أمل الكردفاني- آيدولوجيا اللطافة

يرى فوكو أن القرن التاسع عشر الذي شهد هجمات شاملة تجاه العقوبات البدنية، كان الغرض منه نزع العنف الإجتماعي لتكريس السيطرة السلطوية، وأعتقد أن هذه الآيدولوجيا استمرت بعد حروب عنيفة وقذرة في القرن العشرين انتهت بنهاية السرديات الثورية الكبرى. وتبني عصر آيدولوجيا اللطافة.
سنرى دوما صور وزراء أوروبيين يقودون الدراجات في الشوارع، أو رؤساء يركبون الأتوبيسات مع الشعب، أو ابنة رئيس تعمل كنادلة في مطعم..الخ. هذه رسائل نفسية قصيرة تدغدغ السلام الداخلي للافراد (كشعوب). مصحوبة بزخم دعائي تجاه أنماط سياسية محددة (الدموقراطية، الانتخابات). وأنماط صحية (العزل الذاتي، ارتداء الكمامات)، وأنماط معرفية تصالحية (البرمجة اللغوية العصبية، التنمية البشرية، البوذية)، وأنماط فردانية (الجنسانية، النسوية)، انماط علمية (الإنفجار العظيم، نظرية التطور، فيزياء الكم).
إنها جوقة متكاملة داخل مسرحية عالمية ضخمة لا يمكن مواجهة ما ينفق عليها من ترليونات الدولارات، تسعى جميعها لفرض إنسان ذو بعد واحد (الإنسان اللطيف). إنها عملية اكتشفها نيتشه وقاومها بالإنسان السوبر، حينما طعن في التعاليم المسيحية، والسقراطية وكهنتها (نيتشه؛ الفجر).
تعمل تلك الآلية الدعائية على التكييف الأخلاقي، أي تحويل القضية لنمط وأسلوب معيشي، وبالتالي تحاط بجدار أخلاقي. فالعادة ترتبط بالإخلاق، فعدم تعدد الزوجات كان مخالفاً لعادة التعدد في المجتمعات القديمة، وبالتالي يكتسب التعدد بعداً أخلاقياً وعدمه بعداً لا أخلاقياً، والآن ليتم قلب ذلك النمط، يتم فرض الزواج الواحدي بالقوة (كما حدث في الولايات المتحدة ضد المورمون وحرب اوتاه)، ليمارس متحولاً لعادة، فتحاط العادة بقيمة أخلاقية، وهكذا يحصل على رسوخ زمني. هذا الفهم فصله لنا نيتشه أثناء عبوره في مسار التحرير الإنساني. وسنجد أن المعتقدات بأسرها اعتمدت ذات المنهج (التعويد+الربط الأخلاقي). سنجد اليوم قيما أخلاقية أخرى مُنحت لأنشطتنا البشرية (كقيمة العمل) v. (التبطل). كبديل لسلب العبودية المباشرة. رغم أن العمل مسألة شخصية محضة، كما يستخدم (النزع الأخلاقي) للنشاط أو ما يمكن أن نشبهه ب(الإخجال) أو الإشعار بالذنب أو العار، وبالتالي إحاطة ذلك النشاط باللا أخلاقية ليكون بمثابة (خطأ)..فزواج الرجل العجوز من فتاة في بداية العشرين؛ يحاط بعدة طعون أخلاقية ولو بقبول من الفتاة، رغم أن العبرة في السعادة الزوجية بالاختيار الشخصي، وفي أسوأ الفروض في القوة الجنسية، وهذه الأخيرة لا ترتبط بالسن دائماً بل ولا ترتبط بالقوة العضلية للرجل بشكل عام. ذات الأمر فيما يتعلق بنظرية المؤامرة؛ فبالرغم من أن المؤامرة ليست واحدة بل هناك مؤامرات دولية تحيط بالشعوب، كما حدث قبل وإبان وبعد الثورات، لكن يكفي أن يصفك شخص بأنك: (تومن بنظرية المؤامرة)، لكي يسلبك حق التحليل المنطقي للواقع. هكذا يتم ترسيخ ونبذ المفاهيم، منحها قيم أخلاقية أو نزعها منها، وبالتالي تحديد (الصواب) و(الخطأ). على نحو لا يمكن لأي وعي مقاوِم أن ينتصر. لا نستطيع أبداً أن نتجرأ فنوجه نقداً للوسيلة الانتخابية في التوالي السياسي، لأنها محاطة (أي الدموقراطية) ببعد أخلاقي، ولا يمكننا أن نتعرض بالنقد للقيم الرأسمالية كالتحرير الاقتصادي بالنقد، وكذلك للدوغما النسوية، ولا حتى لتبرير الخصوصيات الثقافية أو منحها شرعية الوجود أو البقاء. وتلك الآيدولوجيات تحاط بحماية قانونية، كالاتفاقيات والمعاهدات الدولية.
خلال السنة ونصف الماضية توجهنا لمنظمات حقوق الإنسان بعشرات الوقائع التي تثبت انتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان، لكنها تجاهلتها، فهيومان رايتس ووتش على سبيل المثال، تقترح دائماً قيمة الفعالية كمعيار لما هو متفق أو منتهك لحقوق الإنسان. إنها مثلاً لا ترى ضرورة إثارة تلك المسائل في دولة تتجه نحو الدموقراطية (دموقراطية بنسق معين). وكذلك الحال لمنظمة العفو الدولية، التي حتى الآن لم تتوجه بالنقد في حالات اختفاء قسري بالعشرات منذ نهاية الثورة. وهكذا فالفعالية أو البراغماتية، ليست مقصورة على القواعد العقائدية مثل (التقية، الضرورات، الكذب في الحرب،إقالة ذوي الهيئات..الخ). بل تتعداها إلى التغاضي المطلق، الذي ينسف الحقيقة الأخلاقية من جذورها، حينما توضع القيمة أسفل حذاء الفعالية، تلك التي رفضها سقراط حين رفض أن يهرب من الموت لأنه يحترم القانون.
..
..(يتبع..يوماً ما)..

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى