إبراهيم أبوحماد المحامي - ابستمولوجيا القانون ج1

المدرسة المعرفية القانونية الفرنسية
تشتغل نظرية المعرفة القانونية الفرنسية بدراسة تشكيل وتطوير المعرفة القانونية. ويعتبر مصطلح ابستمية القانون مثيرا للجدل، وذلك على نطاق المدرستين الأمريكية والفرنسية، إذ أن المحور الرئيس في المدرسة الأمريكية يرتكز على المعرفة العامة و تاريخ المعرفة. أما الفرنسية فتتجاوز التاريخ لتشكيل وتتطور المعرفة . ولذا يتفرع عن سؤال المعرفة القانونية، سؤالا جوهريا فيما إذا كان القانون علما؟ مما يستلزم تحديد هوية نظرية المعرفة، وطريقتها الخاصة في حقل القانون. في اطار النظرية العلمية المعرفية.

وحيث عرف جان بياجيه النظرية المعرفية أنها:
La étude de la constitution des connaissances valables.
وفي اشكالية ترجمة المصطلحات فتتوفر أكثر من مرادف في الترجمة إلى العربية فيما يتعلق بالمفردة valables لتكوين تصور عربي لنظرية المعرفة أنها:
دراسة دستور المعرفة العلمية أو النقدية أو الصحيحة. إلا أن لفظة دستور غير ذات علاقة بالنص الدستوري. إذ أنها تعني تداوليا الأفكار والأدبيات والقواعد التي تحكم التفكير المعرفي. ولا يمكن القول بأنها دليل على ارتباطها بالمعرفة القانونية صراحة أو دلالة. مما يشكل خطأ معرفي لغوي في النظرية المعرفية الفرنسية. والتي أسست وجهة نظرها على هذا المعتقد.
وبذلك فإنها معرفة تقويمية غير عامة وفق المدرسة الفرنسية. وبالتالي اتاحت للعالم القانوني، تناول نظرية المعرفة القانونية. ومن العلماء المبرزين في ذلك كريستيان اتياس وبول سيليك. وبالنتيجة وُظفت مناهج سياقية اجتماعية واقتصادية في التحليل المعرفي القانوني.

وفيما يتعلق بمقارنة نظرية المعرفة بفلسفة العلم فإن كليهما يدرس العلم على شكل فكرة بخطاب انعكاسي ناقد. أي خطاب يناقش الأفكار وقد يتناولها بشكل غير تقليدي استفزازي انقلابي ثوري بإعادة التفكير في التفكير ذاته؛ وهذا ما يؤيده جيل غاستون جرانجر . وبالنسبة لنظرية المعرفة فقد تكون عامة أو جهوية أو تخصصية، ونظرية المعرفة العامة تنحو منحى عام للعلوم. بينما نظرية المعرفة الجهوية تركز على العلم التخصصي الجهوي ولذلك تكونت مدرسة معرفية فرنسية وأخرى أمريكية . وهذا ما نجده بانقسام المدارس القانونية الكبرى من لاتينية وانكلوسكسونية واسلامية. مما يعزز العلوم المقارنة من نظرية المعرفة والأدب والقانون المقارن.

وهذا ما نجده في الفقه الاسلامي المقارن. إلا أنه مقارنة بين المذاهب الاسلامية ومنها الخلاف في الرأي الخاص بالأدلة العقلية كالقياس والاستحسان. والنقل والعقل ومن الصراعات المعرفية بذلك ابن رشد والغزالي. وابن حزم الظاهري والمالكية. ففي مقدمة رسالة ابن حزم في طوق الرسالة يذكر بأن الحب غير محرم بالنص ليكتب رسالته في زمن فتنة الاندلس والعوز والحاجة للحب في مقابل الحرب والدمار. ليرفض منهج القياس ويعلي من شأن ظاهر النص. وإذ يقابل مفهوم المقارنة مفهوم الموازنة فالفقه الاسلامي فقه موازنة غير مقارنة لعدم تحقق أي من شروط الاختلاف الجغرافي واللغوي. حيث أن الاشتغال بذلك كان دون تكوين مصطلح المقارنة مثل ما ورد من نقد فقهي معرفي في بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد. وتشكل معضلة التدوين إحدى أسباب تأخر الحداثة القانونية العربية والتي دعا اليها ابن المقفع وهارون الرشيد مذ البعصر العباسي.

وكذلك نجد الصراع الفكري في حقبة الحداثة وما بعد الحداثة في مصنف أدونيس الثابت والمتحول ونقده للفكر الشافعي وابتكارة لأصول الفقه الاسلامي. ونقد التراث العربي الاسلامي لدى محمد عايد الجابري في نقد العقل العربي ومحمد أركون وجورج طرابيشي ....وتأويلات وهيرمونطيقا نصر حامد أبو زيد. وبثينة الجلاصي التي تترأس المؤسسة الدينية التونسية في نقدها لفكر عبدالقاهر الجرجاني والنص والقياس.باعتباره معياري غير وصفي. وكذلك نقد الحداثة لطه عبد الرحمن وعبدالوهاب المسيري ومحمد عمارة.وطارق البشري.
وعلى خلاف ذلك فإن المنهج الصهيوني وعلاقة الدين بالدولة تحقق تناغم لدعم الاحتلال الصهيوني في فلسطين المحتلة. ويتمثل ذلك في قانون العودة وتوظيف كتاب المتدينين في جيش الاحتلال والحفاظ على نقاء العنصر اليهودي في علاقات الزواج وتكوين الأسرة واعتبار فلسطين أرض بلا شعب في أسطرة الكيان. وتوظيف التوراة كدستور وشرعة حقوق إنسان. وهذا ما نجده في أعمال ثيودور هرتسل من الدولة اليهودية وأرض قديمة جديده. إذ تنبعث من نظرية المعرفة في القانون الدولي للأراضي المستعمره، أو الأراضي الخالية ففلسطين وفق النظرة الاستعمارية أرض بلا شعب. وهذا ما يؤكده عادل الأسطة في نقده لرواية أرض جديدة قديمة لهرتسل. التي تسعى لربط بلاد الشام بالقطارات لتطوير المجتمع العربي. مما يشكل نواة لفكر رابين في شرق أوسط جديد والاستراتيجية الصهيونية لدولة الاحتلال. ويستشهد عادل الأسطة بمقولات محمود درويش بأن الكيان جيش في دولة لا دولة في جيش. ومن شعره الساخر
و أهنيء الجلاد منتصرا على عين كحيلة
كي يستعير كساءه الشتوي من شعر الجديلة
مرحى لفاتح القرية! ..مرحى لسفاح الطفولة!

أما على الصعيد المدرسي والجامعي فتتجه الدول العربية إلى عدم بيان الاختلافات المعرفية. وتنمية مهارات التفكير لدى الطلاب في المراحل المدرسية والمرحلة الجامعية الأولى وخاصة في دول المشرق العربي. وفق مذهبية خاصة لكل مؤسسة. فهناك فارق بين جيل طه حسين في دستور مستقبل الثقافة والاجيال الحالية . والذي أوجد جيل الستينات بمختلف اطيافه بسبب تشجيع القراءة الحرة. والكتاب المجاني المدرسي. ولا يغيب عن البال بأن ارتفاع مستوى التعليم لم يغير من الثقافة السياسية في المجتمع العربي بين مائة عام تقريبا من تعريب الثقافة. إذ أن التعليم رهين المثالية وعدم التجريب سواء في العلم الانسانية أو الاجتماعية.

إلا أنه من الجدير بالملاحظة أن العالم العربي والاسلامي كالعديد من الحضارات الأخرى ومنها الهندية والصينية تحاول أن تتكيف والمعرفة القانونية الغربية. ولذلك ففي اطار التبعية والتحرر وحقبة ما بعد الاستعمار لا تزال المعرفة القانونية العربية غير مكتملة نظرا لعدم اكتمال مشروع تحررها وتحقق الشرط الاقتصادي. مما يجعل من الفكر القانوني غربي يتثاقف في وطن عربي يعاني من إشكالية ديمقراطية مما يخلق تصورات مغايرة للفكر الغربي. ويشكل عائق معرفي لتكوين معرفة قانونية علمية. إذ أن تشكيل نظرية معرفية عربية غير متوفر في مفارقة مع الفكر الغربي فمثلا في الأدب تشكل الرواية وأعمال شكسبير وابسن جزء من المعرفة القانونية كما يشير اللورد دينج. أما لدينا فتجدر الاشارة لأعمال إبراهيم بكر وفاروق الكيلاني وسعيد العليمي من مصر وهذه مفارقة غريبة. تهدف تجاوز مصائر ومآلات في مجتمع مغلق غير مفتوح. وينم عن سيادة الاتجاهات التقليدية غير الحداثية في المجتمع العربي؛ حيث لم يتكون مجتمع مدني. حيث أن المعرفة تعني الانحياز والواسطة لا الفهم والجدارة والعلم.

وبمناقشة علمية القانون فإنه ينماز بعدم اليقين. إذ أن اليقين مشتق من سلطة معنوية معززة بسلطة جبرية تنفيذية. وبالنتيجة فإن الخطاب الرسمي في المدرسة والجامعة والمستشفى وفق وجهة نظر ميشيل فوكو يشكل المعرفة التي توظف لحماية الجسد وإدارة الحياة في الدول الديمقراطية أو الموت في دول التحول الديمقراطي والاستبداد كما تبين الباحثة أماني أبو رحمة. إلا أن ميشيل فوكو بمفهومه الانقلابي للسلطة والقضاء والقانون يتجاهل الأثر النفسي والاجتماعي للقوة الناعمة للقانون ففلسفة السجن وإن ناهض العنف والتعذيب وأن القانون والسلطة القضائية وظيفتها الجديدة حماية الجسد. الا أن الضحية والجاني لا يمكن علاج وتجاوز عقدة الذنب والانتقام لكليهما. فمناهضة حكم الاعدام هو ديمومة لتعذيب الجاني وقتله الف مرة مما ينفي فكرة الجسد لدى فوكو.

ويوضح كريستيان أتياس بأن نظرية المعرفة القانونية لها وجود بتآلف العناصر الأكاديمية من باحثين ومختبرات بحثية قانونية والمجلات العلمية. والتي تتبع القواعد المنهجية والتي ممكن دراستها والتحقق من صحتها. إلا أن ميشيل تروبر وأندريه جان أرنو يذهب إلى أن نظرية المعرفة القانونية تعالج في إطار فلسفي.

ومن الممكن القول بأن الاستقراء القانوني كالعلمي قاصر. إلا أنه منحاز نحو المصلحة فالقانون إما أن يكون تنينا أو يكون أخر رصاصة بعد جملة من الاصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية . ويستوجب ممارسته وتكوينه الفهم والعلم والحكمة قال تعالى (ففهمناها سليمان وكلا اتينا حكما وعلما) سورة الأنبياء (79)ولما كان علم الأنبياء مرتبط بالوحي فإن الابستمولوجيا تختص بالتكوين المعرفي العقلي والتجريبي والحدسي. فالابستمولوجيا تقارب الفهم والإفهام وهذا واضح من رسالة جون لوك التجريبي رسالة في الفهم البشري. وكذلك ديفيد هيوم.


هذا النص

ملف
الأدب القضائي - المحاكمات الأدبية
المشاهدات
24
آخر تحديث

نصوص في : ملفات خاصة

أعلى