أمل الكردفاني - أشخاص لا يفهمونك- قصة قصيرة

يجب أن اقلم أظافري، التي تحولت لمخالب. وقبل ذلك الدخول في معركة مع الإستحمام، وحلق الشارب واللحية المشعثة، والبحث عن ملابس داخلية أقل إتساخاً مما أرتديه الآن. أحتاج لصابونة حمام، وفرشاة أسنان، ومعجون، لأن الفرشاة بدون معجون لا معنى لها. في الواقع يمكنها أن تجرح اللثة، وتزيل الطبقة القوية للسن. أحتاج قلامة أظافر أيضاً، وموس حلاقة من نوع جيد، ومقص، ومكنة حلاقة لأتمكن من استخدام الموس، فالموس وحدها لا يمكن أن تحلق، من ذلك العبقري الذي اخترع موس الحلاقة؟ أحتاج لملابس داخلية أنظيفة، وبالضرورة لا بد من تلميع حذائي، وتنظيف قبعة اللباد، أين ضاع الخاتم الفضي الذي أضعه على الخنصر الأيمن؟ شكله غريب، كان النظر إليه يريحني كثيراً ، وكما لو كانت به تعويذة سحرية. كانت فيه صورة قرد، وجه قرد على ما أتذكر وليس قرداً كاملاً، قردٌ ضاحكٌ بشدقين مقرفين، وأسنان تنبثق من لثة حمراء ضخمة، أسنان لا تبدو كأسنان الوحش تماماً ولا كأسنان الإنسان تماماً، بل تبدو خليطاً بينهما. إنني أرفع يدي اليمنى وأنظر إليه كل بضعة دقائق وكأنه ساعة يد، ولا أعرف السر في ذلك. عليَّ أن أبحث عنه. هل أرتدي ربطة عنق؟ لا، تبدو تكلفاً لا لزوم له. والحقيبة، عليَّ أن أضع كل احتياجاتي فيها، فربما أبقى أطول من اللازم. هل سأبقى أكثر مما ينبغي؟ أين الخاتم؟ تحت السرير؟ فلأرى، لا..، ربما في الدولاب الأيسر، حتما سيكون هنا،.. لا؟! ربما في الدولاب الأيسر، لكنه ليس هنا أيضاً، ربما في درج المكتب؟ الدرج مليء بأشياء لا لزوم لها، هة! ما هذا؟ إنها حقيبة؟ لماذا قلت ما هذا وليس ما هذه رغم أنني اعرف أنها حقيبة صغيرة، والحقيبة مؤنثة؟ تبدو ماهذا أكثر تعجباً عندما تخالف جنس الشيء؟ أليس كذلك، إذ لا تدري كنه الشيء ثم تدرك أن له كنهاً مختلفاً عما لم تكن تدريه، ماذا بها، سأفتحها، سوستتها متربة، وبالتأكيد، ستتآكل بعض أسنان الجرار حينما أحاول فتحها، عليَّ أن أكون دقيقاً، دقيقاً جداً، أيهما كان علة للآخر، فعل الدق لأنه يجعل الأشياء دقيقة، أم دقة الأشياء هي التي أكسبت الفعل ذلك الدال؟ إذا فبها صور، صور قديمة، لماذا احتفظ بهذه المأساة، ذكريات ذكريات ذكريات، ما اللطيف في أن أحتفظ بتاريخ تجسده صور باهتة؟ فلأمزقها،.. هة.. وما هذه؟ إنه فلاش قديم، ماذا ترى به يا ترى؟ سأرى، نفخات داخل مقبسه لأنفض عنه تراب عشرين عاماً، والآن..سنرى، .. يا للأسف..إنه معطل، كان لا بد أن يتعطل، وهم يتحدثون عن ترك الوثائق الورقية، من ذا يضمن هذه الترهات الرقمية، آه.. كم أنا متعب...إنني أتحدث مع نفسي دائماً، ولكن بدون صوت، لذلك لا أحد يعرف أنني ثرثار أكثر من الحلاقين. في الواقع، الحلاقون ليسوا ثرثارين كما يشاع عنهم. ذلك الشاب الأثيوبي، لا يفتح فمه، نحيل، بجمجمة مسطحة من أعلى وقليل من الشعر على جانيها، كم هو نحيل، يبدو كشاعر بائس. هكذا كلما أراه أعتقد أنه شاعر، لكنه لا يفقه شيئاً في الشعر، وهذا صحيح، لكنه يمتلك خاصية الشاعر، فمن الواضح أنه محروم. ولذلك يبقى لساعات وهو يقص شعري، حتى أشعر بالملل. أرجوك.. إنهِ هذا الأمر فوراً، طبعاً لا أقول له ذلك فقد يتعجل ولا يحلق شعري جيداً، بل أنتظره بصبر، أراه في المرآة وهو يتأمل نقطة في مركز يافوخي وكأنما يشاهد مسلسلاً غير مشوق، تضيق عيناه، وكفاه متشبثتان بالمقص والمشط ومتيبستان. يدقق النظر في يافوخي، حتى لكأن المسلسل إجترار لماضيه الأسود. ما الذي ألقى به هنا، عابراً تضاريس الأرض المعقدة، جبال ووديان وقفر وخضرة وصحراء، ليعمل هنا حلاقاً، هل كان يعرف كل ذلك حينما كان يرضع من ثدي أمه بأمان. بالتأكيد لا، أنه ككل البشر، لا يعرف أي شيء عن أي شيء، لكنه يقاتل طواحين الهواء، مرحبا ثيربانتس، باقياً في حالة انتظار قودو مرحباً بيكيت. ماذا يقول هؤلاء الروائيون التافهون؟ لماذا يقولون ذلك؟ ليس من المفترض أن يقولوا ذلك؟ ولكن ماذا عليهم أن يقولوا إن لم يقولوا ذلك؟ هل عليهم أن يقولوا أساساً أي شيء؟ إنهم ثرثارون جداً، ما ذلك الشيء الذي يبرز من تحت مرتبة السرير؟ دعنا نرى، دعنا نرى، أها!!! يا للوقاحة، ملابس داخلية، ولكن..ولكن لماذا لم أشعر بالسعادة حين وجدتها؟ سأفكر في هذا السؤال الخطير؟ نعم إنه خطير؟ ولكن لماذا هو خطير؟ لأنه..لأنني أطلب مني أن افكر، وأفكر في أي شيء؟ في إحساس غريب؟!!!، إحساس غريب؟ ولماذا هو غريب؟ أليس من الطبيعي أن أبحث عن شيء وعندما أجده لا أفرح؟ نعم يبدو غريباً، حقاً هو غريب. يا إلهي!!! حقاً، لماذا لم أفرح بإيجاد ملابس داخلية نظيفة؟ هذا حقاً شعور غريب؟..دعني أفكر قليلاً، عن أي شيء كنت أبحث؟ كنت أبحث عن ملابس داخلية نظيفة، ولماذا كنت ابحث عن ملابس داخلية نظيفة؟ لأحملها معي؟ وإلى أين سأحملها معي؟ إلى مشفى النقاهة النفسية؟ هذا باختصار هو السبب، إنني في الحقيقة لا أرغب في الذهاب، ولذلك عندما وجدت ملابسي الداخلية ضعفت حجة من حجج تعطيلي عن الذهاب. ولكن..السؤال الأهم؟ لماذا أذهب إلى مشفى النقاهة النفسية؟ يجب أن أعرف السبب الحقيقي، ولكنني لن أتمكن من معرفة ذلك لو لم أستخدم المسمى الحقيقي لذلك المشفى، فهو ليس مشفى النقاهة النفسية، بل مشفى الأمراض العقلية، نعم، ولماذا غيرت اسمه؟ لأنني لم أحب إسمه الحقيقي، ولماذا لم أحب اسمه الحقيقي؟ لأنني لا أريد أن أعترف بأنني مجنون. ولكنني لست مجنوناً، لا.. لست مجنوناً، فأنا أدرك الأشياء كما هي.. أنظر، ها هي كرة قديمة، كرة منذ عهد الطفولة، ملونة وجميلة وذات سطح أملس لامع، ما أجملها حينما كنت أنفخها، كنت أشعر بالسعادة، ولماذا كنت أشعر بالسعادة؟ لأنني كنت أنفخها؟ كيف ذاك؟ لأنني كنت أراها تنمو وتكبر، تكبر، وتزدهي وتلمع، ينشدُّ سطحها فتتماسك أكثر وأكثر كرغيف في فرن الخباز. نعم، كنت أشعر بأنني أخبزها، خباز؟!! هة؟!!! نعم، ولكن لماذا؟ لأنني كنت أعتقد أنني أخلقها..أمنحها روحاً، شعوراً كإنجاب طفل. كانت الأبوة راسخة داخلي قبل حتى أن أبلغ الحلم. الأبوة الكئيبة..عالم متسخ، متسخ تماماً، متسخ بالصدفة التي نحاول سرقة نسبة حدوثها لإرادتنا الخاصة. ولكننا في الواقع يجب أن نعيد النظر في كلمة إرادة..لماذا؟ لأنني الآن فقط وبعد قرابة خمسين عاماً، وحينما استعرض تاريخ حياتي كما يفعل ذلك الحلاق وهو يحدق في منتصف يافوخي، اكتشف أننا بلا إرادة، حقاً بلا إرادة الخلق، نحن فقط نمتلك قدرة محدودة على تخطي الصدف للوقوع في مصيدة صدف أخرى. يا إلهي،.. كم ذلك مضحك..مضحك حقاً..نعم سأضحك ولن أتوقف عن الضحك..ولماذا أتوقف؟ سأضحك..ها أنا أضحك وأضحك.. أليست السخرية من حقيقة تسخر منا هو دفاع شرعي، دفاع ضعيف وتافه ولا قيمة له. فهو لا يهدد الحقيقة أبداً. بل يهددنا نحن، يهددنا حتى يضحى من الضروري أن نذهب لمشفى الأمراض العقلية. ولكن؛ ما هذا؟!! هة؟!! ما هذا كله؟ ما كل ذلك السقوط في سحيق الوعي، حيث يضحى الوعي سذاجة وحماقة، كسؤال من أوجدنا، والصحيح أن نسأل؛ كيف انوجدنا، إذ تحيل كيف إلى العلمية، وتحيل من إلى الغوص في العبث...ولكن.. ما هذا؟!! هة!!! ما كل هذه الأشياء؟ تلك المكدسة داخل هذا الكيس القذر، دعني أرى، هة؟! قلامة أظافر؟ صابونة حمام؟!!! معجون أسنان؟!!! فرشاة أسنان؟!!! وما هذا؟ اللعنة، إنه خاتم..خاتمي الفضي، بوجه القرد الضاحك..ولكن..غريب، لا يبدو القرد ضاحكاً، إنه لا يبدو قرداً أساساً، وجه غريب، وجه غريب جداً، وجه بائس، مكفهر، كريه، غير مريح، قلق، متوتر، مرهق كما لو لم يذق طعم النوم أبداً، ليس وجهي بالتأكيد.. لا ليس وجهي..متأكد أنه ليس وجهي.. يا إلهي.. هل عليَّ أن أذهب؟ ولكنني لا أريد أن أذهب... لا أريد أن أذهب..اسمعوا صراخي هذا...لا أريد أن أذهب..عليكم سخط الآلهة.. لا أريد أن أذهب، أتركوني، من أنتم؟ لماذا تقيدون يدي، لماذا تعتدون على حريتي، أتركوني، تباً لكم، تفووه، أتركوني يا قذرين، إلى أين تدفعون بي، ما هذا النفق المظام، لا، لا أريد الذهاب معكم، وما هذا الشيء؟!!! ما هذا؟!! إنها حقنة، هة؟!!! حقنة؟!!..ماذا بها، بها سم؟!!!.. إنها سم.. ليست سماً؟!!! فماذا بها إذاً؟!! مهدئ؟!!! ولكنني لا أحتاج لمهدئ، أرجوكم، لا أحتاج لمهدئ، إنني أحتاج لحريتي فقط.. أرجوكم...أرجوكم...

(تمت)

هذا النص

ملف
د. أمل الكردفاني
المشاهدات
58
آخر تحديث

نصوص في : قصة قصيرة

أعلى