العالية القوية...أربعون عاماً مضت ولكنه رغم ذلك يعلم بأنهم سيرحبون به، فعلى الجانب الأيمن من مؤخرته طبعوا ختم القبيلة بنيران الجمر المحموم. كما أنه طويل القامة مثلهم وليس مثل قبيلة الأقزام المجاورة..لقد توقفوا عن جميع أنشطتهم ورمقوه بنظرات مرتابة، كان بعضهم ينظر إليه من أعلى وهم يمدون أجسادهم لتبرز من العرائش المرتفعة. اجسادهم السوداء الناعمة..ورؤوسهم الصغيرة المستديرة والتي يتوزع فوقها شعر فلفلي متباعد المسافات...حينها دار كومارو بجسده وانحنى على بطنه..اقتربوا منه بحذر وتأملوا العلامة ثم تحسسوها بأيديهم..ثم شعر بأحدهم يغرس خنصره في فتحة شرجه، فقفز متأوهاً وغاضباً حينها ضحك الجميع...ووقف هو لبرهة وملامح الغضب تكسوا وجهه قبل أن يقهقه ضاحكاً...بعدها توزعوا في صمت..وكأنهم لا يعرفونه...تلفت كوماروا من حوله متأملاً الأشجار، فاختار جِزعاً قوياً وبدأ في بناء عريشته.
كان يراقب باقي العرائش ويحسب أعدادها..كانت لا تقل عن الف عريشة تتوزع فوق بعضها وعلى غصون الأشجار المتينة، إذ ليست سوى أرضية من الخشب المشبك بحبال الأشجار، فوقها سقيفة بذات الشكل..لم يكونوا بحوجة لغير ذلك..في الصباح يجمعون الأشنات والفطر والطحالب وفي المساء يصبغون وجوههم بالأشنات ليتابعوا حكايات التوأمين (ساكيا أي) و(ساكيا أو)...كانت حكايات ساذجة جداً...ولكنها كانت متعتهم الوحيدة..كان التوأمان يمثلان القصة وأشخاصها، يمثل (ساكيا إي) دور الرجل و(ساكيا أو) دور المرأة، أو دور القرد ودور الأفعى...، كانوا نادرا ما يمرضون، وإذا مرضوا تناولوا الأشنات بحسب لونها وشكلها وطعمها.
"آه يا عائلتي المسكينة.."
يقول كومارو في سره وهو يراقبهم..
"ءأنتم أحياء كل الحياة أم موتى كل الموت؟"..
ويسمع صوتاً أنثويا يشدو فيغادر عريشته ويراها تغني فوق شجرة متوسطة الارتفاع وحولها إلتفت الجموع...كانت ذات نهود منتصبة وخصر نحيل وعلى ذراعيها عضلتين صغيرتين، وقد صبغت فروة رأسها بلون طحلبي ذهبي. ورغم انها كانت تصدر موسيقى من فمها دون غناء إلا أن حنجرتها كانت قوية...
"لو انتقَلتْ إلى جانبيجا لأصبحت مغنية مشهورة، كم من إمرئ يمتلك موهبةً دَفَنَها هذا الدغل في أحشائه الرطيبة الموحشة..."..
تقدم من (ساكيا أو) وسأله:
- ساكيا..إنني لم أدخن منذ أن غادرت القرية..ربما كنتَ أكبر مني قليلاً في ذلك الوقت..
سار معه (ساكيا أو) حتى اقتربوا من قرية الأقزام..وأشار (ساكيا أو):
- الأطفال الكبار...
ثم انعطفا حول قريتهم وجمعا بعض الأعشاب، وبمهارة لفها (ساكيا أو) وأخذ الرجلان يدخنان بانتشاء...عرف كومارو الطريق المؤدية لقرية الأقزام وهذا ما كان يبتغيه منذ البداية، لقد كان يتذكر أن قربها كانت تنمو الأعشاب المخدرة، ولكن ليس على نحو واضح.
عاد الرجلان للقرية بعينين زائغتين..ورأى كومارو ذكر (ساكيا أو) منتصباً بقوة...فأدرك أن عليه الابتعاد..فهنا لا يوجد تمييز بين رجل أو امرأة، بالغ أو طفل...فالجنس لا يمثل شيئاً ذا بال...وبالفعل ومن أعلى عريشته شاهد (ساكيا أو) يحتضن صبياً في الثانية عشر ويغرقه بالقبلات...فانقلب كومارو على ناصية جسده اليمنى ونام..
في الخريف يضعف التنفس داخل الدغل، ويضحى الجو خانقاً في النهار، تنمو الأعشاب ذات الأطراف البوغية، وتنتشر أصوات الضفادع في الليل.. غير أن الفجر الذي من المفترض أن يحمل زقزقات العصافير حمل صوت صرخات النسوة، أدرك كومارو أن كل شيء سار على ما يرام..
في مساء اليوم السابق كان كومارو قد اختفى وراء الأشجار الضخمة ومضي حتى بلغ قبيلة الأقزام. جمع الأقزام الثعابين المتسلقة من أماكن تجمعاتها البعيدة، ووزعوها تحت غطاء الظلام الدامس على جزوع الأشجار التي بنت قبيلة كومارو عريشاتها فوقها، أخبر كومارو الأقزام بأنه تلقى من الآلهة رسالة مهمة وهي أنها ستجعلم أطول بشبر كامل إن فعلوا ذلك بسرية مطبقة....وعند الفجر ساد الفزع من الثعابين التي اقتحمت عريشات قبيلة كومارو قبل أن يقتلوها ويحرقوا جثتها. وبصمت قام كوماروا ببناء جدران خشبية على عريشته وعليها باب للدخول والخروج. كانت القبيلة تشاهد عريشة كوماروا ذات الباب بدهشة، إذ لم يعهدوا مثل هذا البناء من قبل. أشار إليه (ساكي أي) متسائلاً فأجاب:
- إن هذا الباب يمنع المتطفلين.
وعند الظهيرة غادر كومارو القرية.
...

