عبدالهادي زيدان - انكسارات منتصر

استند علي عصاه التي صاحبته منذ سنين.. حاول ان لا يشعر بوجود ذلك المرض الذي صادقه طويلا.. ارتدي ملابسه التي لم تتبدل مذ صاحبته الام الظهر.. داعب اولاده وزوجته قبل الخروج من البيت.. تمني حمدان لو قابل بعضا من رفاق ايام عزيزة علي نفسه..مازال الوقت مبكرا فقد يجد بعضهم بعد صلاة المغرب.. بدات اعمدة النور في الاضاءة.. تبقي منها القليل.. هشم الاطفال غالبيتها والبقية ما زالت تنتظر.. لم يجد احدا منهم هناك.. اخذ طريقه المحاذي لترعة القرية المحدودة الاطراف... رغم اخضرار اوراق الشجر وتلون ازهارها... شعر برائحة كريهة تزكم انفه.. صبية صغار يلقون بطيورهم النافقة في الماء الذي توقف عن الجريان.. اكوام متراصة من فضلات الطعام علي الجانبين.. بضع اطفال يتبادلون ما تيسر من خارج الالفاظ.. ود لو انبهم قليلا لولا انه تذكر يوم ان كان مثلهم كان في القرية اماكن تتسع للعب ولتفريغ شئ من طاقاتهم.. ما عاد هنالك مكان في المدارس حتي للجلوس.. مضي قدما بعيدا عن الصبية والرائحة الكريهة.. اقترب من القهوة الصغيرة.. طلب من صاحبها كوبا من الشاي.. اتي به متاخرا..متثاقلا.. يبدو ان هناك من هم اهم منه في تقديم الخدمة.. اشتم رائحة تنبعث من تلك السجائر التي التف حولها بعضا من الشباب.. لم يشأ ان يعلق وان راي زجاجات خضراء بجوارهم ملقاة علي الارض.. قهقهاتهم اجبرته علي مغادرة المكان.. احث الخطو نحو مزارع القطن القريبة التي اصابتها الديدان منذ سنوات.. جلس القرفصاء.. القي بعصاه ارضا.. تسلل ضوء القمر قليلا.. نظر اليه نظرات لوم لم يفصح عنه وعتاب لم يتلفظ به.. تذكر يوم ان كان والقمر صديقين في ليلة ما قبل العبور.. تذكر وعد ضؤه بالنصر.. صدق وعد القمر.. حمدان ورفاقه سطروا ملحمة للعز.. عبروا.. خرجوا من دائرة النسيان.. اكبرهم العالم.. قدرهم العدو قبل الصديق.. كسروا نوافذ الذل.. اعادوا البهجة التي اختفت.. استعاد حمدان امجادا صنعها مع غيره.. الان لا يري منهم احدا.. لا يعرف ما صنعوا احدا.. لا يعرف الصغار ما فعلوه في ذلك اليوم.. لقمة العيش المبلل بالانكسار لا تمنحه وقتا للحديث حتي عن تلك الشظية التي باغتت قدمه اليمني.. حمدان ما عاد يشكو حزنه الا لمن صدق وعده عله يجدد العهد ولو بعد حين.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى