د. سيد شعبان - هافا ناجيلا

بعضكم يظن هذا اسم فتاة جميلة على شاكلة فاتنات هوليوود؛ حاولت تتبع تلك الأحداث التي ترآت في منامي؛ احترت في تصنيفها في إطار توضع فيه؛ تجمعت تلك الخيوط التي فرت مني؛ هذا جلاد أسود الوجه كريه الرائحة؛ ينزل بسوطه على ظهري؛ يمسك برقبتي ويهزأ بي؛ أفر منه ويلاحقني بسبابه؛ يضربني في أي مكان؛ يضع عصاه في مؤخرتي؛ فأنا لديه مستباح لا أمتلك غير لقب بذيء.
تهزأ بي تلك الفاتنة أن أرقص وأغني؛ لاجدوى من كل الحب انتهى زمن الذين أحبوا أوطانهم.
هكذا تقول تلك الأنشودة إلا البلاد التي سرقتها.
أتلمس الهواء الذي تجمد من حولي؛ كل شيء في هذا المكان مصاب بالخرس إلا نزقه؛ أتحول إلى جهة أخرى تتابع أصوات البوم والغربان كريهة الصوت، في نزق تمزق الكلاب جسدي؛ كنت هنا؛ نعم أحلم وتلك جنايتي؛ أن أمتلك حلما تتراقص فيه بنت حلوة ذات وجه قمري؛ تعابث الرياح شعرها وأدنو من شفتيها؛ يعوي الذئب في جنبات الخرابة؛ أعود أحمل حسرتي؛ أدق على الباب فلا أجد أحدا ممن أعرفهم؛ وجوه منكرة وأصوات مخنثة تسكن بيت أجدادي ذلك الذي أرغمت يوما على تركه.
تلمست حجرتي وسريري فإذا به مصاب بالجرب والتقيح؛ تمرح فوقه الجرذان؛ صورة باهتة معلقة على الحائط؛ لخارطة صارت مثل قطع الفسيفساء، يئن صوت المذياع بأن ذلك يوم عودة الأحلام؛ تتبعت ذلك الأزيز الصادر منه؛ يتراقص هؤلاء الذين استباحوا حجرتي وفراشي على وقع أغنية مخمورة" هافا ناجيلا!
لم يكن غريبا أن تصدر من كل موجات الأثير العربية؛ لست مخطئا؛ لقد مضى زمن البطولات الزاعقة؛ دموع في عيون وقحة صارت لفارس بلا جواد؛ في كل مكان شارات بها؛ زمن المن والسلوى تلوح أفقه.
إنها بصوت "داليدا" التي غنت يوما حلوة يا بلدي!
أكاد أصاب بالجنون؛ هافا ناجيلا بصوتها؟
ولم لا؟
إنه زمن المساخر التي جعلوا لها عيدا!
يشدو أطفال حارة المنسي أبو قتب بكلماتها؛ حتى بعدول صار ملحنا لها؛ مزين الصحة في كفر أبو ناعم يترنم ب هافا ناجيلا!
تتعارك كؤوس الخمرة في تلك الأيادي الصاخبة؛ كل شيء هنا مباح؛ في تبجح يبدون عراة؛ من كل صنف من البشر عرب و غجر و معممون بلحى كاذبة يترنمون بهافا نجيلا؛ وحدي هنا مصاب بذلك الداء الأزلي؛ أن أصمت ولا أغني معهم بهافا نجيلا
تدنو مني امرأة شقراء؛ تتمايل في تبذل تمسك بيدي- مرغما- فأفر إلى الحائط أحتمي به؛ يتجمعون حولي ويتراقصون؛ أبصق علي ذاتي التي تقزمت وتردد وراءهم هافا نجيلا؛ يقهقه شيخ كنت أسمعه ذات يوم يتأوه في التلفاز؛ لحيته البيضاء الطويلة وثيابه القصيرة؛ يفتي بجواز الترنم بتلك الألحان؛ لقد صار كل شيء هنا أشبه بحانة.
فتوى تمنح لمن يطلبون الاحتفال بيوم كيبور، انتهت كل أوراق الاتهام ضدي؛ فأنا من يهدد الوطن من لا يتراقص طربا على أجساد أطفال بحر البقر؛ من خان عكا وحيفا ويافا من سرق المفتاح من بلقيس؛ هل يحب هؤلاء أن أتراقص ثملا بهافا نجيلا؟
أوصتني الفتاة التي أحببتها ذات يوم بأن أفعل؛ أسير وراءهم وأردد مفرداتهم؛ ساعتها سأكون نجم التلفاز؛ تفتح لي الأبواب السحرية؛ وأرتدي رابطة العنق الذهبية.



1606504515695.png

هذا النص

ملف
د. سيد شعبان
المشاهدات
63
آخر تحديث

نصوص في : قصة قصيرة

أعلى