- إنها فورد 2GA سنة ١٩٤٧، ستة اسطوانات وقاعدة العجلات ١١٤..إنها اثرية..
قال كومارو لكن الرجل الأخر رفع قبعته القماشية المزركشة ومسح شعره وقال بعدم اكتراث:
- صدقني..انا ورثت تجارة السيارات في جانبيجا عن والدي منذ نعومة أظافري..نعم سيارتك تاريخية لكننا في أفريقيا ولسنا في سويسرا..عليك ان تتذكر ذلك يا عزيز..
- ولكن عرضك ضعيف جداً..
كان الرجل يتجاهل كومارو ويتحدث إلى العاملين في معرض السيارات مقاطعاً حديث كومارو باستمرار بل وبما بدا من نفاد صبر:
- لا احتاج لسيارتك يا سيدي...أنا لا اشتري خردوات...
خرج كومارو غاضباً واتجه مباشرة لمعرض ثان وثالث، وأخيرا قنع بالمبلغ الزهيد الذي حصل عليه من رجل يوناني عجوز. بعدها مضى وباع كل ذهب زوجته. وأثاث المنزل، وأغلق كل حساباته البنكية مستئجرا فقط خزنة بنكية أودع فيها أمواله، ثم كرَّ عائداً إلى الغابة. فوجدها صامتة يغرغر فيها صوت عصفور غريب لا يمكن مشاهدته، ولكنه ابتسم حين وجد كل عريشات قبيلته قد تغطت بالأبواب...فكَرَّ عائداً إلى مزرعة النعام...

تسارع:
حين وصل إلى المزرعة رأى باباس يقود شاحنته الصغيرة وعليها العلف:
- إن لم تك مرهقاً يمكنك الذهاب معي في جولة في المزرعة...
- إنني أحب الفورد وشاحنتك فورد أيضاً.. قديمة جداً...
قال باباس:
- هذه الخردة الأمريكية ثمنها عشرات الآلاف من الدولارات..
غير أن كومارو اعترض قائلاً:
- قبل أسبوع فقط بعت تحفة أثرية ليوناني بثمن بخس..
ضغط باباس على مكابح السيارة فجأة ثم نظر إلى كومارو بوجه مقتضب:
- لا تقل لي 2GA ؟
- إنها هي..
اسند باباس رأسه على مقود السيارة وأغمض عينيه:
- باعها اليوناني في مزاد علني البارحة بسبعمائة وخمسين ألف دولار...شاهدت ذلك على الانترنت..
وهبط العرق من على رأس كومارو بغزارة، ثم قال بصوت خفيض مرتجف:
- كيف ذلك؟...
أجابه باباس بنفس النبرة:
- مزاد بالإنترنت..
- سأنزل هنا..
فتح كومارو باب الشاحنة وغادر إلى المنزل، فاستقبلته زوجته بالصراخ:
- الولدان لا يتحملان المزرعة..علينا أن نعود يا كومارو..
قال بحسم:
- لا سبيل إلى العودة...
- لماذا؟
ابتعد عنها صارخا:
- اتركيني الآن..
اغلق الغرفة خلفه وخلع جميع ملابسه ثم ارتمى لاهثاً مغمض العينين ولم يفتحهما إلا صباح الغد على طرقات زوجته وصوتها المتغنج:
- كومارو...كومارو..افتح الباب يا حبيبي...
ماحدث لسيارته جعله أشد إصراراً على إتمام مهمته، فغادر بعد أيام للأدغال، ورأى أفراد قبيلته وقد غطوا عوراتهم بصفق الشجر..فابتسم...
"لقد حان موعد الخروج من هذا الدغل"..
وعند الفجر هجم الأقزام على القبيلة هجوما مفزعاً. لقد تسلقوا الأشجار بخفة وبدأوا في بقر بطون النائمين، وعلا صراخ من استيقظوا، وبدأت معركة خاسرة بكل المقاييس، وشعرت القبيلة كلها بدنو اجل فنائها، في تلك اللحظة أخرج كومارو مسدساً كان يخفيه في عريشته وأطلق منه النار على قزم متشبث بأعلى شجرة فهوت جثته مرتطمة بالأرض بصوت مكتوم..حينها توقف الأقزام فزعين..ونظر قائدهم الأصلع القبيح نحو كومارو بفزع وقال:
- ولكن..لم يكن هذا هو الإتفاق..
رفع كومارو مسدسه وأطلق رصاصة اخترقت جبهة القائد فسقط ميتاً.
صاح كومارو:
- غادرو الآن....
كانت حشود قبيلته تراقب خروج الأقزام بصمت ورعب...وبعد مغادرة آخر قزم، قال كومارو:
- عليكم أن تغادرو هذه الغابة المظلمة..
كان التوأمان ساكيا يراقبان كومارو بحزن...
- تعالوا جميعاً...
قاد كومارو الجموع إلى طرف الغابة وأمرهم بالحفر واستخراج السلاح:
- عليكم أن تعودو بشراً من جديد..وأن تقتلعوا حقوقكم بدلاً عن الاستسلام...

...

- يا سيد كومارو..ليس هذا وقت إعلان التمرد على الدولة...إن الثورة جاءت لتحقيق العدالة فلماذا لا تنتظر حتى انتخاب حكومة مدنية..
قال كوماروا وهو يعقد اجتماعاً مع وفد الحكومة المؤقتة:
- اسمع يا سيدي...لست هنا من أجل التفاوض على الاستسلام..بل من أجل جدولة إعلان تقرير مصير شعبي..وهذا ما يكفله لي القانون الدولي...إذا كانت لديك أجندة أخرى فأرجوا أن نفض هذا الاجتماع...
- لا تتعجل يا سيد كومارو..نحن نتفاوض على حل يرضي الجميع..
نهض كومارو وتقدم نحو باب عريشته وصاح:
- يا شعبي...سنقاوم الإضطهاد..
أطلقت حشود القبيلة رصاصاتها في الهواء، فانخلع قلب المفاوضين من الحكومة...
- وزارة وعشرة ملايين دولار؟
جلس كومارو إلى الطاولة التي تتوسط بينهما ثم رفع قدمه عليها وقال:
- مائة مليون دولار وحصة سنوية بنفس المبلغ من أجل تنمية مستدامة للغابة ولأهلها...ومن ضمنهم الأقزام..
قال المفاوض بدهشة:
- الأقزام؟!!
- نعم الأقزام..إنهم تحت سيطرتي الآن...
أخرج المفاوض هاتفه وابتعد قليلاً ثم أخذ يهمس متحدثاً مع شخص آخر، قبل أن يعود ويقول ماداً كفه:
- اتفقنا يا سيد كومارو...
...
انتقل كومارو واسرته الصغيرة إلى قصره الجديد، وتلقى اتصالاً من شخص ذو لكنة غريبة:
- إنه أنا يا سيد كومارو...اليوناني الذي اشترى سيارتك الفورد..أريدك ان تقابلني لأمر ضروري وعاجل..
كان طلباً غريباً من لص سرق ماله، لكنه قرر الذهاب، وهناك وجد اليوناني يقول:
- إن شركة فورد ستقدم لك دعمها السياسي..هل فهمتني يا سيدي..أنا مجرد بريد لأنقل لك رسالتهم...
صمت كومارو قليلاً..ثم هز رأسه بصمت..أضاف اليوناني:
- ستسافر غداً لتلتقي بوفدهم في قرية صغيرة على الحدود الشمالية...إنهم يتمنون لو تم ذلك بسرية عالية منك...
....

وعلى الحدود الشمالية في مساحة هائلة غطتها الأعشاب الخضراء..تلقى كومارو ستة عشر رصاصة على صدره فخرَّ صريعاً وتعفنت جثته في العراء..

(تمت)

هذا النص

ملف
أمل الكردفاني
المشاهدات
18
آخر تحديث

نصوص في : قصة قصيرة

أعلى